روسيا وإيران.. التفاعل النووي في المساحة الرمادية

روسيا وإيران.. التفاعل النووي في المساحة الرمادية

روسيا وإيران .. التفاعل النووي في المساحات الرمادية

بقلم عاطف معتمد
يونيو 2003

 

 

ينتظر الكثيرون بشغف التقرير الذي ستقدمه وكالة الطاقة النووية يوم 16-6-2003 في العاصمة النمساوية "فيينا" عن القدرات النووية الإيرانية، وخاصة في مفاعل "بوشهر" جنوب غرب البلاد، ويخشى كثيرون أن تأتي النتيجة إيجابية عن ذلك السؤال الذي طرحته واشنطن، ومفاده: هل خرقت إيران الاتفاقات الدولية؟

مفاعل بوشهر... خلفية تاريخية

صورة جوية لمفاعل بوشهر


في عام 1974 بدأت ألمانيا (الغربية وقتذاك) إنشاء أول قاعدة لمفاعل نووي إيراني في مدينة "بوشهر" على الساحل الإيراني من الخليج العربي، ووصل العمل إلى درجة متقدمة بلغت 80% من المخطط للتنفيذ في نهاية عقد السبعينيات، إلا أن اضطراب الأحوال الإيرانية خلال قيام الثورة 1978/1979 جمّد المشروع مؤقتًا، بعدما أنفقت إيران نحو 5 مليارات دولار في تجهيز هذا المشروع. وحينما شرعت حكومة الثورة الإيرانية في استئناف المشروع وتجهيزه للعمل، كانت أحداث الحرب الإيرانية العراقية قد عرقلت مساعيها، حيث قصفت القوات العراقية المفاعل ست مرات، مسببة خسائر فادحة في بنيته الأساسية.

وتمكنت إيران من استعادة النشاط في إكمال المفاعل في عام 1995، بتوقيع عقد مع الحكومة الروسية قيمته 800 مليون دولار، للوصول بالمفاعل إلى درجة إنتاج 1000 ميجاوات، أي نحو 18% من الخطة الإيرانية لإنتاج الطاقة النووية بحلول عام 2020، الطامحة لإنتاج 6000 ميجاوات، وعلى أن يلحق بمفاعل "بوشهر" مفاعلات أخرى في أنحاء متفرقة من البلاد، وبالتعاون مع الجانب الروسي أيضا. ووصل العمل في مارس 2003 إلى درجة 70-80% من إكمال العمل بالمفاعل، وهنا صعدت الولايات المتحدة من ضغوطها على إيران وروسيا لوقف تطور المفاعل إلى مستوى التشغيل، وبدأت وكالة الطاقة الذرية في تفقد المشاريع الإيرانية، وكتابة تقارير عنها على مدى الأشهر الماضية.

وتهدف المشروعات الإيرانية من إقامة قواعد لإنتاج الطاقة النووية إلى توفير الاستهلاك النفطي للتصدير، والاستفادة بعوائد النفط مكتملة، تلك العوائد التي تمثل 80% من عائدات التصدير الخارجية، ونحو 40-50% من ميزانية الدولة، وذلك في ظل الحصار الذي تفرضه عليها الولايات المتحدة وضعف الاستثمارات الغربية. وتحتل إيران المركز الثاني على مستوى العالم في احتياطي الغاز، والمركز الثالث في احتياطي النفط (90 بليون برميل)، ويتراوح الإنتاج الإيراني بين (3.5 و 4) ملايين برميل يوميا.

