بانوراما التوتر الداخلي فى روسيا قبيل الانتخابات الرئاسية

بانوراما التوتر الداخلي فى روسيا قبيل الانتخابات الرئاسية

بانوراما التوتر الداخلي فى روسيا قبيل الانتخابات الرئاسية

بقلم عاطف معتمد
فبراير 2004

 

في واحدة من أبهى لوحات الفن الروسي رسم فاسنيتسوف رائعته "محارب في مفترق الطرق " مصورا اختيار روسيا لطريقها الحرج عند مشارف القرن العشرين، وجسدت الألوان روسيا في محارب أعيته المعارك وإن بدا عازما على إكمال المسير رغم ضبابية الأفق.

ورغم الغيوم ستمضى روسيا حتى عام 2008 تحت قيادة فلاديمير بوتين، وإن كان ذلك لن يتحدد رسميا سوى في انتخابات 14 مارس/ آذار القادم. ويبدو مفيدا لو نظرنا إلى المشهد الداخلي في روسيا قبيل هذه الانتخابات ربما تنجلي رؤى نحتاجها في فهم ماذا يدور في روسيا اليوم.


بوتين الأكبر
لا يفكر بوتين في نجاحه لفترة قادمة بقدر ما يفكر في كيفية جذب الناخبين إلى صناديق الاقتراع بعد الصورة المهتزة للانتخابات البرلمانية التي أسهم الكرملين فيها بالتزوير. ومع شكوك التزييف يقارن الناخب الروسي بين بوتين ومنافسيه فيكتشف دون جهد أن بوتين هو رئيس روسيا لفترة ثانية ولأسباب أهمها:

1. ضعف الكاريزمات السياسية في وقت يتشح فيه بوتين بملامح الشخصية المهمومة بقضايا الوطن مقارنة بشخصيات إما متهورة السلوك مثل جيرونيفسكي الذي يلاكم منافسيه في ساحة الدوما، ويفلينسكي بأفكار طبقة الأوليغارشيا المائعة. وغيرهم من سياسيين يطفون على السطح ويغوصون دون أن يشعر بهم أحد.

2. هلامية الأيديولوجيات المطروحة بين شيوعية تناصرها أغلبية كبار السن، وليبرالية الأبراج العاجية غير القادرة على التغلغل في الأقاليم الروسية بنظم حياتها الريفية المختلفة عن مناورات موسكو وسان بطرسبرغ. وحتى الأيديولوجيات الديمقراطية فلم تنجح إلى الآن في تقديم برنامج متكامل وعملي.

3. يتبنى بوتين - ذلك الشاب موفور الصحة البدنية والعقلية عندما يقارن بسلفه يلتسين- نهجا إصلاحيا تصوره إدارته كرجل التاريخ الجديد، فتُنشر كتبا لسيرته الذاتية وتباع صوره التذكارية كنجم قومي بل وتعلق صوره الجدارية في مكاتب موظفي الدولة باعتبارها رمزا للدولة وعلامة لها.

والنتيجة أن أربع سنوات في الكرملين نقلت بوتين من دهاليز الـ KGB البيروقراطية الصلفة -هكذا تصوره المراقبون عام 1999 - إلى رجل دولة قوي أفلح بسرعة مدهشة في الإمساك بحبائل اللعبة السياسة وتعقيدات العلاقات الدولية. وحسبما ذهبت تايمز فإن بوتين صار يمثل لدى المواطن الروسي ثاني أهم شخصية إصلاحية بعد القيصر الشهير بطرس الأكبر! وربما تأثر هذا التصور بتمثال للقيصر واقف في عزم ومهابة خلف المكتب الرئاسي لبوتين وكأنه يهديه إلى الطريق.


المعارضة بين السلطة والثروة

بطريقة بدت بعيدة عن الديمقراطية أُزيحت في ديسمبر/ كانون الأول الماضي الأحزاب اليمينية والليبرالية عن مجلس الدوما مع اكتساح مشكوك في واقعيته لحزب روسيا الموحدة الموالي للكرملين. وذهب محللو صحيفة مسكوفسكي كومساموليتس إلى التعبير عن الأزمة بالقول "لقد دهس الكرملين بجدارة أحلام تقاسم السلطة بين الأحزاب وقضى إلى أجل غير مسمى على إمكانية ظهور روسيا ديمقراطية".

كما خلصت كومسامولسكيا برافدا إلى أنه "لم يعد هناك من يراجع أو يوبخ، لقد صار في مقدور رئيس روسيا ولأول مرة منذ تفكك الاتحاد السوفياتي أن يمرر القوانين التي يرغب بها، وبتأييد من أغلبية رجاله في الدوما".

