تترستان.. الاستقلال أم التعايش؟

تترستان.. الاستقلال أم التعايش؟

تترستان .. الاستقلال أم التعايش؟

بقلم عاطف معتمد
أكتوبر 2002

 

أرض التتر أو تترستان واحدة من الأراضي الإسلامية المنسية، تقع على السفوح الغربية لجبال الأورال الفاصلة بين آسيا وأوروبا، بمساحة تبلغ نحو 70 ألف كم2 (نحو ثلاثة أرباع مساحة الأردن) وسكانها يقتربون من أربعة
ملايين نسمة.



مكان تحت الشمس

حبيسة هي تترستان ومعزولة عن أي دولة مجاورة، فهي في قلب الاتحاد الروسي، ومحاطة بسبع وحدات إدارية، خمس منها تقطنها أغلبية إسلامية. وقد خفض هذا من نبرة الأصوات التى تعلو مطالبةً بالاستقلال.

فتترستان ليست كالشيشان الواقعة على الحدود الجورجية (المعادية لروسيا)، أو كداغستان الواقعة على حدود أذربيجان (المعادية لروسيا أيضًا)، بل هي داخل أسوار القلعة الروسية.

وتحتل تترستان موقعًا بالغ الأهمية على نهر "الفولجا" شريان الحياة الرئيسي لوسط روسيا. ولا تُختزل أهمية "الفولجا" -نيل روسيا- في الجوانب البيئية والاقتصادية فحسب، بل هو جزء أصيل من مركب الثقافة الروسية التى استلهمت من هذا النهر إبداعاتها الشعرية والقصصية والموسيقية وغيرها من مناحي الفن والأدب.

كما أن تترستان ليست كالشيشان الفقيرة أو داغستان التى يعبّر اسمها عن طبيعتها: أرض الجبال. فتترستان واحدة من أهم مناطق إنتاج وتصنيع النفط والغاز في روسيا. ومن تترستان يبدأ خط أنابيب البترول إلى شرق أوروبا المعروف باسم خط "الصداقة". وبالأراضي التترية موارد معدنية وزراعية متعددة، وهو ما ينعكس على درجة معيشة السكان التي تبدو أفضل من نظيرتها في كثير من الأقاليم الروسية.

وبثروتها المائية والغابية وتربتها الخصبة تُعَدّ مركزًا صناعيًّا مهمًّا لروسيا. وكان الإقليم الذى تقع فيه تترستان (الأورال) هو الحصن الذى انتقلت إليه الصناعات السوفيتية إبان الهجوم الهتلري على الاتحاد السوفيتي ومحاصرته لـ"ليننجراد" واقترابه من احتلال "موسكو"؛ وهو ما يجعل تترستان واحدة من أحجار الزوايا الرئيسية في البيت الروسي. 

وتترستان -وأخواتها من الجمهوريات الإسلامية في منطقة الأورال- تمثل معبرًا إستراتيجيًّا مهمًّا في التاريخ الروسي. فالشغف الروسي بالتوسع شرقًا وصولاً إلى مياه المحيط الهادي حكم بالضرورة على من يحكم موسكو أن يمسك بقبضة من حديد على هذه الأراضي وما جاورها: مفتاح التوسع نحو الصين واليابان والشرق الأقصى. ولعبت هذه الظروف دورًا فاعلاً في عملية "الصهر" الحضاري لسكان تترستان.

التاريخ السياسي

منذ القرن السابع الميلادي عرف التتر كأحفاد لبلغار الفولجا الذين اعتنقوا الإسلام عبر وسائط التأثير الدينية التي جسدتها التجارة والرحلات من آسيا الوسطى إلى الإقليم والعكس.

وقد تم التمهيد لاعتناق البلغار للإسلام بفضل السفارة التي أرسلها الخليفة المأمون، التي خرجت من بغداد عام 922م. وحلت الحروف العربية محل التركية المستخدمة لدى البلغار. والطريف أن الأبجدية العربية ظلت هي الأبجدية المستخدمة منذ القرن العاشر حتى بعد قيام الاتحاد السوفيتي، ولم تُلْغَ إلا في عام 1928 حينما استبدلت بها الأبجدية اللاتينية، ثم استخدمت اللغة التترية الأبجدية السلافية (الروسية) في عام 1938 حتى الآن.

وفي القرنين التاسع والعاشر كان لبلغار الفولجا أول دولة إقطاعية في شمال شرق أوربا. وخضع التتر للغزو المغولي في 1237. وحينما تفككت الإمبراطورية المغولية في منتصف القرن 15 إلى أربع قبائل كانت القبيلة الكازانية (نسبة إلى مدينة كازان عاصمة تترستان) أكثرها أهمية.

ومع حلول القرن السادس عشر وبالتحديد في 1552 استطاع القيصر الروسي إيفان الرهيب (إيفان الرابع) حصار كازان وإسقاط القبيلة الكازانية. وفي 1920 ضمت تترستان كجمهورية ضمن حدود جمهورية روسيا السوفيتية.

