بقايا الرق والعبودية في مصر

بقايا الرق والعبودية في مصر

بقايا الرق والعبودية في مصر

بقلم حسام تمام

ترددت منذ سنوات علي عدد من قري الصعيد، بموجب عملي الصحفي والبحثي، وكان لجذوري الصعيدية دور كبير في اقتفاء أثر العديد من التقاليد والأعراف الحاكمة لبيئة الجنوب، التي ظلت لفترة طويلة _ ربما إلي الآن _ رهينة الصور التي تقدمها مسلسلات ماسبيرو عن الصعيد ومفرداته من “ثأر” و”قبلية” و “نشفان دماغ” وما إلي ذلك مما يشاع عن الصعيد.

لفت انتباهي قضية قد لا يعلم الكثيرون عنها شيئا وقد تمثل لهم نوعا من الصدمة، فحين كنت صغيرا أزور قريتي “البربا” آخر قرى أسيوط قادما من الإسكندرية، تعرفت إلي عالم “العبيد”، واصطدمت بحقيقة مربكة حول العبودية في مصر لم تنته بعد، بل طورت من صياغتها ومن صورها واتخذت أشكالا عدة تراوحت بين الاجتماعي والديني، وضمنت لنفسها البقاء بالتحايل علي كثير من الظروف وعلي استغلال ظروف أخري، منها ما هو اجتماعي أنثربولوجي ومنها ما هو اقتصادي بحت.

قراءة في الرق

والسطور القادمة لا تهدف النيل أو التقليل من شأن أي أحد، فكلنا متساوون بطبيعة الحال، لكنها لا تعدو قراءة اجتماعية ثقافية سريعة في أحوال العبيد الذين لا نعلم عنهم شيئا، وينتشرون في عدد من محافظات مصر.

تنتشر هذه الظاهرة في عدد من محافظات الصعيد وخاصة في أقصى الجنوب ويندر وجودها في محافظات الوجه البحري، وأكثر المحافظات التي تنتشر فيها ظاهرة العبيد محافظات أسيوط وسوهاج وقنا وفى أجزاء من أسوان وتقل تماما في المنيا، بينما لا تعرف محافظات الوجه البحري ظاهرة العبيد باستثناء بعض مدن محافظة الشرقية، خاصة تلك التي تقطنها قبائل وعائلات تنحدر من أصول عربية مثل “الطحاوية” في  الحسينية، وتكاد تكون الشرقية الاستثناء الوحيد في الوجه البحري بعكس محافظات جنوب الصعيد التي كانت الظاهرة منتشرة فيها بكثافة إلى وقت قريب، وإن أخذت في الانحسار تدريجيا في السنوات الأخيرة لدي عدد من العائلات الممتدة التي كانت ذات نفوذ أو ثراء.

ففي أسيوط مثلا لا تخلو معظم مراكز المحافظة من عائلات لديها عبيد، ويتركز وجود هذه العائلات في مراكز البداري وصدفا وأبنوب وساحل سليم والغنائم وديروط، ومن أشهر هذه العائلات علي سبيل المثال عائلة “النواصر” في البدارى وهى عائلة زعيم الوفد الراحل ممتاز نصار، وعائلة “خشبة” ومنها نجم النادي الأهلي هادي خشبة، و”أولاد قنديل” في الغنائم ، و”أولاد على الكاشف” بصدفا و”خليفة” و”الشنايفة” في أبو تيج و”القرشية” و”كيلاني” بديروط و”الباشا” بساحل سليم .

وتمتد الظاهرة إلى سوهاج أيضا خاصة في مناطق العسيرات والعرابة وبعض قرى جرجا، وأشهرها عائلات “أبو ستيت” في البلينا و”أبو كردوس” في طما وعائلات “دنقل” و”أولاد سلامة” بالعرابة وغيرها من العائلات التي يجمعها قاسم مشترك هو العراقة، حيث تضرب معظم هذه العائلات بجذور عميقة تعود لقرون ماضية كانت تمتلك فيها العبيد بشكل قانوني، وقت أن كانت العبودية واقعا اجتماعيا تجيزه الأعراف والقوانين والشرائع قبل صدور التشريعات والقوانين الدولية التي ألغت ظاهرة الرقيق وحرمت تجارتها.