وفى محاولة تبدو يائسة تشكلت تكتلات سياسية -وإن ظلت منعزلة إقليمية المستوى- تهدف إلى مقاومة "ديكتاتورية بوتين" وأعلنت أحزاب المعارضة عن مقاطعة الانتخابات الرئاسية. غير أن هذه الأحزاب -خوفا من بوتين الذي وصف نهجها بالعمل الأخرق الساذج- سرعان ما عدلت عن موقفها بعد أن فهمت أن الكرملين غير مستعد للمداعبة الثقيلة بمقاطعة الانتخابات وترك بوتين مرشحا وحيدا وتصويره صاحب نظام ديكتاتوري إقصائي، فقدمت هذه الأحزاب مرشحيها لمجرد المشاركة.

وتزداد مخاوف المعارضة من أن يقوم بوتين -الذي ما يزال نجمه في أوج ارتفاعه- بتعديلات دستورية تسمح له بالبقاء في السلطة سبع سنوات بدلا من أربع. ومن طرائف هذه المخاوف أن قاديروف رئيس الشيشان المدعوم من الكرملين علق بقوله "لو كان الأمر بيدي لطلبت منحه رئاسة روسيا مدى الحياة!" (نيزافيسميا جازيتا 20/1/2004). وإذا لم يختر بوتين تعديل أمد الفترة الرئاسية فسيقوم لا محالة بتكثيف خططه ومشاريعه في ماراثون للمسافات القصيرة ملئ بالحماس والجهد وملئ أيضا بالمفاجآت.

وينتظر الكثيرون في روسيا أن يرتب بوتين لأوراقه بعد خروجه من الكرملين عام 2008. وجزء من هذا الترتيب اختيار خليفة له في الرئاسة؛ وغالبا سيكون الخليفة من "أصدقاء العائلة" أو من الكوادر السياسية لحزب روسيا الموحدة. ومن أبرز مرشحي هذا الحزب للخلافة بوريس جريزلوف رئيس الحزب والمتحدث باسم البرلمان، سيرجي شايجو وزير الطوارئ وأبرز مريدي بوتين إعلاميا. بينما يتوقع مراقبون غربيون أن يكون هذا الخليفة هو وزير الدفاع سيرجي إيفانوف زميل بوتين في الـ KGB سابقا.

ولقناعتها بخطورة هذه الاحتمالات شكلت أحزاب المعارضة منتصف يناير/ كانون الثاني الحالي لجنة مركزية لانتخابات 2008 هدفها إعداد مرشحين ينافسون بقوة على رئاسة روسيا ليفوتوا الفرصة على "خليفة بوتين".

وفى مشهد متعلق بالصور السابقة يستمر اعتقال خودركوفسكي أغنى رجل اقتصاد في روسيا إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية (قد يواجه سجنا لعشر سنوات) كضربة قاصمة لطبقة الأوليغارشيا التي تصورت أنها قادرة على البقاء بعد مسلسل من تضييق الخناق عليها في ذلك المسار الوعر الذي يجمعها بالكرملين. وعد ذلك ترجمة لما أعلنه بوتين من أنه "لا يؤمن بنزاهة ثروة قوامها عدة مليارات تصنع في بضع سنين". وبينما تحاول المعارضة وصحف الغرب اعتبار هذا التوجه نهاية للديمقراطية في روسيا يصرح المقربون من بوتين أنه لا داعي لأن نصنع من متهربي الضرائب شهداء للحرية.

وهكذا انتفعت إدارة بوتين من الأزمة فشحنت بشكل منظم قطاعا مهما من الناخبين الروس خلف فكرة باتت غائبة وهى الانتماء إلى روسيا التي تحدق بها الأخطار من كل جانب، كما أرسلت رسالة واضحة للأسماك الكبيرة من رجال الأعمال مفادها "عليكم أن تقنعوا بالمكاسب المالية دون الحلم بالسلطة". وإعلاميا تُربط هذه الطبقة بمافيا اقتصاد الظل المنخرطة في أعمال إجرامية مع سعي دؤوب إلى السلطة لمضاعفة الأرباح عبر تمويل الأحزاب اليمينية والليبرالية.
 

روسيا تموت

لا تكتمل الرؤية البانورامية دون الوقوف برهة أمام مشهد شديد الأهمية وهو التدهور على ثلاثة صعد : اقتصاديا، واجتماعيا وديمغرافيا.

اقتصاديا ما يزال التوتر سيد المشهد في التدابير اليومية للأسرة الروسية بمختلف القطاعات التي ينتمون إليها: كبار السن بمعاشات هزيلة لا تحقق حدا أدنى من متطلبات الحياة، وقوى الشباب التي تكدح لتوفير النمط الملائم للحياة، في ظل ارتفاع تكلفة الخدمات الصحية والتعليمية وتدنى مستويات نظيرتها الحكومية.

