روسيا ودول البلطيق.. تصفية الحسابات القديمة!

روسيا ودول البلطيق.. تصفية الحسابات القديمة!

روسيا ودول البلطيق.. تصفية الحسابات القديمة!

بقلم عاطف معتمد
ديسمبر 2002


 

بطريقة استدعت إلى أذهان الروس ذكريات الزحف الألماني، اكتسح حلف الناتو دول شرق أوروبا دولة وراء الأخرى، كما اكتسحت جحافل القوات الألمانية أوروبا الشرقية في زحفها المقدس إلى موسكو.. جاء ذلك في الحدث التاريخي الذي شهدته العاصمة التشيكية براغ في الحادي والعشرين من شهر نوفمبر بضم 7 دول جديدة إلى الحلف: 4 منها في شرق أوربا (رومانيا وبلغاريا وسلوفاكيا وسلوفينيا)، والثلاثة الباقية هي دول البلطيق.

ودول البلطيق هو ذلك المصطلح الذي يطلق على ثلاث دول توضحها الخريطة المرفقة وهي: إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، ولا يزيد إجمالي سكانها مجتمعة عن 8 ملايين نسمة.

روسيا ودول البلطيق.. تصفية حسابات قديمة

وهناك أكثر من سبب للتخوف الروسي من انضمام دول البلطيق إلى الحلف:

1. لا تتوقف الخسائر التي ستمنى بها روسيا بتوسع حلف الناتو شرقا عند حدود مخاطر المواجهة العسكرية مع الحلف فحسب؛ فالتوسع شرقا يتمثل في الأساس في ملء الفراغ الذي كان لا يزال فرصة لاستعادة روسيا لنفوذها في أوروبا الشرقية، ومنها إلى الحضور الجيوسياسي في وسط وجنوب أوروبا. وقد لا يكون انضمام رومانيا وبلغاريا وسلوفاكيا وسلوفينيا مشكلة كبيرة لروسيا؛ فهذه الدول صاغت سياستها بدرجة كبيرة نحو التقارب الأور-أمريكي، بينما الخطر الأساسي في انضمام دول البلطيق الثلاث بموقعها الجغرافي شديد الحساسية بالنسبة لروسيا، وإشرافها على بحر البلطيق؛ ذلك المسطح المائي شبه المغلق الذي يجمع على سواحله 7 دول ذات توجهات سياسية متباينة، يجمع 4 منها (فنلندا، ليتوانيا، إستونيا، لاتفيا) الشعور بما يسمى الروسوفوبيا (التخوف من روسيا). 

2. العداء التاريخي بين دول البلطيق وروسيا، وخاصة في العهد السوفيتي، وما شهدته هذه الدول من اضطرابات سياسية وأمنية في أعقاب الاستقلال، واتهام روسيا بالضلوع فيها. إضافة إلى استمرار سريان الأيديولوجية الروسية التي بسببها لم يتخلص بعض القوميين الروس من أوهام الإمبراطورية ومناطق النفوذ.

3. وجود أقليات روسية بأعداد كبيرة تمثل ما بين 10-35% من إجمالي سكان دول البلطيق الثلاث (في إستونيا نحو 0.5 مليون نسمة يمثلون 34% من إجمالي سكان الدولة. وفى لاتفيا نحو 700 ألف يمثلون نحو 31% من إجمالي سكانها). وتمثل هذه الأقلية ورقة ضغط على الحكومات الداخلية للدول الثلاث، ويطالبون بالحصول على حقوق المواطنة التي تمكنهم من التأثير في الخريطة السياسية الداخلية.

ويُتهمون داخليًّا بتشكيل الطابور الخامس من جهة، وتلعب الحكومة الروسية على وزنهم الانتخابي من جهة ثانية. 
ومن جانبها تعمل حكومات دول البلطيق الثلاث على تحييد دور هذه الأقليات الروسية؛ فتضع قيودًا شديدة على الحصول على المواطنة (أقل من 20% من إجمالي الروس مُنحوا الجنسية)، ويحمل معظمهم هويات مدونا عليها "بدون جنسية"، ولا يحق لهم السفر للخارج. ناهيك عن القيود المفروضة على العمل والمشاركة السياسية. أما من حصلوا على الجنسية وشكلوا كتلة انتخابية فتعمل موسكو على دعمهم بمختلف السبل.

ومن جانبها تطالب الأقلية الروسية باعتماد لغتها، وإقامة مدارس تخصها، وقنوات تليفزيونية، وصحف تهتم بمشاكلهم وأوضاعهم. وترفع روسيا باستمرار -في لعبتها السياسية مع دول البلطيق- شعارات على شاكلة "انتهاك حقوق مواطنيها في دول البلطيق". وقد استجاب الرئيس بوش للقلق

الروسي في اجتماع براغ الأخير، ودعا دول البلطيق إلى مراعاة حقوق الأقليات التي تعيش على أراضيها. كما يشترط الاتحاد الأوربي لقبول الدول الثلاث تفعيل حقوق الأقليات بها.