وفي نهاية فترة حكم الرئيس السوفيتي جورباتشوف أعلنت تترستان عن استقلالها في 30 أغسطس 1990. وبعد أن تفكك الاتحاد السوفيتي واستقلت روسيا تم التوقيع على مذكرة تفاهم بين كازان وموسكو في مارس 1992، تمت فيها صيغة جديدة من الاستقلال، ولكن ضمن الفيدرالية الروسية. وفي فبراير 1994 ارتقت مذكرة التفاهم إلى مستوى "المعاهدة" التي وقع عليها الجانبان، ونصت على "التفويض المتبادل للسلطة بين موسكو وكازان". وعدت هذه العلاقة مثالاً يحتذى بين موسكو وباقي الأقاليم الإدارية فيما صار يعرف باسم "المسار التترستاني".

ومنذ خضوعها للسيطرة الروسية تعرض التتر "لانتقام" حضاري من قبل القيصرية الروسية، ورويت أحداث تاريخية عديدة عن تدمير المساجد واضطهاد المسلمين.

الديموغرافيا

على الرغم من أن إجمالي التتر في الجمهورية التي تحمل اسمهم لا يزيدون على أربعة ملايين، فإن أعدادهم في روسيا تقترب من سبعة ملايين، أي ما نسبته نحو 5% من إجمالي سكان روسيا.

ويشكّل التتر في جمهوريتهم 50% فقط، بينما تبلغ نسبة الروس40%، والنسبة الباقية لقوميات أخرى كالتشوفاش، والأدمورت، والماريين، وغيرهم. ويعيش غالبية التتر في المناطق الريفية، بينما يتمركز الروس في المدن.

وتؤثر هذه التركيبة السكانية بالطبع على التوجهات المستقبلية للجمهورية، خاصة ما يخص منها النزعات الاستقلالية التى يثيرها القوميون التتر. وفي ذلك يلعب الروس دورًا مهمًّا لتفعيل سلطة موسكو المنظورة وغير المنظورة على الإقليم.

بين الدستور والفيدرالية

بعد الإعلان رسميًّا عن تفكك الاتحاد السوفيتي حاولت بعض الجمهوريات الإعلان عن استقلالها عن روسيا، استنادًا إلى المبدأ ذاته الذي طالبت به جمهورية روسيا السوفيتية في الحصول على صلاحيات استقلالية بعيدًا عن مركزية الاتحاد السوفيتي.

ومضت على نفس المسار تترستان، فما طالبت به روسيا ضمن الاتحاد السوفيتي طالبت به تترستان داخل روسيا الاتحادية.

وهنا يستوقفنا منهج مختلف في الاستقلال، فتترستان لم ترجع إلى المبدأ الشيشاني الشهير (الاستقلال التام حتى آخر قطرة دم) الذي أصاب روسيا في غرورها القومي. فقد تأرجح مشروع استقلال تترستان عن روسيا بين جناحي القوميين والفيدراليين. وكان لكل طرف أهدافه ومبرراته:

الجناح القومي
 

كانت أهداف القوميين واضحة: إعلان تترستان دولة ذات سيادة. ولدى هؤلاء مبررات عدة، على رأسها:

أولاً - تاريخ تترستان الذي عرف العلاقة الندية بروسيا. فمنذ أوائل القرن العاشر الميلادي وتترستان (بلغار الفولجا حينئذٍ) عقدت اتفاقية سلام مع روسيا الكييفية (كييف عاصمة أوكرانيا حاليًا ومركز الإمبراطورية الروسية قديمًا).

وإذا كان البعض لا يعجبه الاستناد إلى تاريخ الإمبراطوريات، ولا يودّ أن يرجع إلى الإمبراطورية الكازانية التي كانت في موقع السيادة في شرق روسيا، فتكفي الإشارة إلى أنه حينما أغارت روسيا على هذه الإمبراطورية في منتصف القرن السادس عشر وفككتها، لم تكن علاقة تترستان بالقيصرية الروسية علاقة خضوع وخنوع كما هو الحال في كثير من المناطق والأقاليم الروسية؛ بل كانت العلاقة ندية ضمن معاهدات واتفاقات حفظت لتترستان قدرًا مقنعًا من الاستقلالية.




ولم تخضع تترستان كلية لسلطة موسكو إلا مع الحكم الاستبدادي للفترة الشيوعية التي بدأ تاريخها معه في 1920. وحينما بدأت سياسة البيرسترويكا في 1985 التفت القوميون إلى مطالبة روسيا– بزعامة رئيسها آنذاك بوريس يلتسين- بالاستقلال عن القبضة المركزية السوفيتية.

واعتقادًا في أن المبدأ لا يتجزأ طالب هؤلاء باستقلال تترستان عن روسيا. وكان بعض هؤلاء يعتقدون في إمكان تحقيق "الطلاق الهادئ" بين تترستان وروسيا. وقد أبانت تجربة الشيشان أن ذلك النوع من الطلاق ليس في مخيلة موسكو.

ثانيًا- انبعاث حركات الإحياء الديني، التي تنظر إلى روسيا نظرة متحفظة في ظل ما يسجله التاريخ عن الاضطهاد الديني الذي تعرض له المسلمون التتر، سواء في الفترة القيصرية أو السوفيتية.

