الموجات الثورية

الموجات الثورية

الموجات الثورية في محطتها العربية 

 

بقلم: جرايم هيرد
ترجمة: أسامة صالح
مراجعة وتحرير: عاطف معتمد


 

 من تونس إلى مصر وصولا إلى اليمن وليبيا والبحرين والأردن وسوريا، موجات متلاطمة من الهبات الشعبية والانتفاضات الجماهيرية التي تغزو العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه، تطالب بالحرية المفقودة وتبحث عن الديمقراطية الموعودة. حركات أدهشت العالم أجمع وجعلته ينظر بعيون جديدة إلى المنطقة وشعوبها. ترى كيف ينظر الغرب إلى هذه الأحداث، ما هي الأطر النظرية التي يحاول من خلالها تفسير ما يحدث، ما هي طبيعة التحليلات التي تطرح من أجل فهم الأحداث السريعة والمتلاحقة في المنطقة؟ في هذه المقالة سوف نعرض أولا لمفهوم الموجات الثورية، ثم نرصد بعدها لأهم الأفكار التي يطرحها الباحثون الغربيون فيما يتعلق بثورة العالم العربي على أنظمته الدكتاتورية في عام 2011.

الموجات الثورية

يعود الفضل إلى عالم السياسة الأمريكي الأشهر صامويل هنتنجتون في صك مفهوم الموجات الديمقراطية. فقد طرح هنتنجتون الفكرة في كتابه الشهير "الموجة الثالثة: التحول الديمقراطي في نهايات القرن العشرين" في عام 1991، وفيه ذهب إلى أن العالم قد عرف ثلاث موجات من الديمقراطية تخللتها موجات أخرى معاكسة من الديكتاتورية. فترى كيف عرّف هنتنجتون المفهوم؟

يرى هنتجتون أن مصطلح "الموجة الديمقراطية" يعبر عن مجموعة من التحولات من الأنظمة الاستبدادية  إلى أخرى ديمقراطية تحدث خلال فترة زمنية محددة بحيث تفوق في عددها بشكل ملحوظ التحولات في الاتجاه المعاكس في نفس الفترة الزمنية. يدخل أيضا في تعريف الموجة حدوث بعض التحولات الليبرالية أو التحول الديمقراطي الجزئي في النظم التي لا تتحول بكليتها إلى الديمقراطية.

وطبقا لهنتنجتون فقد شهد العالم الحديث ثلاث موجات من التحول الديمقراطي، وقد أثرت كل موجة على عدد قليل نسبيا من الدول، وخلال كل موجة أيضا حدثت بعض التحولات في الاتجاه السلطوي. وبالإضافة لذلك، فلم تحدث كافة التحولات الديمقراطية أثناء الموجات، ذلك لأن التاريخ مليء بالفوضى، كما أن التغيرات السياسية لا يمكن وضعها في صناديق تاريخية أنيقة على حد تعبير هنتنجتون. التاريخ أيضا لا يتسم بالأحادية في التوجه، فكل من الموجتين الأوليين من التحول الديمقراطي قد تبعتها موجة عكسية شهدت ارتدادا إلى السلطوية في بعض الدول التي صنعت من قبل تحولا إيجابيا نحو الديمقراطية.

إن محاولة تحديد متى سيبدأ التحول في بلد ما هو أمر اعتباطي، تماما كمحاولة تحديد أزمنة حدوث الموجات الديمقراطية والموجات العكسية، وبالرغم من هذا فإن تلك المحاولات قد تكون مفيدة من أجل البحث والتحليل والدراسة. وطبقا لهنتنجتون فإن الموجات التي شهدها العالم يمكن تحديدها كالتالي:

الموجة الطويلة الأولى 1828-1926

يمكن تتبع جذور الموجة الأولى إلى الثورتين الأمريكية والفرنسية. وقد حدد أحد الباحثين معيارين كبيرين للحكم على أنظمة القرن التاسع عشر بأنها حققت الحد الأدنى المطلوب من الشروط الذي يؤهلها لوصف الديمقراطية فكانا: 1)  حصول 50% من الذكور البالغين على الحق في التصويت ، 2) وجود سلطة تنفيذية مسئولة بحيث إما تحصل على دعم الأغلبية في برلمان منتخب أو يتم اختيارها في انتخابات شعبية دورية. وبتبني هذه المعايير وتطبيقها بشكل غير صارم، يمكن القول إن الولايات المتحدة بدأت الموجة الأولى من التحول نحو الديمقراطية في عام 1828 تقريبا. فقد أدى إلغاء شرط الملكية في الولايات القديمة وانضمام ولايات جديدة إلى الاتحاد تعطي حق التصويت لكافة المواطنين الذكور بلا تمييز إلى زيادة نسبة المصوتين البيض في الانتخابات الرئاسية لعام 1828 إلى مايزيد عن حد الخمسين بالمائة المفترض. وخلال العقود التالية عملت دول أخرى على توسعة الحق في التصويت، وأدخلت نظام الاقتراع السري، وأسست نظاما يعتمد مسئولية رؤساء الوزارات ومجالسها أمام البرلمانات. وقد أحدثت كل من سويسرا، المستعمرات الإنجليزية المحيطية، فرنسا، بريطانيا العظمى، والعديد من الدول الأوربية الصغرى تحولات نحو الديمقراطية قبل انتهاء القرن التاسع عشر أيضا. وقبيل الحرب العالمية الأولى بقليل أسست إيطاليا والأرجنتين أنظمة ديمقراطية بشكل من الأشكال، وعقب الحرب تحولت أيرلندا وأيسلندا إلى الديمقراطية. وفي أوائل العقد الرابع من القرن العشرين، أي بعيد انتهاء الموجة الأولى من الديمقراطية بالفعل، انضمت كل من شيلي وإسبانيا إلى الصف الديمقراطي. وإجمالا، ففي خلال مائة عام أنشأت حوالي الثلاثين دولة حدا أدنى من المؤسسات الديمقراطية القومية.

نشر هذا المقال أول مرة في مجلة الترجمان عام 2011 ، ولقراءة المقال كاملا يمكنكم تحميل الملف PDF أعلاه