رحلات بحرية غيرت التاريخ

رحلات بحرية غيرت التاريخ

 

من هنري الملاَّح إلى بطرس الأكبر
اكتشاف المجهول البحري

 

 

بقلم : ر.ك بالاندين، وف.أ ماركين
ترجمة : د.عاطف معتمد



 

القبطان الذي لم يبحر..هنري الملاَّح

لم يكن الأمير البرتغالي هنري الملاًّح قد أبحر بالقدر الذي يعطيه لقب الملاًّح. ومع ذلك فإن اسمه قد حفر في تاريخ الاكتشافات البحرية بفضل جهوده فى تشجيع الملاحة والاستكشاف.

وقبل أن نبدأ حكاية هنري الملاح لابد أن نلقي نظرة على شبه جزيرة أيبيريا. كان مضيق جبل طارق يتحكم في عنق البحر المتوسط ويتحكم في الخروج منه إلى المحيط الأطلسي وهنا كان العالم العربي يتحكم في هذه البحر ويجبر الأوربيين على التقهقر إلى الشمال.

تمكن العرب في العصور الوسطى من استيعاب نتاج الحضارة الإغريقية فترجموا آداب الإغريق القدماء وخاصة أعمال أرسطو وأبدوا اهتماما عميقا بالعلوم. وفى بداية القرن الثامن تمكنوا من العبور عبر مضيق يحمل اسم قائدهم طارق بن زياد ( جبل طارق) واخضعوا لسيطرتهم غالبية شبه جزيرة أيبيريا ( كانوا فى نفس الوقت قد أخضعوا في الشرق آسيا الوسطى والقوقاز وفارس وأراضى ما بين النهرين وتحكموا في طرق التجارة حول البحر الأحمر والخليج الفارسي وأغلب مسارات التجارة حول حوض البحر المتوسط.

تمكن الرحالة والتجار والمبشرون والسفراء السياسيون العرب من توسيع نطاق المعرفة العربية عن البلاد والشعوب المحيطة بهم في إفريقيا وآسيا وأوربا. وهم بذلك قد جابوا كل العالم المعروف في ذلك التاريخ. ولم يكبح جماح انتشار الإسلام سوى الغزو التتري وسلسلة الحملات الصليبية التي أقنعت الشعوب الأوربية بضرورة نجدة المسيحيين فى بيت المقدس وحماية "تابوت الرب" . ولا يمنع هذا أن نتذكر أنه كثيرا ما تقف أهداف السلب والنهب خلف شعارات دينية. وكان البرتغال من الذين أخذوا على عاتقهم مجابهة المد الإسلامي. ولم تمنع هذه المقاومة من بقاء تأثير الثقافة العربية في شبه جزيرة أيبيريا حتى بعد خروج العرب منها، وإن كان هذا التأثير اكثر وضوحا في صوره الشعرية والقصصية وفانتازيا الحكايات والرحلات منه في صورة التأثير العلمي.

قابل الرحالة والتجار البرتغال صعوبات جمة في الوصول إلي البحر المتوسط بسبب السيطرة العربية. كان لابد أن تكون هناك طرق أخرى، ولكن في أي اتجاه؟ في الشمال يسيطر الهولنديون والنرويجيون والفرنسيون، في الشرق الأعداء العرب، في الغرب بحر مظلم لا يدرى أحد ماذا يخبئ وراءه. لم يتبق إلا الطريق نحو الجنوب.

الأمير هنري هو الابن الثالث لملك البرتغال خوان الأول. ثبت عن هنري ولعه بالبلاد البعيدة. كان أحد أخوة  هنري مهتما بالأدب والرحلات أما أخوه الثاني فكان فارسا جاب العديد من بلدان أوربا حتى عرف بالرحَّال.

لم يهتم هنري بالشعر والأدب ولا بالسفر إلى البلاد القريبة والبعيدة وحياة الفروسية، ترجم أحلامه إلى شئ عملي وعلى يديه بدأت أولى رحلات البرتغال بهدف الوصول إلى آسيا عبر البحر المحيط وليس عن طريق البحر المتوسط. كانت لديه بعض الدلائل على نجاح طريق الدوران حول إفريقيا ومنها أشعار دانتي عن العالم الجديد.

