المستوطنون السوفيت سابقا والحرب في فلسطين

المستوطنون السوفيت سابقا والحرب في فلسطين

المستوطون السوفيت سابقا والحرب في فلسطين

بقلم عاطف معتمد
يوليو 2002

في بلد بحجم قارة كروسيا، غارق حتى أذنيه في قضاياه المحلية، يبدو من لمستغرب أن تتصدر أخبار القضية الفلسطينية وسائل الإعلام بمختلف أشكالها. غير أن التفسير بسيط للغاية، فصانع الخبر كثيرًا ما يكون عضوًا في مؤسسة إعلامية يسهم اليهود بقدر وافر في صدورها (مثل محطة التلفاز NTV)، ومتلقي الخبر أيضًا مهتم بالوضع الأمني في فلسطين لوجود بعض من ذويه أو أصدقائه هناك، حيث "الإرهاب" -هكذا يقرأ- الذي يشنه الفلسطينيون على اليهود السوفيت سابقًا المضطرين للدفاع عن أنفسهم!.


شيرانسكي.. أسس حزب إسرائيل بعالياه للتعبير عن مطالب الروس في إسرائيل
 

الحرب الديموغرافية

ينظر كثير من الباحثين إلى الوزن الديموغرافي لليهود السوفيت داخل إسرائيل (15 - 18% من إجمالي سكان إسرائيل) باعتباره أكبر نقلة ديموغرافية في تاريخ دولة الاحتلال، وإحدى أهم محطات تاريخها السكاني، ويمكن لنا أن نشبهها بوصول المدد إلى الجيش الإسرائيلي في حربه الديموغرافية ضد الفلسطينيين، سواء من الناحية العددية (هجرة مليون مستوطن خلال عقد من السنوات)، أو من الناحية المهنية نظرًا إلى وجود نسبة مرتفعة (23%) منهم في الفئات المهنية المؤهلة للنهوض بأي مجتمع، كالأطباء والفنانين والمهندسين وعلماء الطبيعة والرياضيات والتربويين. ويكفي أن نعلم أن نسبة ذوي التعليم العالي لدى المهاجرين السوفيت سابقًا تفوق بأربعة أضعاف نظيرتها لدى بقية الإسرائيليين. والنتيجة أن ارتفعت نسبة المؤهلين أكاديميًّا في إسرائيل لتقترب من 15% من إجمالي عدد السكان؛ لتصبح واحدة من أهم الدول التي تضم السكان "الأكثر مهارة" في العالم.

ورغم ما أشيع عن هجرة اليهود السوفيت في عقد التسعينيات من أنها هجرة "مُعالة" يتصدرها الشيوخ وكبار السن الذين أرسل بهم ذووهم لجمع المال (من خلال مزية صرف المعاش للعاطلين وكبار السن في إسرائيل)، فإن الثابت أن نحو 65% من هؤلاء المهاجرين دون سن الخامسة والأربعين، ومن القادرين على العمل والعطاء.

وقد كان لتبني الرئيس السوفيتي الأخير جورباتشوف ما عرف بسياسة "الجلاسنوست" (المصارحة) و"البيرستيرويكا" (إعادة البناء) الأثر الأكبر في رفع الحظر عن هجرة اليهود السوفيت. وقد كانت الأفضلية الأولى لدى هؤلاء هي التوجه نحو الولايات المتحدة ودول غرب أوربا، بيد أن تحديد تلك الدول لأعداد المهاجرين إليها من الاتحاد السوفيتي (حسب نظام الحصص) دفع بمئات الآلاف إلى الهجرة إلى إسرائيل، وهو سيناريو تكرر في موجات الهجرة الصهيونية السابقة من أجل استيطان فلسطين.

وفى ظل الدعاية التي بدأت المنظمات الصهيونية في الاتحاد السوفيتي السابق تروجها عن الخطر الذي ينتظر اليهود هناك في ظل عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي، تشجعت وفود أخرى للهجرة، خاصة في ظل اضطراب الأحوال الاقتصادية في جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق عقب تفككه.