ثوابت التعاون النووي

رغم النقد الشديد الذي توجهه واشنطن لموسكو فإن الأخيرة حريصة على:  

1- التعاون مع إيران دون أن تخرق التزاماتها الدولية بنشر أسلحة الدمار الشامل والاتجار فيها مع إيران. وتدرك موسكو أن الضغوط الأمريكية قد لا تؤدي إلا إلى إزاحة روسيا عن السوق الإيرانية لتحل محلها شركات ألمانية أو فرنسية أو أمريكية. 2- الأهمية الاقتصادية للتعاون النووي مع إيران، وقد تخطت قيمة هذا التعاون المليار دولار، وأنقذ آلاف العمال الروس الذين يعملون داخل إيران، وأنقذ نحو 300 مشروع صناعي في مصانع سان بطرسبرج من التوقف. ويحصل العاملون في القطاعات المغذية للمشروع الذي يمتد لخمس سنوات على رواتب تزيد بأربعة أمثال نظيرتها في هيئات صناعية أخرى، ودفعت هذه المؤسسات ما عليها من ضرائب للحكومة الروسية أعلى بأربع مرات من غيرها. وتبني روسيا أملاً كبيرًا على تطوير التعاون مع إيران في وقت لا يزيد التبادل التجاري بين البلدين عن المليار دولار في العام، بينما يتخطى 3-5 مليارات مع دول أوربية كفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة. 3- أن نشاط الشركات الروسية التي عملت لتطوير القدرات الإيرانية في مجال الطاقة السلمية تم تحت أعين الأمم المتحدة، وأن ما أثير حول وجود برامج عسكرية لم تعلنه وكالة الطاقة النووية بل أعلنته الولايات المتحدة في خضم خصامها مع النظام الإسلامي الإيراني. وأن شركات الطاقة النووية الأمريكية كانت حاضرة بقوة قبل انقلاب النظام الإيراني إثر اشتعال الثورة الإيرانية في 1979. 4- أن الشركات الروسية المختصة بتشغيل مفاعل "بوشهر" الذي يدور حوله الجدل الدائر حاليا خططت لأن يبدأ التشغيل في نهاية ديسمبر 2004 (تصريحات وزير الطاقة النووية الروسي في 5/7/2003)، وأن إجمالي ما يقال بأنه بيع لإيران من معالجات الطرد المركزي المسئولة عن إنتاج الطاقة نوويا لا يزيد عن 500 وحدة، بينما يحتاج المفاعل إلى نحو 300 ألف وحدة لكي يصبح مفاعلا نوويا عسكرياً مكتملاً، وبالتالي فالمفاعل الإيراني في "بوشهر" في مرحلة المهد ولا يمكن أن يعثر به على الأدلة التي "يبحثون" عنها. 5- أن موسكو لا ترى إيران في موقف المتهم، فطهران وقّعت مبكرًا على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية (جاء توقيعها في 1970)، وأن هذا التوقيع يلزمها بأن تفتح أبوابها لتفتيش وكالة الطاقة النووية على منشآتها النووية، وموسكو واثقة من أن "بوشهر" وغيرها من المدن الإيرانية ليس بها ما يخشى الكشف عنه. 
 

مخاوف التعاون النووي
 

1- رغم الاطمئنان الذي تبديه روسيا ظاهريا، فإنها أصبحت في موقف لا تحسد عليه. صحيح أن الاتهامات تجاه إيران سيثبت كذبها، ولكن ذلك سيضع كل تحرك روسي على الأراضي الإيرانية تحت المراقبة. وبعيدًا عن اللجوء إلى الخرائط أو حتى الصور الجوية السرية التي تمتلكها روسيا وإيران عن منطقة المفاعل، قامت واشنطن بالتصوير الفضائي بأحدث تقنية وصل إليها الاستشعار عن بعد وهو التصوير بجودة وضوح 1 بيكسل / 1 متر مربع*  وهو ما يعطيها فرصة مراقبة دائمة للمفاعل. بل ولم يكن سرًا أن تقوم منظمة الأمن العالمية بنشر هذه الصور الدقيقة على موقعها على الإنترنت.  وترى موسكو في هذه الصور "استعراضًا معلوماتيا"، حيث لا تحمل الصور أي إدانة لإيران، وعلى حد قول وزير الطاقة الروسي: ما الذي تعنيه صورة لأسقف بعض البنايات؟!".