وليس من العسير أن يلحظ المتابع للشأن الروسي التغير اللوني في خطاب بوتين في العامين الماضيين من حديث عن الأمن القومي ومحاربة الإرهاب إلى حديث عن الاقتصاد وتفهمه لتدنى المستويات المعيشية، ولكن بوعود أكيدة بأن السنوات العجاف قاربت على الرحيل. وفى العام الماضي أكد بوتين في غير مناسبة أن معدل النمو الاقتصادي في روسيا لعام 2003 قارب 7% مقارنة بـ 4.5% للعام السابق. وتبقى المشكلة العسرة كيفية إيقاف تهريب نحو 9-13 مليار دولار سنويا خارج روسيا في تعاملات اقتصادية سوداء.

واجتماعيا، تعاني المناطق الإقليمية من تدنى مستوى الخدمات الاجتماعية وعوز شديد في إصلاح البنى الأساسية المهترئة لشبكات الماء، وسكن مشترك لعائلات سئمت انتظار الحصول على بيت خاص بآلية لم تتغير منذ العهد الشيوعي.

وتبدو الصورة بالفعل جد متناقضة في إقليم مثل الشرق الأقصى الروسي الذي يعانى من فيضانات الأنهار وشح المياه في آن واحد! بل وقطع خدمات التدفئة عن السكن في الشتاء بسبب عدم قدرة السكان على دفع مستحقات الحكومة عن تلك الخدمة. وليس أبلغ من تعليق مراسل الـ BBC إلى ذلك الإقليم بقوله "ما أغرب أن تضع دولة الإنسان في الفضاء وتخترع أعقد نظم الأسلحة ولا تستطيع أن توفر شربة ماء لساكنيها" ويمكننا أن نتخيل وقع هذه العبارات لدى المواطن الغربي.

وديمغرافيا تعانى روسيا من تناقص سكاني حاد فقدت بسببه 3.5 ملايين نسمة في آخر عشر سنوات (2.5% من عدد السكان) وتفاقمت المشكلة الآن بوصول معدل التناقص السنوي إلى 0.75 مليون نسمة. والأسباب متعددة: الهجرة إلى الغرب وإسرائيل، الحرب في الشيشان، تأخر الزيجات بسبب عدم الاستقرار المادي، انخفاض معدل الإحلال الطبيعي …إلخ.

وتشير التقارير الروسية -نقلا عن بيانات منظمة الصحة العالمية- إلى أن روسيا أمة تموت تدريجيا وقد تنقرض خلال 50 عاما، حيث يموت بسبب إدمان الكحوليات ومضاعفاتها نحو 900.000 نسمة سنويا! (صحيفة برافدا ) والسبب أن معدل الإنتاج السنوي للكحول في روسيا يزيد عن 18.5 لترا/ فرد بينما يقف الخط الأحمر لأي أمة عند 8 لترات/ فرد في السنة!
 

مكان تحت الشمس

ورغم كآبة الرؤية تبدو روسيا بوتين قد حققت نقطتين إيجابيتين -من وجهة نظر المواطن الروسي على الأقل- هما:
1- عودة روسيا إلى المجتمع الغربي بأسواقه وتحالفاته السياسية التي تستلزم الوضوح دون مراوغة. ورغم الاختلاف حيال الحرب على العراق لأسباب اقتصادية وجيوبوليتيكية يؤكد بوتين أن روسيا تفتح ذراعيها لكل من لوكاشينكو رئيس بيلاروسيا الشيوعي المرفوض من الغرب، وجورج بوش الذي يخطط لخنق روسيا في أضيق حدود ممكنة.

وكما أكد بوتين في غير مرة فإنه "لكي يكون لك مكان تحت الشمس فلابد أن تحتفظ بعلاقة جيدة مع الجميع". وتستلزم هذه السياسة مبادرات مدهشة كالانضمام إلى حلف الناتو، والتعاون مع الولايات المتحدة عسكريا وأمنيا، والسكوت عن زرع قواعد عسكرية غربية على أبواب البيت الروسي، وطلب الانضمام إلى رابطة العالم الإسلامي.

2- الوصول بالقضية الشيشانية إلى درجة من حلول الوسط بتغيير مسار التعامل مع القضية عبر تعيين رئيس شيشاني موال للكرملين ومعاد لقوات المقاومة. مع محاولات لتطبيع الحياة في الشيشان. ولم يكن ذلك ليتأتى دون عاملين، الأول: توقف الولايات المتحدة عن نقد روسيا في حربها ضد الشيشان، ربما كجزء من التسوية حيال تعاون روسيا في الحرب على أفغانستان والحضور العسكري في آسيا الوسطى والقوقاز.

والثاني: تجفيف جزء مهم من منابع الدعم الشيشاني ماليا وعسكريا وتطوعيا من قبل جهات الدعم التي ارتبكت منذ أحداث سبتمبر 2001.

وفى النهاية قد لا يكون الوضع الداخلي في روسيا داعيا إلى ارتياح قطاعات واسعة من السكان إلا أنه بالضرورة يقدم لهم صورة أكثر تفاؤلية من روسيا السنوات العشر الماضية، ويقرب قيادتها من المواءمة بين فنون البراجماتية ورومانسية بناء دولة عظمى.