"شكل توضيحي لنسبة المهاجرين السوفيت سابقا إلى إجمالي المهاجرين إلى إسرائيل"



 

"يهود" غير يهود

ويبدو أن كلمة "يهود" لا تنطبق على أكبر موجة هجرة استقبلتها إسرائيل التي شملت ما يقرب من مليون مهاجر. فقد تمت عمليات الهجرة بعد عقود طويلة أطبق فيها الستار الحديدي على رغبة كثير من الروس في السفر. وثبت أن أكثر من 85 % من هؤلاء المهاجرين علمانيون، وتمت عملية سفر الكثير منهم من خلال منظمات صهيونية لم تكترث بالتحقق من "يهوديتهم"، بل أعدت لهم أوراقًا تدعي أنهم يهود لتحقيق الهدف السياسي الأكثر أهمية من الهدف العقدي.

وقد كانت الحكومة الإسرائيلية على علم بـ"لا يهودية" كثير من المهاجرين السوفيت إلى إسرائيل. وهذا ما أكده رئيس الحكومة الإسرائيلي الأسبق "إسحق رابين" في موسكو حين سأله أحد الصحافيين الروس: "هل تعلمون أن عددًا كبيرًا من المهاجرين إلى إسرائيل من روسيا ليسوا يهودًا؟" فأجاب رابين: "نعلم ذلك.. ولا تقلق عليهم، سوف يصبحون يهودًا"! ويذكرنا هذا بقضية يهود الفلاشا (يهود إثيوبيا) حينما استقبلت إسرائيل نحو 100 ألف منهم يتحدثون اللغة الأمهرية، ويشكلون وضعية خاصة داخل إسرائيل بخصائصهم اللونية واللغوية والدينية، من أجل توجيههم للعمل في قطاعات معينة أغلبها دنيا -على خلاف الفئة السابقة من اليهود الروس- بصرف النظر عن عقيدتهم وقوميتهم.

وعلى الرغم من الدراسات الميدانية التي تؤكد هذه النسبة المرتفعة من غير اليهود بينهم، تصنف وزارة الهجرة الإسرائيلية اليهود السوفيت الذين وصلوا إسرائيل في الفترة من 1989 إلى 1995م على النحو التالي، اعتمادًا على أوراقهم الرسمية:

مستوى اليهودية (درجة القرابة)                النسبة المئوية

يهودي  (مولود لأم يهودية)                          81.2

غير يهودي (متزوج من يهودية)                      7.3

غير يهودي (مولود لأب يهودي)                      9.4

غير يهودي (حفيد ليهودي هاجر لإسرائيل)            2.1

غير يهودي (حفيد ليهودي لم يهاجر لإسرائيل)         0.4


السلاح الجديد.. هل ينقلب على صاحبه؟

رغم أن هجرة اليهود السوفيت سابقًا إلى إسرائيل في التسعينيات لم تكن الهجرة الأولى لليهود السوفيت، فقد سبق ذلك موجات قبل وبعد قيام دولة إسرائيل، فإن تلك الموجة الجديدة ألقت بظلال ثقيلة على قضية الاندماج والانتماء داخل المجتمع الإسرائيلي. فباستثناء الاستقرار المادي الذي وجده هؤلاء المهاجرون في إسرائيل، فإن العديد من المعضلات تواجههم، وعلى رأسها:

مشكلة الاندماج الثقافي، فاليهود السوفيت أقل سرعة من غيرهم في تعلم اللغة العبرية، وهو ما يجعل قطاعات كبيرة منهم غير قادرة على الاستمتاع الثقافي. ولمواطني دولة عظمى كالاتحاد السوفيتي تباهت بأنها الأكثر دعمًا للثقافة، ونال الكثيرون من أبنائها أرفع الأوسمة الدولية في الآداب والفنون والعلوم يجد كثير من اليهود السوفيت صعوبة بالغة في التواصل الثقافي مع الدولة الناطقة بالعبرية.