عبيد الألفية الثالثة

وعبيد هذه الأيام هم سلالة العبيد في العصور الماضية قبل إلغاء العبودية في مصر في عهد الخديوي إسماعيل، وتنحدر أصولهم من الحبشة وجنوب السودان وأواسط أفريقيا وهو ما يؤكده إدوارد وليم لين في كتابه المعروف “المصريون المحدثون شمائلهم وعاداتهم”، والذي كتبه في أوائل القرن التاسع عشر  حيث أشار إلي أن أصول هؤلاء العبيد تعود إلى قبائل الجلا والأحباش وهى شعوب مشتتة الآن في أفريقيا الوسطى والحبشة، وكانت العائلات الكبرى في القرنين الماضيين تحصل على هؤلاء العبيد بالشراء من تجار النخاسة الذين كانوا يخطفونهم من ذويهم، أو يجلبونهم بالشراء من أواسط أفريقيا وجنوب السودان ويبيعونهم لسادة العائلات واسعة النفوذ والثراء، كما جاء معظمهم عن طريق حملات “محمد على”  في جنوب السودان التي تسببت في زيادة ملحوظة في عدد العبيد في مصر في هذه الفترة.

وقد تعرض الروائي مجيد طوبيا لطرف من قصص جلب العبيد إلى مصر في هذا العهد في روايته “تغريبة بني حتحوت إلى بلاد الجنوب” وتقترب الوقائع التي ذكرتها الرواية مع الواقع بشكل كبير.

قرية البربا بمركز صدفا في أسيوط وهى قرية بالغة القدم ويعود تاريخها إلى أكثر من ثلاثة آلاف عام، وهى واحدة من عدة قرى في مصر كلها تحمل اسم البربا الذي يعنى بالفرعونية بيت البر أو القمح، بها عدد من العائلات أعرقها عائلة أولاد علي التي ما زال بها هذه الظاهرة.

بين أبناء العائلة حكايات كثيرة عن العبيد، فيؤرخون لمقدمهم بأوائل القرن التاسع عشر في عهد محمد علي حين جلبهم جدهم الكاشف (اسم الكاشف كان يطلق على نائب الوالي أو حاكم الإقليم)، وكان ملتزما على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية وينوب عن الوالي في الحكم، فقد اشترى  الكاشف عددا من العبيد من أصول حبشية وأحضرهم إلى قريته، وإليهم تنحدر أصول عبيد العائلة وكل عبيد القرية، وكثيرا ما كانت تهدي العائلات أحد عبيدها لعائلة أخرى كنوع من المجاملة أو التحايا خاصة عند النسب بينها.

ولعبيد هذه الأيام نفس الصفات الجسمية لأجدادهم فمعظمهم أسود اللون ماعدا العبيد الذين تزوج آباؤهم من فلاحات (وهو لفظ يطلق في الصعيد على النساء اللاتي يعملن في الزراعة أو البيوت تمييزا عن نساء العائلات التي يحرم عليهن ذلك)، وربما كان ذلك السبب في إطلاق  لفظ العبد علي  الأسود حتى ولو لم يكن عبدا، ويتسم هؤلاء العبيد بالضخامة والقوة الجسمانية والقدرة على تحمل العمل الشاق وغيرها من سمات أبناء مناطق أفريقيا والحبشة،كما اشتهروا بطول العمر حيث يكثر بينهم المعمرون خاصة بين النساء.