يحكي لنا المؤرخ البرتغالي ديجو غوميشا فى القرن الخامس عشر الميلادي قصة البعثة التي أرسلها الأمير هنري الملاح في عام 1432 إلى جزر آزور بقوله :

" لما كان الأمير هنري مهتما بجمع معلومات عن الأراضي البعيدة في البحر الغربي المحيط بهدف التأكد مما قاله بطليموس من أنه وراء عالمنا توجد جزر ما أو قارة من القارات، فإنه أرسل ملاحين نحو الغرب نجحوا في العثور على جزر تبعد عن رأس فينيستر بـ 300 ساعة من الإبحار. وكانت إحدى هذه الجزر غير مأهولة ومنها إلى جزيرة أخرى أطلقوا عليها اسم سان ميجال ثم عادت السفن إلى البرتغال، استقبلهم الأمير هنري وأرسل سفينة جديدة بقيادة الضابط الشهير غونسال فيليو وعلى متنها حيوانات مستأنسة لتعمير الجزر التي اكتشفها الملاحون". ( في حقيقة الأمر لم يكن البرتغال أول من وصل إلى جزر آزور ولا جزر ماديرا، فقد سبقهم بنحو ألفي عام الفينيقيون القرطاجيون كما تحدثنا سلفا). 

 

شجعت الرحلة السابقة الأمير هنري لاستكمال خطته بالوصول إلى الهند عبر المحيط الأطلسي. وكان على البرتغاليين أن يتغلبوا على صعاب جمة بعضها طبيعي يعوق الملاحة وبعضها متوهم من أساطير سابقة. ولعل أشهر هذه الأساطير تلك التي كانت شائعة آنذاك من أنه ما من إنسان عبر رأس بيجادور (جنوب شرق جزر كناريا) إلا وقد هلك. وقد ضيعت هذه الأساطير والمخاوف على البحارة البرتغال زمنا طويلا. ورغم أن هنري الملاح أرسل في خلال 12 سنة عدة سفن إلى هناك إلا أن بحارته لم يغامروا بعبور رأس بيجادور. حتى أرسل في عام 1433 سفنا بقيادة القبطان "جيل إيانيش" بهدف تخطى رأس بيجادور واستكشاف الساحل الإفريقي إلا أن عدة مصاعب أعادت الرحلة فاشلة إلى البرتغال. وحسب المصادر التاريخية فإنه في العام التالي كرر هنري الملاح أمره للقبطان جيل ايانيش الذي نجح هذه المرة في عبور رأس بيجادور واكتشف كذب الأساطير حول الساحل الإفريقي.

لابد أن نقرر أن هنري الملاح كان يتابع رحلاته البحرية بإيمان ديني عميق في "رسالة" ما يقوم بها. فبالإضافة إلى الأهداف العلمية والسياسية لرحلاته كان هنري الملاح يسعى لاستئصال المحمديين (المسلمين) والوثنيين ونشر المسيحية. وساعده هذا الإيمان على أن يحصل على دعم روحي من الكنيسة بل وسمح البابا للبرتغال بأن تستخدم الأموال المودعة في خزينة الكنيسة لدعم رحلاتها. وهكذا أطلقت يد البرتغال في البحر وسمحت لنفسها بجلب الخيرات من الساحل الإفريقي كما جلبت معها العبيد. ومن ثم فقد تداخلت إيجابيات النتائج العلمية والدينية والسياسية مع مثالب أخرى على رأسها فتح باب واسع لاستبعاد الإنسان وجره إلى أسواق جديدة للنخاسة. وأحضرت السفن العبيد السود والذهب وحصلت رحلات هنري الملاح على دعم كامل من خزينة الدولة. لم تنمو تجارة الذهب بالشكل الذي يعوض الإنفاق على الرحلات فتركزت الجهود البرتغالية على إنعاش تجارة الرقيق والتكسب منها.

استمرت السفن البرتغالية تتخطى المواقع الجغرافية في غرب إفريقيا، فبعد رأس بيجادور وصلت إلى الرأس الأخضر ( كيب فيرد) ولم يعد هناك شئ يخيف الملاحين البرتغال: لا مقاومة السكان الأصليين ولا الشعاب المرجانية ولا العواصف ولا الأساطير.





نشر هذا المقال أول مرة في مجلة الترجمان عام 2012 ، ولقراءة المقال كاملا يمكنكم تحميل الملف pdf أعلاه