وعلى الرغم من صدور بعض الصحف بالروسية –وكذلك ترجمة النشرات الإخبارية إلى اللغة الروسية- فإن المتقنين للعبرية فقط هم القادرون على التواصل الثقافي مع المجتمع. ويضطر أغلبهم إلى العيش في "جيتوات" ثقافية روسية، ناهيك عن مشكلات الزواج واختلاف طقوسه وتنظيماته في مجتمع الهجرة. ولعلَّ الاستثناء البارز في هذا المجال هو المشاركة الثقافية للموسيقيين وفناني الباليه والإخراج المسرحي، التي ارتقت بشكل ملموس في إسرائيل بفضل جهودهم. ويلاحظ أن هذه المشاركة لم تقتصر على إسرائيل، فالفرق الموسيقية الروسية وجدت لنفسها سوقًا حتى في البلاد العربية.

2. الشعور بالتمييز والاستهداف من قبل بعض وسائل الإعلام التي يقدم بعضها عناوين ساخنة لنشاط رجال المافيا الروس، وامتهان المراهقات الروسيات البغاء أو نشر صور لمشردين مدمنين على الكحول من الروس، كلها أمور تثير حفيظة المهاجرين. ويتعامل معهم المجتمع الإسرائيلي بنظرة فوقية باعتبارهم "روسًا" لا "يهودًا"(3). أضف إلى ما سبق ارتفاع نسبة البطالة بينهم أو العمل في مجالات غير متفقة وتخصصاتهم المهنية التي لا يستوعبها المجتمع الإسرائيلي.

سلاح في وجه العرب

إن من يراجع خرائط التقسيم الإداري بين الفلسطينيين والإسرائيليين يعلم أن أكبر وأهم مشكلة هي المستوطنات المنزرعة كأجسام سرطانية داخل الأراضي العربية، سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة. وقد رفع استقبال المهاجرين السوفيت سابقًا من حمى بناء المستوطنات، إلى درجة أن أصبح الحديث عن فك المستوطنات في المفاوضات العربية - الإسرائيلية أضحوكة بين الإسرائيليين الباحثين عن "فضاء جغرافي" في كل شبر من أرض فلسطين لاستيعاب من وفدوا من الاتحاد السوفيتي السابق. كما أن الحديث عن عودة اللاجئين أصبح أضحوكة أخرى للسبب نفسه.

ولمشكلة المستوطنات تبعات أخرى عديدة ليس آخرها حرمان المواطنين العرب من المياه. فالحرب الديموغرافية تستتبع حربًا أخرى أشد ضراوة، هي حرب المياه. وعلى مدى تاريخ الهجرات الصهيونية –وآخرها "اليهود" السوفيت- وضعت إسرائيل يديها، بالإضافة على ما هو تحت سيطرتها من مياه جوفية في فلسطين المحتلة على نحو 80% من مصادر المياه الجوفية في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين، وتناقص بالتالي نصيب استهلاك الفرد من السكان العرب لصالح اليهود، وحجمت أنشطة العرب الزراعية.

كما أن عمال الضفة والقطاع سُدت في وجوههم أبواب العمل داخل "فلسطين المحتلة" بقدوم الوافدين في عقد التسعينيات. فبالإضافة إلى مليون روسي و100 ألف يهودي إثيوبي استقبلت إسرائيل ما بين 150 و300 ألف من العمال الأفارقة والآسيويين لإحلالهم محل العمال الفلسطينيين من الضفة والقطاع.

عداء للعرب في إسرائيل وروسيا

وعلى المستوى السياسي نجد أن الاتحاد السوفيتي ناصر العرب ضد إسرائيل بإمدادهم بالسلاح، والدعم الفني، والتدريب، والمساعدات الاقتصادية، غير أنه منذ انفراط العقد السوفيتي ونشوء الاتحاد الروسي وتدفق مئات الآلاف من الروس إلى إسرائيل، صارت روسيا تحسب لمواطنيها "في إسرائيل" -وهي ترى أنهم روس لا يهود- حسابًا في علاقتها بدولة الاحتلال. والدليل على ذلك ما أعلنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في إبريل 2002م تعليقًا على المواجهات بين الفلسطينيين والإسرائيليين وغزو إسرائيل للمدن والقرى الفلسطينية، عندما أكد العلاقات الطيبة مع العالم العربي، وأكَّد أيضًا أن روسيا تنظر بأعين يملؤها الاهتمام إلى أكثر من مليون ناطق بالروسية في إسرائيل، لدرجة دعت بوتين إلى اعتبار إسرائيل "إحدى الدول الناطقة بالروسية"، وما لذلك من أهمية ثقافية - حضارية تحرص عليها روسيا كمفتاح لمستويات أخرى من الأهمية السياسية والاقتصادية.

