معالم الإخدود الإثيوبي الرئيس

معالم الإخدود الإثيوبي الرئيس

رحلة ميدانية إلى الإخدود الإثيوبي الرئيس The Main Ethiopian Rift (MER)

تأتي هذه الدراسة الميدانية ضمن الرحلات التي نظمها الملتقى الرابع والعشرون لجيولوجية أفريقيا The 24th colloquium  of African Geology والذي عقده الاتحاد الجيولوجي الإفريقي في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، ويعقد هذا الملتقى مرة كل عامين (مرتين في أفريقيا ومرة في أوربا، باعتبار أن أغلب الدراسات التي تتم عن أفريقيا تقوم بها جهات بحثية ومؤسسات أوربية بما لديها من معامل وتقنيات حديثة في التحليل والاستشعار عن بعد ...الخ).

استمرت الرحلة عبر يومي 6 و7 من شهر يناير 2013 وهو ذروة فصل الصيف في نصف الكرة الجنوبي  (شتاء نصف الكرة الشمالي) وهذا هو التوقيت الأفضل لعقد المؤتمرات والدراسات الميدانية لأن فصل الشتاء هنا (صيف نصف الكرة الشمالي) غزير الأمطار بمعدلات تصل إلى 400 سم سنويا). شارك في الرحلة نحو 50 مشاركا من دول مختلفة من أفريقيا ( جنوب أفريقيا، بتسوانا، موزمبيق، الكونغو – أوغندا - السودان – مصر) وأوربا (ألمانيا – هولندا – فنلندا- النرويج – فرنسا- التشيك – المملكة المتحدة).

كان خط سير الرحلة يهدف الى دراسة الجزء الأوسط من إثيوبيا والمعروف باسم الإخدود الإثيوبي الرئيس حيث تتمثل فيه أهم ظاهرات الإخدود الإفريقي وفي مقدمتها الظاهرات التالية:

