الدب الروسي يحصي خسائره

الدب الروسي يحصي خسائره

الدب الروسي يحصى خسائره

بقلم عاطف معتمد
إبريل 2003


 

يبدو أن فشل الدب الروسي في وقف الحرب على العراق ومواجهة القوة الأمريكية سيكبد اقتصاده المنهك الكثير من الخسائر؛ فبعد مضي أسبوعين من العدوان تجمدت أكثر من 60 اتفاقية وقّعت قبل عام بين بغداد وموسكو تقدر بحوالي 40 مليار دولار، كما توقف تبادل تجاري يصل سنويًا إلى نحو 3 مليارات دولار -طبقًا لتقديرات مجلس الدوما الروسي- تصب أغلبها في الاقتصاد الروسي الذي يصدر إلى العراق سلعًا متعددة مدنية وعسكرية وتكنولوجية.

وفي الوقت الذي لم تصدر أرقام رسمية حول الحجم الكلي أو القطاعي للخسائر الروسية من الحرب.. فإننا سنحاول رصد هذه الخسائر من خلال التحليلات الاقتصادية الواردة في عدد من الصحف الروسية مثل أزفيسيتا، وكومرسانت، وفلاست، ودينجي، وأبرزها ما يلي:

1- القطاع النفطي: وهو الذي تلقى أكبر ضربة من نشوب الحرب. وتعتبر شركة لوك أويل واحدة من كبرى الشركات التي كانت قد عقدت اتفاقًا مع حكومة الرئيس صدام حسين لاستخراج النفط من منطقة القرنة جنوب العراق قبيل نشوب الحرب بقيمة 4 مليارات دولار.

وبحكم نوايا الولايات المتحدة حاليا فليس من المتوقع أن تستعيد لوك أويل فرصتها في الدخول إلى الأراضي العراقية، كما أن واشنطن قد أعدت في 30 مارس 2003 قائمة "سوداء" بأسماء الشركات النفطية العالمية التي تعمل في استخراج النفط من الحقول الإيرانية والعراقية وضمت إليها "لوك أويل". ويأتي هذا بهدف حرمان الشركات الروسية من نصيب ما في نفط العراق بعد انتهاء الحرب.

يذكر أن وسائل الإعلام الروسية كانت صاحبة المبادرة في التنبيه إلى خطورة ما تقوم به الولايات المتحدة تجاه الثروة النفطية العراقية. فقد تناولت صحيفة كومرسانت في 27 مارس 2003 ما سرب من معلومات عن وجود خلافات راديكالية في الرؤى بين خطط الرئيس بوش ونظيره رئيس الوزراء البريطاني توني بلير حول اقتسام التركة النفطية في العراق الجديد وتوزيع الحصص منذ الآن على الشركات في الدولتين. وقد حصلت بالفعل شركة هاليبرتون الأمريكية على أول عقد للنفط في عراق ما بعد الحرب. وفي إشارة بليغة نوهت كومرسانت إلى أن الرجل الذي كان أبرز أعضاء مجلس إدارة شركة هاليبرتون النفطية حتى عام 2000 هو ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي حاليًا! وقد حذرت موسكو رسميا بعد مضي 10 أيام من الحرب (30 مارس) من تجاهل عقودها النفطية من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا في عراق ما بعد الحرب.

وقد فقدت الشركات النفطية العاملة بالفعل قدرًا كبيرًا من معداتها التقنية، ويقدر على سبيل المثال أن شركة استخراج النفط التترية المسماة "تتار نفط" فقدت معدات بمقدار مليوني دولار عند اشتعال الحرب في العراق. ومنذ مطلع مارس توقفت شركة النفط الروسية عن العمل في نحو 120 بئرًا في حقول كركوك وحقول غرب البصرة.

2- صناعة السيارات: حيث ترسل المصانع الروسية في العام نحو 27.000 سيارة إلى السوق العراقية، وتوقف الإمداد بالطبع مع نشوب الحرب. إضافة إلى تجمد عقود أبرمت في العام الماضي (2002) لتوريد سيارات الميكنة الزراعية، وتقدر الخسائر الأولية بخمسة ملايين دولار، أما التقديرات الفعلية فلم تكشف بعد.

كما كانت بغداد قد تعاقدات مع مصنع "إربيت" الروسي لتوريد الدراجات البخارية لقطاع الجيش والشرطة. وذلك حسبما صرح به نائب رئيس شركة تتار نفط لصحيفة أزفيسيتا.

3- الصناعات العسكرية: ويعتبر أكبر القطاعات تضررًا بعد القطاع النفطي، حيث كانت روسيا موردًا أساسيًا للسلاح العراقي خلال العقد الأخير. ولا توجد بيانات دقيقة حول قيمة الخسائر التي مني بها قطاع الصناعات العسكرية الروسي خاصة في ظل التكتم على وجود تمويل من العتاد العسكري إلى ثلاثية دول الشرق الأوسط المعادية للولايات المتحدة: إيران- العراق- سوريا. وإن كان الثابت أن هناك قلقًا واضحًا من عدم التزام عراق ما بعد الحرب بدفع 8 مليارات دولار ديونًا للقطاع النفطي والعسكري. وتنبع صعوبة الحصول على بيانات من التزام روسيا رسميًا بعدم خرق الحصار المفروض على العراق منذ 1991.

وتحاول الإدارة الأمريكية أن تلصق تعثر خططها العسكرية في العراق بدعم موسكو لبغداد بتجهيزات الرؤية الليلية وأجهزة التشويش على شفرات الصواريخ المستهدفة للمنشآت الحيوية.

