استعادة روسيا مكانة القطب الدولي

استعادة روسيا مكانة القطب الدولي

استعادة روسيا مكانة القطب الدولي

بقلم عاطف معتمد
2009

ربما لم يعرف التاريخ دولة كروسيا فتنت بالتوسع الجغرافي والتمدد الجيوسياسي. فهذه الدولة غيرت ثوبها الجغرافي وبدلت حدودها عدة مرات خلال الألف سنة الماضية. في كل مرة كانت روسيا تتقدم إلى مناطق أكثر عمقا وتتماس مع شعوب وحضارات أكثر تنوعا فتضم داخل أسوارها الحديدية  مئات الملل والنحل، ومئات أخرى من الألسن واللغات. ولعله لهذا السبب يمكن استحضار روسيا في الخريطة الذهنية كمفهوم "مكاني" لا "قومي".

فإذا ما سافرت بقطار من مدينة خباروفسك على ساحل المحيط الهادئ إلى مدينة سان بترسبرغ على ساحل المحيط الأطلسي ستقطع رحلتك عبر أسبوعين، وستمر عيناك على ألوان مختلفة من سحنات البشر، يدينون بديانات متباينة، بين بوذية وإسلام ويهودية ومسيحية ومعتقدات وثنية. وإذا ما قطعت هذه الرحلة من مدينة أرخانجلسك على ساحل المحيط القطبي الشمالي إلى مدينة غروزني في الشيشان فلن تقل الرحلة تنوعا وشغفا.

ليس بوسع الباحث في الجغرافيا السياسية أن يتجاهل تأثير هذا التنوع البيئي والبشري على مستقبل روسيا على الجبهتين الداخلية والخارجية. فالتحليل الدقيق لما جرى في الشيشان خلال العقدين الماضيين سيكشف عن ممارسات وفصول درامية جرى مثلها على نحو بالغ الشبه قبل ما يزيد عن قرنين من الزمن.

وإذا ما راجعت التنافسات الروسية الحالية مع مراكز القوى العالمية حول البحر الأسود، وبحر قزوين، وبحر البلطيق، والصراع على السيادة في شمال المحيط الهادئ مع اليابان، والتنافس مع الصين للسيطرة على آسيا الوسطى (التركستان سابقا) فضلا عن تشابك المصالح في أوربا الشرقية، فربما تندهش أن كافة هذه المشاهد تستند على ميراث طويل من ممارسات مشابهة جُربت قبل ثلاثة قرون على الأقل.

بل إن ممارسات الوضع الداخلي في روسيا بين الكرملين والمعارضة، والاستحواذ على السلطة، والاستئثار بالنفوذ، والتباين الطبقي بين المعدمين والمتخمين، وغير ذلك مما يمور في روسيا اليوم هو بعينه الذي عاشته روسيا قبل عدة قرون، وإن اختلفت المسميات وظواهر الأشياء.

هل يعني هذا أن التاريخ يكرر نفسه ( بغض النظر عن مأساة الأولى وملهاة الثانية)؟ هل يعني هذا أن "الحتم" الجغرافي يسيطر على مستقبل روسيا فلا يعطينا فرصة لاستشراف مستقبلها إلا باستحضار ماضيها؟ أما زالت روسيا تقدم نفسها على الساحة الدولية كدولة "ولدت لتحارب"؟ هل ستبقى هذه الدولة تعشق الصراع، وتتقن المراوغة والمناورة، وتكسب المعارك حتى لو ضحت ببعض الخسائر الآنية ؟

في أحدث دراسة لمجلة السياسة الخارجية وتحت عنوان "ثأر الجغرافيا" أعاد روبرت كابلان قراءة الجغرافية السياسية لروسيا المعاصرة مستحضرا تلك النظرية الرائدة المسماة "قلب الأرض" والتي قدمها في عام 1904 عالم الجغرافيا البريطاني الشهير هالفورد ماكيندر عن المنطقة المحورية في الإستراتيجية العالمية. كان ماكيندر قد وصل في تحليله لقوى البر والبحر إلى أن منطقة شرق أوربا هي قلب الأرض النابض، وقامت فكرة ماكيندر على أن من يحكم شرق أوربا يحكم قلب الأرض، ومن يحكم قلب الأرض يحكم جزيرة العالم، ومن يحكم جزيرة العالم يحكم العالم.

وبوسع أي جغرافي سياسي معاصر أن يضع مكان شرق أوربا أفغانستان أو بحر قزوين أو آسيا الوسطى أو الخليج العربي أو حتى بحر العرب وسواحل القرن الإفريقي. بل بوسع هذا الجغرافي أن يستبدل المواقع الجغرافية بأدوات مناورة حديثة. فمن يتحكم في "أنابيب النفط والغاز" أو "تجارة السلاح" أو "زرع القواعد العسكرية" أو "تنصيب الحكومات الموالية" أو "القوة الناعمة" هو القادر على السيطرة على العالم.