  1. المار Maar (البحيرات المتكونة في فوهات بركانية ضحلة نتيجة انفجار المصهورات البركانية مصحوبة بالمياه الجوفية). ويتم استخدام هذه البحيرات في أغراض الترفيه والسياحة الداخلية.
  2. البراكين: Volcano  وتظهر هنا عشرات النماذج المثالية للمخاريط البركانية بأحجام مختلفة وبسجل بعضها وجود تدفقات من اللافا أحدث في عمرها وتنتج لونا وسمكا مغايرا يمكن تمييزه عن بقية جسد المخروط البركاني. وقد تمت زيارة بركان فانتيل Fantale قرب بلدة ميطهرة وهو بركان نشط حيث كان أحدث ثوران له عام 1820.
  3. الحافات الصدعية Fault scarps والصدوع السلمية Step Faults إضافة إلى الصدوع العادية التي ينتج عنها ظاهرة الهورست والجرابين Horst-Graben
  4. الفوهات البركانية Crater
  5. الفوهات البركانية الضخمة Caldera
  6. الانبعاثات البركاينة المترسبة في شكل طبقات رقيقة من الرماد والفتات البركاني Pyreclastics
  7. الكهوف والقباب البركانية Blister Cave والتي نتجت بعد أن تراكم انبعاث بركاني Pyreclastics فوق أراضي رطبة فتعرضت الصخور الملتهبة وهي في حالة بلاستيكية إلى التقبب إلى اعلى فأخذت شكل القباب المفرغة من أسفل، ومع تطور الظاهرة يحدث انهيار لجزء من القبو فيبدو على شكل كهف ، وفي مراحل متأخرة تنهار بقية القبة فلا نجد سوى حطام صخري. وتنتشر هذه الظاهرة بالمئات وبأحجام مختلفة وتعتبر أحدث الظاهرات البركانية المتكونة في منطقة الإخدود الإثيوبي الرئيس. وقد زرنا حقل ميطهرة للكهوف القبابية وهو أكبر الحقول من نوعه في العالم.
  8. المتنزهات الجيولوجية Geoparks وهي تلك المناطق ذات الخصائص الجيولوجية النادرة والتي تمت حمايتها لما بها من خصائص أحيائية نادرة وأخذت مسمى "المتنزه الطبيعي الوطني National Park". وقد توجهت رحلتنا إلى متنزه أواش Awash الذي يتميز بشلالات أواش المتكونة في صخور بركانية سوداء (لذلك يبدو النهر بلون أسود). وهناك بيئة ثرية نباتية (خاصة من أشجار الزيزفون والأكاسيا وغيرها) وحيوانية (نعام – طيور مختلفة – قرود – بعض الأسود..فراشات وخنافس..ألخ) وبعد الشلال يستمر النهر في سلسلة من الجنادل الصخرية التي تعطيه ملمحا جيومورفولوجيا مميزا.
  9. العيون الحارة Geothermal Springs  وهي عيون متدفقة من صخور بركانية بدرجة حرارة تتراوح بين 70 و80 درجة مئوية وهذه العيون هي جزء من النظام النهري لنهر أواش. وهناك فوائد استشفائية للعيون تجعل منها محطا لآلاف الزائرين.  وقد تمت زيارة نموذج لها في عيون سوديري Sodere. وجرى نقاش حول نماذج العيون الحارة في البيئات البركانية ونظيرتها في البيئات الرسوبية في الحجر الجيري، وأعطى المشاركون أمثلة من التشيك وأسهمتُ من جانبي في المقارنة بعيون موسى في مصر.
  10.  البحيرات ذات النشأة الصدعية، وهو نوع من البحيرات تعزى نشأته إلى وجود صدوع وفواصل في سطح الأرض تؤدي إلى تدفق المياه الجوفية في مناطق حوضية بين البراكين. وتشهد بعض هذه البحيرات زيادة مستمرة في منسوب مياهها نتيجة تدفق المياه المتزايد عبر هذه الشقوق والفواصل. ويرجع البعض نشأة هذه البحيرات إلى ظهور جيل جديد من الينابيع.  وقد تمت دراسة نموذج من هذه البحيرات مثلته بحيرة  بيسيكا Beseka والتي كان يمر على أطرافها طريق المواصلات الرئيس الذي يربط إثيوبيا بميناء جيبوتي وهو المنفذ الرئيس للبلاد على البحر الأحمر.  وخلال ثلاثين سنة مضت ارتفع منسوب البحيرة بنحو عشرة أمتار وهدد طريق السكة الحديدية والنقل البري مما استدعى تحويله وتعليته عدة مرات، وتعاني حركة النقل في هذا القطاع من ازدحام وارتباك وحوادث مرورية بسبب التحويل والتعلية المستمرة في الطريق البري. 
  11. معالم النشاط البشري: وتشمل:
    • مظاهر عمرانية مثل الإطلاع على منطقة الهامش الحضري-الريفي في جنوب مدينة أديس أبابا فضلا عن المنطقة الصناعية على أطراف المدينة، وبلدة نازريت Nazreth  وبلدوة أواش   Awash وبلدة ميطهرة Metahra. وفيما بين هذه البلدات والمدن هناك أشكال بدائية من العمران تتمثل في قرى الأكواخ المصنوعة بشكل قبوي من سيقان وأغصان الأشجار، وبعضها من من مواد بناء صخرية ولكن بشكل بسيط للغاية.
    • أنشطة زراعية في الأحواض الواقعة بين البراكين وفي أماكن مختلفة من سطح الهضبة الإثيوبية والمحاصيل، وكان قصب السكر (قصير القامة بالمقارنة بنظيره المصري) هو المحصول الصيفي الأساسي الذي مررنا عليه وهو في فترة النمو، وكانت مزروعات أخرى قد تم حصادها في مقدمتها البصل والبطيخ.
    • الرعي هو الحرفة الأكثر انتشارا في هذا القطاع من البلاد حيث ينتشر الرعي على مراعي الصيف والنباتات الحولية وفي بيئة شبه جافة في هذا الوقت من السنة، وأغلب حيوانات الرعي هي الجاموس والأبقار والأغنام والإبل. ونظرا للحركة الكثيفة لحركة الرعي فعادة ما يكون لقطعان الرعي الأولوية في اجتياز الطرق الأسفلتية وايقاف حركة المرور.
  12. تغيير في المفاهيم التقليدية: في هذه الرحلة تغير لدىّ مفهومان تقليديان:
    • نعتقد من الناحية التقليدية إن إثيوبيا هي نافورة المياه وأنها ليست في حاجة إلى سدود لحجز مياه النيل الأزرق. فالأماكن التي مررنا بها في وسط إثوبيا تشهد شُحا في المياه لدرجة تجعل كثير من القرى تنقل مياه الشرب عبر جالونات بلاستيكية بطريقة بدائية على ظهور الدواب وعلى ظهور البشر في حالة من الفقر المائي الذي لا يتفق مع مقولة "نافورة المياه". والواقع هنا أن اثيوبيا في فصل الصيف الشمالي (شتاء الجنوب) تتلقى كميات ضخمة من الأمطار لكنها تضيع خارج البلاد : إما عبر النيل الأزرق إلى السودان ومصر أو تتسرب إلى المياه الجوفية. وتحتاج كثير من أراضي اثيوبيا بناء على ذلك الى مشروعات لإدارة المياه وشق القنوات وإنشاء سدود وخزانات للاستفادة بالمياه طوال العام.
    • حين نستمع في مصر الى مصطلح الزمن الرابع فاننا نستدعي الى الذهن ثبات الجيولوجيا ونشاط عوامل التشكيل الخارجية من رياح وأنهار وعوامل ساحلية. لكن في إثيوبيا زمن رابع لا يختلف عن قولنا في مصر بريكامبري مثلا حيث لا تزال حاضرة كثير من مظاهر البناء الجيولوجي وعمليات البركنة وتكوين المخاريط البركاينة والترسيبات البركانية وغيرها.
  13. نقاشات جانبية في الجيوبوليتيك خاصة في ثلاث قضايا:
    • ضرورة تفاهم مصر وإثيوبيا بشان قضية المياه. فحين يكتمل مشروع بناء سد الألفيه سيتم حجز مياه النيل الأزرق كلية لملء خزان المياه المتشكل خلف السد وهو ما سيحتاج الى عدة سنوات ليصل الى درجة امتلائه بالكامل قبل السماح مرة أخرى للنيل الأزرق للتدفق الى السودان ومصر من جديد. ماذا ستفعل مصر في تلك السنوات التي سيتوقف فيها مصدرها الرئيس من المياه (85 % من المياه من موارد مصر من نهر النيل تأتيها من النيل الأزرق فقط). وقد أبدى بعض المشاركين من إثيوبيا سعادتهم (وإن بطريقة المداعبة) لانشغال مصر بمشكلات الفترة الانتقالية وانشغالها عن ملف النيل بعد التصريحات التي قيلت سابقا بأن مصر مستعدة لخوض حرب من أجل المياه وقد تصل الى تدمير أية سدود تنشأ على النيل الأزرق!.
    • الانحباس الجغرافي لإثيوبيا بعد تكوين دولة إريتريا مطلع التسعينات والتداعيات المترتبة على الحرب التي دارت بين الطرفين من الناحية الاقتصادية والسكانية.
  14. زيادة الاعتماد الإثيوبي على جيوبوتي للوصول الى البضائع والسلع أو التصدير والاستيراد عبر البحر الأحمر، ولكن يخفف من خطورة هذا الاعتماد فقر جيوبوتي مما يجعلها تحيى اقتصاديا على تجارة المرور لللسلع والبضائع الإثيوبية. وبالتالي فهناك مصلحة مشتركة بين الجانبين وعلاقة جيدة للغاية.