2- لا يمكن القول بأن موسكو لا يعنيها وضع البيدق الإيراني تحت طائلة الخطر بعدما اكتسحت واشنطن نظيره العراقي. وقد نبه إلى ذلك عديد من المفكرين الروس والحرب على العراق في أوجها، ورأوا أنه رغم تقدم الخطورة النسبية لكوريا الشمالية بالنسبة إلى الولايات المتحدة، على خطورة إيران، فإن الأخيرة تتمتع بثروة نفطية هائلة وعلى مرمى حجر من نيران القوات الأمريكية المرابطة في العراق. غير أن السؤال الأكثر صعوبة هو: ما هي المساحات التي يمكن أن تتحرك فيها روسيا تجاه إيران لتحمي واحدًا من أضلاع المثلث (الإيراني العراقي السوري) الذي لم يعد مثلثًا بعد سقوط بغداد في 9 أبريل 2003 (واكتفت روسيا بالمشاهدة).

3- تخشى روسيا ألا ينجح خيار المراوغة في تفويت الفرصة على واشنطن والاحتفاظ بالأفضلية في إيران، مع تشكك الكثيرين في نجاح مراهنة موسكو على تغير توجهات الإدارة الأمريكية، ولو بعد فترة انتخابية ثانية لجورج بوش، أو على المراهنة بنجاح طهران بتحسين علاقتها مع الغرب والولايات المتحدة. بل إن كثيرين في روسيا لا يستبعدون أن يحل السيناريو العراقي على الأراضي الإيرانية، والدوافع كثيرة.

4- قد تضطر موسكو إلى اللجوء إلى خيار صعب بقبول مزاحمة أمريكية مع الحليف الإيراني، وذلك بأن تفتح روسيا مشروعات الطاقة النووية أمام "الطامعين" الأمريكيين. وقد روج لهذه الفكرة في نهاية مايو 2003 وزير الطاقة النووية الروسي أليكسندر روميانتسيف حينما اقترح -قبيل زيارة بوش إلى سان بطرسبرج- أن تنضم الشركات الأمريكية إلى نظيرتها الروسية في بناء مفاعلات الطاقة النووية في إيران، قائلا بأنها وسيلة "لتخفيف قلق واشنطن من أن تستعمل طهران المفاعل الروسي لتطوير أسلحة نووية". وجاءت المفاجأة بأن صرح وزير الخارجية الإيراني كمال خرازي -ردًّا على الاقتراح الروسي- بأن طهران موافقة، على أن يساهم الأمريكيون في برنامجها النووي، "لكن واشنطن لا ترغب بذلك". وكانت واشنطن قد أعلنت أن "أي تعاون من هذا النوع لن ينظر فيه إلا بعد أن تطبق طهران ضمانات أقوى أوصت بها الوكالة الدولية للطاقة الذرية"!


 

الميوعة الرمادية

من الخطأ -كما يقول بعض المفكرين الروس- أن ننتظر نتيجة قاطعة من الموقف الروسي تجاه القضية الإيرانية، فليس من الصحيح أن ننتظر "أبيض أو أسود"؛ لأن اللون الرمادي سيكون سيد الموقف، فلا يجب أن نعالج الأمر من منظور "هزيمة ونصر، تقدم وانحسار". والسبب -في رأي ثلاثة من كتاب صحيفة "إزفيستيا" الروسية- أنه رغم إيماننا بأنه من الغباء أن تمط روسيا شفتيها إزاء نصيحة بوش لبوتين بأن يتوخى الحذر تجاه تعاونه مع إيران، فإنه ليس من مصلحة روسيا تمامًا ظهور قوة إسلامية نووية على تخومها الجنوبية، وعلى طول خطوط التماس مع منطقة تعد الأكثر اشتعالا وتهديدا للأمن القومي الروسي، وهي منطقة القوقاز وآسيا الوسطى (إزفيسيتا 4/7/2003).

ومن خلال متابعتنا للموقف الروسي تجاه قضايا عربية وإسلامية، يبدو أن منهج "اللون الرمادي" هو الأكثر تفضيلاً لروسيا منذ تفكك الاتحاد السوفيتي. والدلائل على ذلك كثيرة على رأسها الموقف من قضية فلسطين، والموقف من الحرب على العراق، ومؤخرا الموقف من التعاون النووي مع سوريا.