والملفت أن لهم قاموسا خاصا للأسماء والألقاب أشهرها: عبد السيد وعبد الرجال وريحان ومرسال وبخيت وسلمان وقمصان وخبير ومرشد وعبيدة وسرور ونميري، وإن كانت لهم أسماء مشتركة مع السادة مثل جابر وسالم ومبروك وسعد الله وفضل الله وعبد الله وسعد وسعود وجوهر وعبيدة وبلال ( تيمنا بالصحابي الجليل الذي كان عبدا) وفضيل ورياض وعوض وإدريس وعثمان. أما الإناث فأكثر الأسماء انتشارا بينهن: ريحانة وفرحانة ورضية وسعدية ومسعدة وبخيتة وزاد المال وكمالات وفضيلة ومراسيلة وسمارة.

سعد وسرور

والطريف أن معظم الأسماء التي تطلق على العبيد هي أسماء تحمل معاني السعد والبشر والسرور والبخت والتفاؤل، بعكس أسماء أبناء العائلات أنفسهم التي كثيرا ما تحمل معاني القسوة والبطش والإقدام مثل: فزاع وهزاع وشداد وهمام وعبد الجبار وأبو العباس وهريدي.

ويبدو أن ظاهرة إطلاق الأسماء المحببة على أبناء العبيد وإطلاق الأسماء المفزعة على أبناء العائلات أو السادة هي امتداد للظاهرة التي كانت شائعة في الجاهلية وعصور صدر الإسلام، والقصة المشهورة في كتب التاريخ أن أحد العرب في الجاهلية سأل : لماذا تسمون أبناءكم بالأسماء الموحشة المرعبة في حين تختارون لعبيدكم الأسماء المحببة؟ فأجيب: لأننا نسمى عبيدنا لنا ونسمى أبناءنا لأعدائنا، أي لأن الأبناء هم الذين يخوضون المعارك ويقاتلون العدو فلابد من إرهاب العدو ولو بالأسماء، بينما يقوم العبيد على خدمة سادتهم بما يستدعى أن تحمل أسماؤهن البشر والتفاؤل.

وإلى الآن يلتزم عبيد العائلات الكبرى – في الغالب- بأسماء محددة لا يتجاوزونها، ويعد نوعا من الخروج على العائلة وعلى التقاليد والأعراف الاجتماعية أن يسمى العبيد أبناءهم بأسماء سادات العائلة الكبار، وإذا حدث ذلك فهو علي سبيل الخروج على العائلة والرغبة في كسر سلطانها عليهم وتجاوز الأعراف الاجتماعية التي تمنعهم من ذلك.

ومن الطرائف أن عبد إحدى العائلات الكبرى تصادم مع بعض سادته وخرج عنهم فكان أول ما فعله هذا العبد أن أطلق على أبنائه أسماء كل رجالات هذه العائلة كنوع من التجرؤ عليهم والخروج على سلطانهم، ولا يحدث ذلك إلا في حالة ضعف العائلة أو عدم رعايتها لعبيدها والإحسان إليهم.

رديف سيده

والعلاقة بين العبيد والسادة تنظمها أعراف وتقاليد اجتماعية راسخة تحل محل القوانين القديمة التي كانت تسمح أو تعترف بمثل هذه الأوضاع، وإن بدأت كثير من المناطق تتجاوزها بحيث كادت تصبح لدى بعض العائلات جزءا من التاريخ. وأول هذه القواعد أن “العبد رديف سيده” وهو ما يعنى أن العبد في حماية سيده ورعايته، حيث تخصص كثير من العائلات جزء من بيوت العائلة للعبيد كمكان لسكنهم، ولابد أن توفر العائلة لعبدها مصدر رزق يكفيه حيث يعد من العار لدى الكثير من العائلات أن يمد العبد يده لأحد من خارجها، فكثيرا ما تقتطع بعض العائلات خاصة ذات الثراء قطعة من أراضيها الزراعية لعبيدها ينتفع بها دون أن يمتلكها، بل وأحيانا ما تملك بعض العائلات (كالطحاوية في الشرقية) عبيدها بعض الأراضي بل وقد يوصى بعض الأغنياء من أبناء العائلات ببعض أرضه لعبيده خاصة المقربين منه والمحببين إليه.