بل إن بعض الصحف الروسية فندت ما تتناقله وسائل الإعلام الأمريكية من أن العراق نجح في "إخفاء" أسلحته الكيميائية والبيولوجية (بل والنووية) بتكنولوجيا روسية خبيرة بسبل التفتيش الدولية. فضلاً عن الانتقاد الأخير الذي وضع سوريا كوسيط لتوصيل السلاح الروسي إلى بغداد.

4- قطاع الصناعات الثقيلة: حيث تشير التقديرات الأولية إلى أن خسائره قد تصل إلى 100 مليون روبل (40 مليون دولار). والقطاعات الأساسية المتضررة هي قطاعات إنتاج عربات السكك الحديدية وإنتاج قطع الغيار للعربات التي تعمل بالفعل على خطوط ربط بغداد بالأقاليم العراقية المختلفة. ويقدر حجم الخسارة التي منيت بها قطاعات الإنتاج في هذا النوع من الصناعات بنحو 20% من إجمالي إنتاجها.

5- صناعات الآلات والمعدات الكهربائية: والتي بدأت في تغذية السوق العراقية منذ نهاية الحرب العراقية- الإيرانية عام 1988، وتعرضت للتوقف بسبب حرب عاصفة الصحراء عام 1991 ثم عاودت الانتشار في السوق العراقية مع نهاية التسعينيات. وأكبر قطاع لقي خسارة في هذه الفئة وحدات إنتاج المولدات  الكهرومائية والتي بدأت بالفعل في إنشاء محطات توليد الطاقة على نهر دجلة في السنوات الأخيرة. وتقدر الخسائر الأولية لهذا القطاع بنحو 45 مليون دولار.

إضافة إلى ذلك تجمدت عقود مشاريع محطات الطاقة الكهربائية (بالتوليد الحراري) والتي بلغت خسائرها الأولية مليوني دولار، ومن أشهرها توقف مشروع محطة المسيب جنوب العاصمة بغداد. وجاءت هذه التقديرات من قبل ممثل شركة موسكو للطاقة الروسية في العراق أليكسندر ماسلينكوف في تصريحاته لصحيفة أزفيسيتا واسعة الانتشار.

6- الخسائر في القطاع السياحي: ستؤدي الحرب على العراق إلى استبعاد أسواق سياحية من خريطة السياحة الخارجية الروسية، وعلى رأسها الإمارات العربية المتحدة ومصر، وستكون شواطئ تركيا على البحر المتوسط المستفيد من خروج منافسي الشرق الأوسط ولو مؤقتًا؛ وهو ما قد يخلق قدرًا من الاحتكار المرحلي؛  الأمر الذي يرفع من تكلفة الرحلات السياحية الخارجية، وذلك حسبما صرح نائب وزير الاقتصاد والتجارة لصحيفة أزفيسيتا بتاريخ 30-3-2003.

ولعل أبسط الأمثلة على ذلك ارتفاع التكلفة السياحية من 10 دولارات لليلة بفندق متواضع في مصر إلى 100 دولار بفندق من نفس الدرجة في تركيا أو لاتفيا على بحر البلطيق. وإذا ما شمِلت الحرب تركيا فقد تكون المستفيدة الأولى من التدفق السياحي الروسي هي تونس.

في الوقت نفسه لا يعلق المحللون آمالاً كبيرة على استيعاب السوق السياحية الداخلية وخاصة السياحة الشاطئية على البحر الأسود جنوب روسيا، والتي يتوجه إليها كل عام نحو 5 ملايين روسي ويصيبون المنطقة بالازدحام الشديد.

مكاسب روسيا المحتملة

الأمل في خروج الدب الروسي من نفق الخسائر هو الاستفادة من إطالة الحرب إلى أقصى فترة ممكنة، والتي تؤدي إلى رفع أسعار النفط الروسي الذي تستورده أوروبا. وحسب تحليل اقتصادي لـ أزفيسيتا فإن زيادة الطلب الأوروبي على النفط الروسي بعد تأثر منطقة الشرق الأوسط بالحرب سيرفع -حسب تقدير الخبراء- معدل النمو الاقتصادي بمقدار 6% في الربع الأول من السنة الحالية إذا ما استمرت أسعار النفط بمعدلاتها التي تزداد بها حاليًا، ويقدر أن يؤدي تخطي سعر برميل النفط لحاجز الـ 34 دولارًا إلى ارتفاع الناتج القومي بمقدار 5.5% والاستثمار بمقدار 8.8% وأن تنتعش الرواتب بنحو 17%.

أما أصحاب النظرة طويلة الأمد فيقولون إن ارتفاع أسعار النفط قد يصرف نظر الدولة عن القطاعات الاقتصادية الأخرى، لتتحول إلى دولة أحادية النمط الاقتصادي على غرار النموذج الخليجي فتزداد فيها موجات الاستيراد وإغراق السوق بمنتجات أجنبية.

أما الكارثة التي يمكن أن تصيب روسيا فهي انتهاء الحرب بسرعة وتحقيق الأهداف الأمريكية بخفض أسعار النفط إلى أدنى درجة. وإذا ما وصل سعر برميل النفط إلى 18 دولارًا فإن الاقتصاد الروسي سيخرج من حرب العدوان على العراق أكبر الخاسرين.

ويبقى المخرج الوحيد هو استمرار العقود المبرمة من قبل واستمرار تمويل السوق العراقية بالمنتجات الروسية خاصة في مجال الطاقة والتقنيات العسكرية، وأن يجد الكرملين سبيلاً لإيقاف الخطة الأمريكية الهادفة إلى إزاحة روسيا نهائيًا من عراق ما بعد الحرب.