تكاد لا توجد مشكلة جيوسياسية في العالم إلا ولروسيا كلمة فيها. تقابلنا روسيا حين نراجع الأزمة النووية الإيرانية أو الكورية، وتقابلنا حين نتابع سباق اللاعبين الرئيسيين في سوق السلاح، وفي أزمات البحر الكاريبي، وفي تصدير النفط والغاز، وفي الصراع العربي الإسرائيلي، بل حتى في مشهد تفصيلي داخل دولة عربية أو أخرى يخص جماعة دينية نجد روسيا حاضرة تبدي الرأي وتتخذ القرارات. وقد دعى هذا التقدم الروسي الباحث الشهير في الإستراتيجية الدولية دميتري ترينين إلى رؤية المستقبل وقد تراجعت فيه الولايات المتحدة وتقدمت روسيا، أما أوربا فقد خرجت تماما عن مضمار السباق.

ورغم النظريات الجيوسياسية المتعددة التي ظهرت في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي وتوقعت ظهور عالم متعدد الأقطاب، تتكاتف فيه اليابان وألمانيا والصين والهند وألمانيا وفرنسا أمام الولايات المتحدة، تمضى السنوات ولا نجد أمامنا قوة جديدة تناور على المستوى الجيوسياسي غير روسيا.

لكن في أي طريق تناور؟ هل تحضر روسيا نفسها من جديد لإشباع شهوات التوسع القديم؟ أم أنها رضيت بلملمة حبات المسبحة المنفرطة؟ هل ما زالت روسيا تلك الدولة الفتية القادرة على المناورة مع من يحاصرونها اليوم من الجنوب والغرب؟ وما أسلحة روسيا في العصر الحديث؟ هل فرغت روسيا من مرحلة تجميع الحجارة التي تخلفت عن انهيار البيت السوفيتي فأعادت ترصيص بعضها واستخدمت البعض الآخر كمصدات لهجوم الأعداء؟ أم أنها ما تزال توازن بين قوى الطرد وقوى الجذب التي تتنازعها بين الداخل والخارج؟ وأي ملامح لمستقبل روسيا؟

تستأهل الأسئلة السابقة عملاً موسوعيًا يشترك فيه ثلة من الباحثين المخلصين، وتدعمه مراكز أبحاث مستنيرة، لكن الورقة التي بين أيدينا لا تفعل أكثر من إلقاء بعض الضوء على جنبات تلك الأسئلة، علها تسهم ، إلى جانب أوراق أخرى، في إكمال الصورة المعرفية عن تلك الدولة التي ستفرض نفسها على العالم وبشكل بالغ التأثير خلال العقود المقبلة، على نحو ما شهدت العقود (بل القرون) الماضية.

تتناول الورقة ثلاثة فصول، يحمل الأول منها عنوان "زمن تجميع الحجارة" ويعرض للأساس الجغرافي السياسي للدولة الروسية من خلال دراسة المسار التاريخي لصعود روسيا إلى القطبية الدولية، ومقومات هذا القطب من الناحية الديموغرافية، فضلا عن دراسة "روسيا من الداخل" انطلاقا من أن هذا الداخل هو أحد المفاتيح الأساسية لفهم سلوكيات روسيا الخارجية.

أما الثاني فيحمل عنوان "العودة لساحة المعارك" ويبحث في مكانة الجيش الروسي ومحاولات إصلاحه ومناوراته في اتجاهات مختلفة، فضلا عن مكانة روسيا في سوق السلاح. واستخدام روسيا لأنابيب الغاز كوسيلة للتحكم في أمن الطاقة في مناطق نفوذها السابقة.

 ويأتي المحور الثالث ليعالج التنافس الروسي الأميركي فيما يمكن تسميته بالحديقة الخلفية وأساليب كل طرف لإضعاف الطرف الآخر. وتداعيات ذلك التنافس على العالم العربي. وتختتم هذه الورقة برؤية مستقبلية.

وليس من مفر الاعتراف بأن ما تضمه هذه الورقة لا يغطي سوى بعض فسيفساء اللوحة الجدارية، فالباحث في "استعادة روسيا مكانة القطب الدولي " يجد نفسه أمام شبكة بالغة التعقيد يتداخل فيها السياسي بالديني، والاقتصادي بالديموغرافي. ولأن الكيان الجغرافي لروسيا أقرب إلى قارة منه إلى دولة، فإن البحث فيها والكتابة عنها تذهب بأي كاتب إلى "التعميم" وإلى "إطلاق الأحكام الشاملة" وهي محاذير جاهدت الورقة التي بين أيدينا كي تأخذها بعين الاعتبار.