والسيد مكلف بكسوة عبده وبزواجه أيضا، وفى بعض المناطق يقوم السيد كوكيل عن العبيد في زواجهم ويتكفل بمصروفات الزواج ويدبر مسكنا، كما يتكفل السيد بحماية عبده لذا يعد الاعتداء على العبيد اعتداء على العائلة نفسها، وكثيرا ما تندلع المعارك بين العائلات إذا ما تعرض أحد عبيدها إلى الاعتداء من عائلة أخرى.

وفى المقابل فإن العبيد يدينون لهذه العائلات بالولاء ويظهرون الاحترام والتقدير المبالغ فيه خاصة أمام العائلات الأخرى من القرية ومن خارجها، فيقيمون على خدمة منازلهم وأبنائهم ويقومون على الخدمة في مناسبات العائلة المختلفة خاصة الأفراح والمآتم حيث يحملون صواني الطعام ويقدمون الطعام والشراب إلى الضيوف، ويقومون بخدمة أبناء وبنات العائلة الذين قد تضطرهم الظروف إلى السفر للعمل أو التعليم خارج القرية، حيث ترسل العائلة بإحدى العبدات من كبار السن لرعاية بناتها وأبنائها ممن يعيشون خارجها لظروف التعليم أو الزواج أحيانا، كما يقوم العبيد أيضا بحراسة البيوت والأراضي الزراعية والمواشي والممتلكات الخاصة بأسيادهم.

في المواجهة

ويشترك العبيد مع سادتهم في معاركهم مع العائلات الأخرى فيقومون بالدفاع عنهم ضد أي اعتداء، لذلك تحرص العائلات على تسليح عبيدها بالأسلحة المختلفة تأكيدا على قوتها ونفوذها وتحسبا للصراعات التي قد تحدث مع العائلات الأخرى، ويكون ذلك أحيانا من باب الوجاهة الاجتماعية والرغبة في إظهار القوة وإثبات النفوذ، والطريف أن العرف الاجتماعي في الصعيد يقضى أنه في حالة اندلاع صراع بين عائلتين ينتهي بقتل عبد لأحد رجال العائلة الأخرى فإن هذه العائلة تأخذ ثأر قتيلها من سيد هذا العبد أو أحد رجال عائلته وليس من العبد نفسه؛ إذ يعد عارا في عرف أهل الصعيد أن يثأر لسيد من عبد رغم أن معظم معارك العائلات يكون العبيد طرفا فيها، خاصة وأن معظمهم – وهذا يكثر بالصعيد بصفة خاصة- يجيد القتال ولديه مقدرة فائقة على استخدام أحدث الأسلحة، مما يجعلهم أكثر قدرة على خوض المعارك خاصة وأن قوتهم الجسمانية تؤهلهم لذلك، بالإضافة إلى الدعم الذي يتلقونه من سادتهم والذي يجعلهم أكثر جرأة على المخاطرة.

وفى الشرقية تتشابه العادات والأعراف الاجتماعية الخاصة بالعلاقة بين بالعبيد والسادة مع مثيلاتها في الصعيد، فيقوم العبيد على خدمة سادتهم في رحلات الصيد والقنص وفى تربية الصقور والخيل إذ لهم خبرة واسعة في ذلك، كما لهم خبرات أخرى في الفنون البدوية المعروفة عند القبائل العربية مثل رقصة (الربدة) و(كف العرب) في الأفراح، حيث ترقص فيها العبدة  ويطلق عليها اسم (الحجالة)، كما تقوم العبدات من كبار السن بالعمل كمربيات لأبناء وبنات العائلة ويطلق عليها (حنٌى) وهو لفظ يقال أنه مأخوذ من اللفظ التركي (أنٌا) الذي يؤدى نفس المعنى، ويقال أنه مأخوذ من (الحنان) و (الحنية) حيث تشتهر نساء العبيد بالحنية على الأبناء والتضحية والبذل والقدرة على تربية الأبناء وتنشئتهم.