وعلى مستوى الوعي والإدراك الشعبي في روسيا تغير التعاطف تجاه القضية الفلسطينية، خاصة وقد صار الروس يتعرضون للمواجهات مع الفلسطينيين، ويتعرضون لعملياتهم "الإرهابية" حسبما تصوغ لهم صحافتهم الموجهة. وبعد أن كتبت في العهد السوفيتي مقالات ومؤلفات حول عنصرية إسرائيل ونازيتها، واعتبار هذه الدولة "عدو الشعوب السوفيتية"، صار السؤال المطروح الآن هو: "لماذا لا تبحث الدول العربية –وما أكثرها عددًا– عن مكان يلجأ إليه الفلسطينيون ويعيشون بين إخوانهم العرب؟!".

وحينما أدت الانتفاضة الفلسطينية الأولى والثانية إلى زرع الخوف والرعب في قلوب المستوطنين، وحدثت ردة في الهجرة الروسية، وعادت أعداد منهم إلى روسيا (ليست هناك تقديرات تقريبية حول هذه الأعداد) تغيرت مفردات التعبير عن رأي الروس في الصراع العربي – الإسرائيلي، ونقل التلفزيون الروسي (في قنواته المملوكة ليهود) حوارات مع شباب روس في إسرائيل عقدوا العزم على الانضمام إلى قوات الجيش الإسرائيلي لينتقموا من العرب.

ومن زاوية مختلفة، يرى البعض أن توجهات المهاجرين السوفيت سابقًا في إسرائيل تجاه الصراع العربي - الإسرائيلي، يغلب عليها التطرف، حيث يُعَدّ اليهود الروس من أكثر المدافعين عن الصهيونية في مواقفهم الحزبية، ومن أشد المستوطنين تطرفًا في مسائل الأمن القومي كعملية التسوية، ليس لإيمان بهذه الأيديولوجية، ولكن لإثبات الولاء للوطن الجديد، وأنهم لا يقلون انتماء للأيديولوجية التي قامت عليها الدولة. وهذا الرياء وسيلة لإدارة الصراع مع المجموعات السكانية المستقرة التي بدورها -وإن رحبت بهذا المدد "اليهودي"- نظرت إليهم بحسد على ما بدا أنهم يمنحونه من مميزات وتدليل على حسابهم، أو أنكرت عليهم وجودهم أصلاً باعتبار أنهم غير يهود، وهذا موقف التيار الديني الأصولي الذي اعتبرهم رصيدًا إضافيًّا للعلمانية. كما أنهم تذبذبوا في مواقفهم من الأحزاب القائمة ما بين اليمين تارة واليسار تارة أخرى، حتى كونوا أحزابًا خاصة بهم في النهاية من أجل تحقيق مطالبهم.

وقد وضعت الانتفاضة هذه الفئة التائهة أيديولوجيًّا (المهاجرين السوفيت سابقًا) في مأزق حقيقي؛ لأنها تفرض عليهم أن يقرروا موقفهم الحقيقي، إما إثبات الولاء لدولة الاحتلال بالعمل وليس الكلام من خلال المشاركة في التضحية والدم، أو الهجرة إلى الخارج والهروب من المواجهة، أو السلام للتخلص من هذا العبء، وهو ما يهدم أساس شرعية وجودهم التي يؤسسونها على وحدة المصير والمواجهة للعدو المشترك، وليس الهوية اليهودية. وهو ما يعتبر حالة نموذجية للمأزق العام الذي تسببت به الانتفاضة للمجتمع والدولة في إسرائيل.