4- تمثل دول البلطيق نطاقا عازلا Buffer zone بين روسيا وإقليم كاليننجراد التابع للأراضي الروسية، ذلك الإقليم الذي يمثل مشكلة جديدة للسيادة الروسية؛ حيث سيتحتم –مع توسع الاتحاد الأوربي والناتو- على مواطني روسيا الحصول على تأشيرات دخول إلى الدول العازلة للوصول منها إلى روسيا والعكس.

5- الأهمية الاقتصادية للدول الثلاث، وخاصة المستقبل التجاري، ويعتبر بعض الاقتصاديين أن مستقبل إستونيا أشبه بحاضر الدانمارك (ثالث أغنى دول أوروبا) بحكم تشابه الوضع بين الدولتين والإمكانات التجارية التي يمكن أن تلعبها هذه الدولة. ولعل هذا أكثر ما تخشاه روسيا؛ فالموانئ التجارية لدول البلطيق تؤدي تجارة الترانزيت بكميات نقل تفوق بثلاث مرات نظيرتها الروسية على البحر نفسه. ويلاقي ميناء سانت بطرسبرج وميناء كاليننجراد منافسة شديدة من موانئ دول البلطيق وخاصة ميناءَي تالين وريجا.

وعلى الجانب الآخر تخادع روسيا نفسها وتقف موقفًا يبدو -ظاهريا- متناقضا. فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين لا يذهب إلى اجتماع قمة براغ حتى لا يُفهم على أنه مباركة روسية على توسيع الحلف، بينما يقف وزير الخارجية إيجور إيفانوف ليقول في اجتماع الحلف: "إن في توسيع حلف الناتو شرقاً نقاطا إيجابية كثيرة؛ فمع الاحتفاظ بالأوضاع العسكرية السابقة لانضمام الدول الجديدة للحلف، سيكون التوسع محققا للأمن والتعاون الأوربي الأطلسي". وحسبما تقول ماريا تسفيتكوفا في صحيفة "جازيتا رو" فإنه يبدو وكأن روسيا لا تمانع من توسيع الحلف شرقا، على أمل أن تتغير ترتيبات عمل الحلف؛ بحيث يكون الهدف من مجلس التعاون الذي يحمل عنوان "الناتو- روسيا" هو إعادة صياغة البنى الأساسية لمحاربة "الإرهاب الدولي"، وإقرار الأمن الأوروبي. مع التشديد على مطالبة دول البلطيق الثلاث (ليتوانيا، ولاتفيا، وإستونيا) بتحديد حجم القوات والأسلحة التي قد تتواجد على أراضيها. 

وعلى الجانب الآخر من سياسة موازنة العلاقة بين الناتو وروسيا حُدد يوم التاسع من ديسمبر المقبل لعقد أهم اجتماع بين الناتو وروسيا "لمجابهة الإرهاب" في أول مناسبة بهذا المستوى بعد تطور أحداث المسألة الشيشانية بعد عملية مسرح موسكو في نهاية أكتوبر الماضي.

شبكة مصالح متداخلة

وفى المقابل نجحت الدبلوماسية الأمريكية في إرضاء الأنا الروسية، فسافر بوش إلى بوتين في القصر القيصري بمدينة بوشكين التاريخية على مقربة من سان بتريبرج العاصمة الثقافية لروسيا. وبين كلمات الإعجاب بروعة الفن الروسي وبهاء الطبيعة أعرب بوش عن احترامه الكامل للمصالح الاقتصادية الروسية في عراق ما بعد صدام. ولسان حاله أنه إذا كانت المعارضة الروسية سببها 40 مليار دولار قيمة العقود التجارية المستقبلية.. فإن أمريكا ستراعي ذلك في خطط ما بعد ضرب العراق. وهكذا تمضي الدبلوماسية الأمريكية على منهجها الثابت، وهو أنه "لا مانع من دفع الثمن حينما يكون هناك شيء يُشترى".

فالإعراب عن مراعاة المصالح الاقتصادية الروسية في العراق لم يفصح عنه إلا عقب توسيع حلف الأطلسي تجاه روسيا، وكمحاولة لإرضاء التململ الروسي. كما تم التلميح بالترتيب بدفع عراق ما بعد صدام لديونه تجاه روسيا (8 مليارات دولار) كجزء من حل الأزمة الاقتصادية التي ستتعرض لها روسيا -ثاني أكبر مصدر للنفط في العالم بعد السعودية- مع هبوط أسعار البترول باستئناف النفط العراقي للضخ (يتوقع أن يهبط سعر البرميل من 25 إلى 13 دولارا).

دول البلطيق.. بعيدا عن روسيا أفضل

ومن جانبها أعطت الولايات المتحدة وحلفاؤها دول البلطيق الوقت الكافي لتحقيق الاستقرار والأمن قبل إنشاء القواعد في هذه الدول الثلاث التي عاشت منذ الاستقلال عن الاتحاد السوفيتي وحتى منتصف التسعينيات في مشكلات أمنية كادت تعصف باستقلالها؛ حيث سيتم القبول الفعلي لهذه الدول عام 2004. وشكك كثيرون في إمكان تحول هذه الدول إلى دول غربية النمط قادرة على الانضمام إلى الناتو بمتطلباته العسكرية-الأمنية.