الندب بالإنابة

أما في الصعيد فلنساء العبيد دور غريب في المناسبات الاجتماعية فبالإضافة إلي دورهن في تزيين العروس وإعدادها للزفاف تقوم العبدة بدور الندابة في مجتمع المدينة، فهي تنوب عن حريم العائلة في الندب والعويل علي الميت وفي التفجع علي موتي العائلة وإظهار الحزن والجزع، ولنساء العبيد طقوس بالغة الغرابة في الندب كالانغماس في الطين ولطم الخدود والعويل والعديد وهو نوع من الغناء الحزين يعددون فيه فضائل الميت ومكارمه.

كما يشتهر العبيد بخبراتهم في الطهي ومعظم العائلات العريقة لديها عبيد  مخصصين لذلك، وكذلك لديهم خبرة في سياسة وتربية الخيول وتدريب الصقور على القبض، كما يعملون أيضا في الزراعة ورعى الأغنام ونقل السلع والبضائع وغيرها من المهن، وكلما كانت العائلة قوية وذات نفوذ وهيبة وتتمتع بالثراء والغنى انعكس ذلك على عبيدها فتحسنت أوضاعهم واستقرت أحوالهم المعيشية إذ أن قوة العبد من قوة ونفوذ سادته.

وتحرص العائلات التي لا تستطيع الإنفاق الدائم أو الكامل على عبيدها على البحث لهم عن موارد رزق أخرى، فتستغل بعض العائلات نفوذها في تعيين عبيدها في بعض المصالح والمؤسسات الحكومية في قراهم ونجوعهم حتى يضمنوا لهم مصادر للرزق لا تدفعهم للسفر خارجها، وأكثر هذه الوظائف الفراشين والعمال والتمرجية، وإذا ما كان العبد متعلما بعض الشئ يمكن أن يعمل كاتبا في إحدى المصالح.

أما العائلات الغنية فتكفيهم مؤونتهم وتفضل ألا يعملوا بعيدا عنها طالما كانت لديهم المقدرة المالية التي تكفل لهم حياة مستورة، ولا يمكن لعائلة أن تتخلى عن واجبها تجاه عبيدها حتى ولو افتقرت وهو ما يجعل العلاقة أوثق ويدفع العبيد لئلا يخرجوا عن طوع سادتهم، وأن يحترموا الأعراف الاجتماعية السائدة فيحرص العبد مثلا ألا يركب وسيده يمشى وألا يسبقه في الركوب أو المشي ، وألا يجلس وسيده واقف وألا يشاركه الطعام خاصة أمام الغرباء، بل ينتظر حتى ينتهي.

وفى المآتم والأفراح يقوم العبيد على الخدمة ولكنهم لا يشاركون فيها، فلا يتقبل العبد العزاء مع سادته؛ بل يجلس خارج السرادق أو الدوار المقام به العزاء ليستقبل المعزين ويقوم على خدمتهم، ولا يشارك العبد سادته في المجلس وإنما يجلس في نهايته ويحرص دائما ألا يتساوى مع سيده في شيء.

الزواج من حرة.. بااااااااطل

ومن القوانين الاجتماعية الصارمة التي لا يمكن تجاوزها أو الخروج عليها قانون الزواج بين العبيد والعائلات، إذ لا يمكن مطلقا وإلى الآن أن يتزوج عبد من إحدى بنات عائلة سادته أو أي عائلة أخرى في بلدته مهما كانت الظروف، ولم يحدث في تاريخ العائلات التي لها عبيد أن تزوج عبيد من سيدة  ويعد ذلك من المستحيلات التي يندر حدوثها مهما ارتفع شأن العبد أو سفل حال هذه العائلة،  بل أن الأعراف الاجتماعية لا تسمح مطلقا بطرح هذا الموضوع للتجربة أو النقاش خاصة وأن وضع المرأة في الصعيد لا يسمح لها باللقاء بالرجال ومن ثم نشوء علاقة حب أو ارتباط خاصة إذا كانت بين سيدة وعبد، بل كانت بعض العائلات والقبائل في الصعيد  قديما تقوم بخصي العبيد الذين يدخلون على النساء (أو الحريم)!!