فقد شهد شهر يناير 2003 تسريب معلومات مفادها احتمال تحضير روسيا لعقود بناء محطتين نوويتين في سوريا: واحدة لإنتاج الطاقة الكهربائية، والثانية لتحلية مياه البحر. وقامت الدنيا في إسرائيل وقتها ولم تقعد إلى أن توجه نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي -ناتان شارانسكي- إلى موسكو، وهناك تلقى تأكيدات من وزير الخارجية أيجور إيفانوف نشرتها وسائل الإعلام الروسية بأن روسيا ليس لديها النية لإقامة منشآت نووية في سوريا. وكانت نفس هذه الوسائل قد نشرت تصريحات شارانسكي قبيل لقائه بإيفانوف، والتي أعرب فيها عن دهشته حيال عزم روسيا تقديم مثل هذا الدعم إلى دولة مثل سوريا التي "تمثل تهديدًا للأمن في منطقة الشرق الأوسط بما تحتضنه على أراضيها من منظمات إرهابية تهدد المنطقة المتوترة في الأساس!". وجاء نفي وزير الخارجية الروسية رغم أن الذي أعلن عن عزم روسيا التعاون مع سوريا في مجال المحطات النووية هو وزارة الطاقة الروسية نفسها!

زد على ذلك التخبط والتردد من قبل مسئولين رفيعي المستوى. ويصعب على الكثيرين إيجاد تفسير للتضارب في تصريح وزير الطاقة الذرية الروسي الذي أعرب في 23-4-2003 (في تصريح لوكالة "إيتار تاس") عن قلقه من نشاطات إيران النووية الجديدة، مبديًا خشيته من أن تتمكن طهران من امتلاك أسلحة نووية بمساعدة أجهزة أمريكية لتخصيب اليورانيوم، بناء على ما روجت له الصحافة الأمريكية التي علق عليها بقوله: "إذا كانت معلومات وسائل الإعلام صحيحة فإن الوضع يدعو إلى القلق"! ويعود نفس المسئول بعد شهر ويعلن في 27-5-2003 أن موسكو لا ترى أي سبب في الوقت الحالي يدعو لإعادة النظر في دورها فيما يتعلق ببناء أول مفاعل نووي إيراني.

وليس بعيدا هذا التضارب الذي حمله كلمة الرئيس بوتين نفسه في 3-6-2003 أمام قمة مجموعة الثماني الصناعية من أن بلاده "ستواصل تعاونها النووي مع إيران، مع ضرورة أن يخضع البرنامج النووي الإيراني لرقابة دولية، وأن بلاده ستقطع صور التعاون كافة إذا رفضت إيران فتح بلادها للمراقبة الدولية".

وهذا الأسلوب هو جزء من دبلوماسية روسيا في معالجة القضايا الساخنة في عالم اليوم، فهي من زاوية، مهمومة بمصالحها القومية في مناطق شتى، ولكنها من ناحية أخرى، مشدودة من قبل الولايات المتحدة إلى لعبة سياسية كبرى، على رأسها مكافحة الإرهاب، وبناء نظام عالمي متعدد الأقطاب، وفتح أسواق للمنتجات الروسية في أوربا وأمريكا وبناء الثقة بروسيا المعاصرة أمام الاستثمارات الغربية، ووعود بمساعدة الاقتصاد المهتز، ومحاربة الفساد الداخلي، وإقامة دولة ديمقراطية معترف بها.. وغيرها من المشكلات التي لا يمكن فصل الصورة الإيرانية عنها.

أما وجهة النظر التي تقول بأن إيران ليست كالعراق، وأن روسيا لن تتخلى عنها، فهي تعول على أن موسكو صاحبة "مبادرة" في العلاقات الدولية لعالم اليوم، وليس هذا صحيحًا في كل الأحوال. فأغلب الظن أن روسيا حائرة بمثل الحيرة الإيرانية، وأنها إذا ما ضمنت "تسويات" تحقق مصالحها فلن تستمر حيرتها طويلاً، ولا يعني هذا أنها ستنتقل من النقيض إلى النقيض بل ستقف مرة أخرى في المنطقة الوسطى بين الأسود والأبيض.