أما دول البلطيق فلا ينبع ترحيبها بدعوة الناتو إياها للانضمام إليه إلى الرغبة في الاحتماء من النفوذ الروسي فحسب.. بل إلى الاعتقاد بأن الانضمام إلى الناتو هو خطوة أساسية للانضمام إلى مجتمع غرب أوربا بمنجزاته الاقتصادية، والظهور على الخريطة السياسية للعالم بصورة أفضل. 

أما الميزة الكبرى التي ستحصل عليها هذه الدول بانضمامها إلى حلف الناتو فتعبر عنها رئيسة لاتفيا فاييرا فريبيرجا بقولها: "إن عضوية الناتو ستحقق لنا أن نأوي إلى فراشنا دون أن يكون هاجسنا في الليل قدوم شخص ما يطرق بابنا بعنف، ويلقي بنا عَنوة في قطار ذاهب إلى سيبريا". 

جدير بالذكر أن انضمام دول البلطيق إلى الناتو جاء ليتنفس قادة هذه الدول الصعداء، بعدما تسربت في نهاية التسعينيات أفكار حول احتمال تضحية قيادة الناتو بدول البلطيق لروسيا في سبيل سكوت الأخيرة على توسع الحلف نحو شرق أوروبا. وبالغ بعض الباحثين في دول البلطيق في هذه المخاوف بالقول بأنهم أمام "يالطا جديدة" التي تقاسم فيها الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة وبريطانيا مناطق النفوذ في أوروبا بُعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية. فالبعض لا يخفي في هذه الدول أن انضمامهم إلى الناتو قد لا يكون أكثر من هدنة للقلق؛ ذلك القلق الذي عاشته دول البلطيق لأكثر من قرن من الزمان في تاريخها مع روسيا القيصرية والسوفيتية، وأن ما يمكن أن تنعم به هذه الدول ليس لأكثر من عقدين من الزمان سرعان ما سينتهيان بقلق جديد. 

والمثال التاريخي الذي يستندون إليه حالة الهدنة التي عاشتها هذه الدول فيما بين الحربين والتي انتهت باجتياح السوفيت لأراضيهم من جديد. والسيناريو المحتمل هو اضطراب الأوضاع السياسية في روسيا وحدوث انقلابات عسكرية أو مدنية تطيح ببوتين -صديق الولايات المتحدة والغرب- أو خلفائه. وتكون النتيجة تعالي الأصوات منادية باستعادة "المجال الحيوي" لروسيا.

ويستكمل السيناريو بالتذرع ببعض الأعذار (كالتضييق على المواطنين الروس في هذه الدول)، ثم تجتاح القوات الروسية دول البلطيق مرة أخرى، أو تعمل على مساندة حكومات موالية. ويتوقف نجاح السيناريو المضاد على قدرة الغرب والولايات المتحدة على تحقيق الإغراءات الاقتصادية بمساعدة روسيا وصهرها في المركب الأوروبي.

ولعل هذا يفسر الاعتقاد السائد لدى كثير من سكان الدول الثلاث بأن العلاقة الصحية بين روسيا وأي من دول البلطيق لن تتأتى بعلاقات ثنائية؛ فلا بد من مساندة أوروبية أو أمريكية حتى يقتنع الروس بصياغة علاقة على قدم المساواة. وقد صدق هذا المبدأ في العلاقات الروسية الجورجية؛ فقبل 11 سبتمبر كانت الأوساط الإعلامية لا تمل من الحديث عن انضمام أبخازيا الجورجية إليها، بينما اختلفت اللغة تماما بعد إرسال قوات أمريكية إلى جورجيا، وتراجعت روسيا عن موقفها الذي لوح بضرب الأراضي الجورجية تذرعًا بمساندة جورجيا للشيشان في وقت أعرب فيه المستشارون الأمريكيون في جورجيا عن أن الولايات المتحدة معنية بالحفاظ على وحدة وسلامة الأراضي الجورجية. 

وفى المقابل تراجعت أصوات الوحدويين المطالبين باندماج روسيا وبيلاروسيا بعد تصنيف الولايات المتحدة للأخيرة كدولة ديكتاتورية، وعزلها عن مشروعات الوحدة الأوربية. وفي الوقت نفسه تتهم الولايات المتحدة أوكرانيا -حليف روسيا- بمساندة الإرهاب لبيعها سرا أسلحة للعراق.

وخلاصة القول: إن المطامح الروسية في النهوض الاقتصادي والارتباط بالاقتصاد الأوروبي، والرغبة في تدشين علاقات طيبة بالولايات المتحدة، والحرص الشديد على أن تظل لاعبا رئيسيا في السياسة الدولية، وأن تحترم مصالحها في المنطقة العربية.. كل هذا يحدو بروسيا إلى التنازل عما كانت تسميه بالأمس "الخطوط الحمراء" المحرم تخطيها. والمستفيد الأول هو الدول الثلاث التي عانت لفترات طويلة من وقوعها في مناطق الاصطدام، وتبعات التناحر على خطوط التماس في المناطق العازلة.