وكانت هذه العادة شائعة حتى الستينات فقد كانت هذه العائلات أقرب للمناطق المحظورة التي لم تصبها التغيرات الاجتماعية التي لحقت ببقية مصر، وكان معروفا أيضا أن العبد الذي يتجرأ على سيدته أو يتحرش بها يكون جزاؤه القتل، وكان هذا نادر الحدوث خاصة وأن معظم العبيد معروفون بالولاء لسادتهم والإخلاص لهم طالما قاموا بواجبهم نحوهم .

أما زواج السيد من عبدته فهو مخالف أيضا للعرف الاجتماعي والتقاليد الحاكمة للعلاقة بينهما، ولكنه وارد الحدوث وقد يلجأ إليه الرجل إذا طعن في السن أو لم يجد من ترضاه من نساء العائلة، أو إذا وقع في حب عبدته وإن كان يعد عيبا وخروجا على العائلة، ويقابل بمقاومة ورفض شديدين من كل العائلة لأنه- في عرفها – يجلب لها العار، لذلك صارت إحدى العائلات الشهيرة جدا في سوهاج موضعا للسخرية والاستهزاء بسبب أن بعض رجالها تزوجوا من عبدات!

ويعانى أبناء هذا الزواج من التمييز الاجتماعي ضدهم ومن نظرات الدونية، فلا يتساوون غالبا في الميراث مع أخواتهم من أبناء العائلة وكثيرا ما توجه إليهم الإهانات التي تحط من شانهم  .

ولا يفهم من ذلك أن وضع العبدة متدني أخلاقيا كما تصور الأفلام والروايات، فهي تحظي باحترام أبناء العائلة أخلاقيا كما المرأة الحرة تماما، وليس من السهل أن يتعرض لها أحد من رجال العائلة أو يتحرش بها؛ إذ يشين هذا العائلة وينال من شرفها. ولكن الغالب أن يفشل هذا الزواج وينتهي في معظم حالاته بالطلاق، وهو ما تكرر حدوثه في كثير من الحالات حيث تتصدي بعض  العائلات لأبنائها الذين تزوجوا من عبدات حتى تضطرهم للطلاق .

وتحرص كثير من العائلات على إعطاء الصبغة الشرعية لهذه التقاليد والأعراف فتؤكد أن هذه المعاملة تقوم على أساس من الآية القرآنية (وجعلنا بعضكم فوق بعض درجات)، وأن بعض المذاهب الفقهية – كالحنفية – تمنع زواج العبد من الحرة على أساس عدم التكافؤ وبعضها يرى أن القرشية لا يتزوجها إلا قرشي !

ومن الطرف التي تساق في هذا الموضوع أن أحد خطباء المساجد الذين ينحدرون من أصول عبيد خطب في مسجد إحدى العائلات الكبرى بإحدى قري سوهاج فتحدث عن المساواة بين البشر وذكر قول الله تعالى (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، والحديث النبوي (كلكم لآدم وآدم من تراب لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود)، وروي حادثة عبدا لله بن أم مكتوم الأعمى التي ورد ذكرها في سورة عبس والتي تحض على المساواة بين الناس وعدم التمييز بينهم بسبب أصولهم … فما كان من أبناء العائلة- الذين اعتبروها دعوة لإلغاء الفوارق والمساواة بين عائلتهم وبين أهل الخطيب- إلا أن ثاروا عليه وأجبروه علي ترك الخطابة بل والصلاة في مسجدهم

وربما كان هذا الوضع سببا في هجرة بعض أبناء العبيد خاصة الذين نالوا قسطا من التعليم بعيدا عن الصعيد، والاستقرار في الوجه البحري  ومحافظتي القاهرة والإسكندرية، حيث ينعمون بوضع اجتماعي أفضل خاصة في الزواج هربا من هذه القيود، وهناك استطاعوا العمل بحرية والزواج من بنات هذه البلاد دون أن تلاحقهم الأعراف والتقاليد التي تحظر عليهم ذلك .