فقد شهد الحكم القيصرى لتترستان ليس فقط اضطهاد المسلمين وغلق المساجد، بل وجهودا حثيثة لتنصير المسلمين، ويعتبر منتصف القرن الثامن عشر ذروة الاضطهاد للمسلمين.

وقد ظلت أشكال القمع وتجريم العبادة على دين الإسلام قائمة لردح طويل من الزمن حتى شرعت كاترينيا الثانية في 1788 بفك القيد عن مسلمي التتر إثر سلسلة من الثورات الدامية للمطالبة بالحقوق. بل ونجح الثوار – بقيادة بوجاتشييف- في تحرير كازان في 1774.

وفي الفترة السوفيتية حرمت الأديان وعلى رأسها الإسلام، وأُغلقت المساجد وحول كثير منها إلى مخازن ومتاجر وحظائر للحيوانات. ولم يسمح بعودة الإسلام كدين إلا في 1985، واحتفلت كازان في 1989 بمرور 1100 عام على اعتناق الإسلام.

ثالثاً- الموقف الاقتصادي القوي لتترستان كمنتج للنفط وكمركز للصناعات البتروكيماوية وللصناعات الحربية، وشعور القوميين بأن تترستان لن تكون "عالة" على أحد حين استقلالها.

الجناح الفيدرالي

وفي المقابل كان هناك من يرى ضرورة تجنب الصدام المسلح، وأنه من الأصلح لتترستان أن تظل ضمن الفيدرالية الروسية، وكانت حجج هؤلاء:

أولاً- أن تفعيل القوانين الفيدرالية يمكن أن يحقق لتترستان مزية الجمع بين الحسنيين: قدر واسع من الاستقلالية، مع الاستفادة من الارتباط بدولة ذات إمكانات متعددة إستراتيجيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا كروسيا.

وفي ذلك يقول رئيس تترستان منتيمر شايمييف (المنتخب منذ يونيو 1991): "إن تفعيل القوانين الفيدرالية لا يخدم فقط تترستان، بل يخدم أيضا روسيا الفيدرالية التي يعوزها تطبيق الفيدرالية حتى يصبح اسمها على مسمى".

ثانيًا- إن أكثر من 20 قومية تسكن تترستان (لاحظ أن في الشيشان أغلبية مطلقة للقومية الشيشانية)، ووجود نسبة مرتفعة من السكان الروس بالجمهورية (نحو 40% من إجمالي السكان) يجعل لخيار التعايش أفضلية على خيار الصدام.

ثالثًا- أن العالم المعاصر يعترف بالقوة الاقتصادية وسعي الحكومات إلى تحقيق رفاهية للشعوب، ومن ثَم فإن أفضل صورة هي الاستقلال "الاقتصادي" عن روسيا.

وبالفعل كان أهم بند في دستور تترستان الجديد مؤكدًا على الاستقلالية الاقتصادية. وهكذا خرجت المادة السادسة لدستور تترستان على "حق جمهورية تترستان في عقد الاتفاقات الاقتصادية مع الوحدات الإدارية للدول الأجنبية والمنظمات الدولية، بما يتضمنه ذلك من تبادل التمثيل التجاري والمشاركة في المنظمات الاقتصادية الدولية".

ويقابل تترستان تحدٍّ اقتصادي هام، وهو استنزاف ثروتها البترولية منذ 1946، ويتوقف التطوير على اكتشاف حقول جديدة في ظلّ النفاد المتوقع للحقول العاملة حاليًا.

ومن جانبها تحاول روسيا قطع الطريق على الدعاوى الانفصالية المتحججة بالاضطهاد الديني. فأسرعت الحكومة الروسية بإعادة الحياة إلى "المؤسسات" الإسلامية، فأعيدت المساجد التي أغلقت، ورمّمت مساجد قديمة، وبنيت عشرات المساجد الجديدة. وموقف موسكو واضح قاطع: "إذا كان الهدف إحياء الحياة الدينية فتفضلوا.. خذوا كل ما تريدون من الدين، ولكن حذار.. أبعدوا الدين عن السياسة".

ولكن على الجانب الآخر تتدخل الحكومة الروسية في أمور قد تبدو في غير اختصاصها. فمن ذلك ما شهدته الدوائر القانونية من جدل بسبب منع المرأة التترية من الظهور في الصور الفوتوغرافية المقدمة لوثائق رسمية وهي مرتدية للحجاب. وقد وصل الأمر إلى أن تدخل الرئيس بوتين نفسه قاطعًا هذا الأمر، ومعلنًا أن القوانين في روسيا تسري على الجميع ولا تستثني منها نساء جمهورية بعينها.

وتؤكد مثل هذه التوجهات مخاوف القوميين والإسلاميين الباحثين لتترستان عن هوية مستقلة. وسيظلّ ما تفتخر به حكومة تترستان من خيار التعايش رهينًا بمدى تحقيق التوازنات الداخلية، سواء في الجمهورية ذاتها أو في روسيا بأسرها. وهو ما يحتاج لمناقشة أوسع.