وقد بدأت هجرة عبيد الصعيد مع الانفتاح الاقتصادي في نهاية السبعينات وتصاعد مد التحديث هروبا من الوضع الاجتماعي المتدني، خاصة مع التغيرات الاجتماعية والثقافية التي طرأت على الصعيد والتي اندثرت معها كثير من التقاليد والأعراف أو ضعف تأثيرها إلى حد ما، وأكثر فئات العبيد التي تركت قراها وانفكت عن سيطرة عائلاتها هي تلك التي حصل أبناؤها قدر ولو ضئيل من التعليم أو احتكوا بالمجتمعات الأخرى أو سبق لهم السفر خارج القرى.

لا لتعليم السفهاء

وانتشار التعليم بصفة عامة جاء في نهاية الستينات لكنه تأخر كثيرا بين أبناء الصعيد عن أبناء العائلات، والسبب في ذلك التدني الاجتماعي الذي يجعل من التعليم حلما يصعب وربما يستحيل تحقيقه، وأحيانا يجعله لا قيمة له خاصة وأن كثيرا من هؤلاء العبيد يشعرون بالاستقرار والأمان الاجتماعي الذي يستمدونه من قوة ومنعة عائلاتهم، وهو ما يشعرهم أحيانا بعدم أهمية أو جدوى التعليم خاصة إذا كانت هذه العائلات قوية النفوذ واسعة الثراء.

ومن الأسباب الأخرى لعدم انتشار التعليم بين أبناء العبيد عدم اهتمام عائلاتهم بذلك أو ربما عدم رغبتهم في تعليم عبيدهم حتى لا يخرجوا عن سيطرتهم، خاصة وأن أكثر من خرجوا عنها كانوا من المتعلمين، وتعتبر بعض العائلات هذا الموقف شرعيا اعتمادا على الأثر الذي يشاع بالخطأ أنه حديث (لا تعلموا أبناء السفهاء)، لكن الأغلب أن عدم تعليم أبناء العبيد سببه الرئيسي الوضع الاجتماعي المتدني والذي لا يساعد على ذلك، خاصة وأن بعض هؤلاء العبيد كان غير مسجل فعليا في وزارة الصحة وليس له شهادات أو أوراق رسمية إلى وقت قريب!! وكثير من أبناء الصعيد لم تستخرج له أوراق رسمية إلا عند الزواج والأغلب لأسباب أمنية تستدعى ذلك مثل التورط في جرائم أو جنائيات.

وفى بلد كالشرقية فإن عبيد القبائل العربية لا يسافرون خارج البلد أو حتى القرية إلا للضرورة القصوى،  ومن سافر منهم توجه إلى دول الخليج وعاش حياة أقرب للتي نشأ عليها حيث أن عرب قبائل الخليج أحبوهم وقربوهم إليهم واستعملوهم في وظائف تشبه تلك التي كانوا يمارسونها في بلادهم ولكن بمقابل مادي كبير.

ورغم أن كثيرا من هؤلاء العبيد صاروا أغنياء وربما فاقوا سادتهم في الغنى أحيانا، إلا أنهم إذا عادوا لبلدهم لا يتجاوزون العرف الاجتماعي السائد ولا يخرجون عليه بل يعلنون تمسكهم بولائهم لسادتهم والعائلات التي ينتسبون إليها، بل ويعتبرونها مصدرا للفخر والمباهاة خاصة إذا ما كانت هذه العائلات تحسن إليهم وترعى أهليهم وتعاملهم معاملة طيبة.

ومما لاحظه إدوارد لين في كتابه (المصريون المحدثون عاداتهم وتقاليدهم) أن معاملة العبد الخادم تختلف عن معاملة الخادم غير العبد، وهذا تقليد قديم فالخادم العبد يلقى معاملة أفضل كثيرا من تلك التي يلقاها الخادم غير العبد ومصدرها وجود نوع من المسئولية من السيد تجاه عبده حتى ولو لم يكن خادما .