إسلامو روسيا .. بين الحوار والرفض المتبادل

إسلامو روسيا .. بين الحوار والرفض المتبادل

إسلامو روسيا .. بين الحوار والرفض المتبادل

بقلم عاطف معتمد

فبراير 2003


"أيها المسلمون في روسيا.. أيها التتر على شواطئ الفولجا وفي القرم.. أيها القرغيز والسارتيون في سيبيريا والتركستان.. أيها التتر والأتراك في القوقاز.. أنتم يا من انتهكت حرمات مساجدكم وقبوركم واعتُدي على عقائدكم وعاداتكم، وداس القياصرة الطغاة الروس على مقدساتكم.. ستكون حرية عقائدكم وثقافاتكم مكفولة منذ اليوم، لا يطغى عليها طاغٍ، ولا يعتدي عليها معتدٍ.. هبوا إذن فابنوا حياتكم القومية كيف شئتم؛ فحقوقكم تحميها الثورة بكل ما أوتيت من عزم وقوة". كانت هذه كلمات فلاديمير لينين في 7 ديسمبر 1917 وهو يقود الثورة الشيوعية في روسيا، مخفياً ما في نية ثورته لسحق مبادئ الدين الإسلامي.

نستطيع أن نتخذ من هذه المقدمة نقطة البدء في فهم موقف الشعوب الإسلامية تجاه "إمكانية" قيام حوار إسلامي- روسي. فالتاريخ يحاصر هذا الحوار من كل جهة، وانعدام الثقة هو الهاجس الدائم المخيم على الحقب التاريخية الثلاث: القيصرية-السوفيتية-الفيدرالية؛ والذاكرة المتخمة بالمآسي هي القاسم المشترك لدى شعوب روسيا الإسلامية باختلاف قومياتها.

ومع هذا.. يأمل المسلمون في روسيا أن يجدوا ضوءاً في نهاية نفق الصدام والرفض المتبادل حاليًّا. وربما يكون بناء جسر للحوار رهين التسوية السياسية للنزاعات الإقليمية -كالمشكلة الشيشانية- أو تفعيل القوانين الفيدرالية وبلوغ حكم ذاتي حقيقي يسمح بتنمية الهوية الحضارية، أو على الأقل تخفيف حدة التناقض بين مناطق المركز والأطراف في الخدمات والتنمية؛ أو ربما يحمل النمو الاقتصادي حلا لما فشلت فيه السياسة، أو قد تكون الديموقراطية مخرجاً. وهذه الاحتمالات– على بساطة طرحها- أصعب ما تكون، ولفترة قد لا تقل عن ثلاثة إلى أربعة عقود (يرى البعض أن روسيا في حاجة إلى سبعة عقود أخرى- كعقود الستار الحديدي الفائتة- حتى تصح عافيتها).

 

أسبقية الاتهام

بصورة أو بأخرى، يتم تفسير ظاهرة الإسلام السياسي في روسيا كرد فعل لتراخي القبضة المركزية، والادعاء بأن سياسة جورباتشوف قد سمحت بالجهر بأفكار راديكالية بتقسيم روسيا إلى "دار حرب، ودار إسلام" والمقارنة بين "حكم الطاغوت وحكم الله".

وأغلب الظن أن هذه الأفكار انتشرت بالنقل شفاهة في الخطب والتجمعات أكثر منها في صورة مكتوبة أو في مراجعات فكرية؛ إذ لم يكن الوقت كافيًا لمثل هذه الخطوة النوعية. والادعاء بانتشار ترجمة روسية لكتب المفكرين المحدثين من ذوي النظرة الأصولية كأبي الأعلى المودودي، وحسن البنا، وسيد قطب - ادعاءٌ لا توجد دلائل تدمغه؛ والأقرب أنها انتقلت في صورة مختزلة ومقتضبة. وما ترجم منها كان محلي التوزيع.. وفي أجزاء من الجمهوريات الإسلامية.

وعلى محور متوازٍ تم تفسير الرجوع إلى الإسلام في روسيا بالأحداث الإقليمية، واعتبار أن مشروع "الإسلام السياسي" هو هروب من الفشل الذي مني به في موطنه في العالم الإسلامي (الصراع في أفغانستان، إفلاس المشروع القومي العربي وهزيمة 67 والتطبيع مع إسرائيل، مشكلة فلسطين) الأمر الذي ساعد -حسب هذا الترويج- على تسلل الأفكار الراديكالية إلى المناطق الإسلامية في روسيا.

ورغم ما في هذه الادعاءات من حقائق "جزئية" فإن فيها تجاهلاً سافراً لرغبة حقيقية من قبل سكان روسيا المسلمين في العودة إلى دين حرموا منه لعقود طويلة، وتعليق الأمل على إمكاناته في تنسيق الحياة بين سكان يعانون انهيار النظم الاجتماعية وانتحار الأيديولوجيات الفكرية، ناهيك عن الأزمة الاقتصادية المربكة وتغلغل أفكار رأسمالية مشبوهة (ما يعرف في روسيا حاليًّا باسم رأسمالية المافيا والعصابات).

وحينما تمخضت هذه الظروف عن انتشار للبطالة -خاصة بين قطاعات الشباب- تصور بعض المحللين الروس أن حالة البطالة قد دفعت شباب المسلمين إلى الانخراط في التجمعات الدينية و"المدارس الإسلامية" ذات التوجه الأصولي. ومرجعهم في ذلك أن هذه الحالة نفسها قد دفعت قطاعاً معتبراً من الشباب الروسي إلى الإدمان والارتماء في أفكار متطرفة فاشية وإباحية جنسية ولا انتمائية.

وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن مفاهيم العدل والمساواة والإخاء التي يعتمد عليها مشروع "الصحوة" الإسلامية في روسيا تلقى نقداً لاذعًا من قبل بعض المفكرين، كالمستشرقين وعلماء الاجتماع والفلسفة الذين يرون في هذه المفاهيم "أساطير" تسعى لأسلمة روسيا، وتحاول أن تجد فيها بيئة جديدة لتطبيق خادع لأوهام العدل والمساواة والإخاء والتآلف التي ما شهدتها أبداً الدولة الإسلامية ذاتها.

وعلى المسار نفسه يتم "انتقاء" لحظات معينة في تاريخ الخلاف على الحكم الإسلامي وتضخيمها على أنها القاعدة الثابتة للتناحر وسفك الدماء، وأن خطاب "السلام والمحبة" لدى جماعات الإسلام السياسي هو محض ادعاء. والمثال الدائم في هذا الاستشهاد هو: عهد الفتن التي لطخت تاريخ الحكم الإسلامي في العهد الأموي، وما أصاب أهل بيت النبي -صلى الله عليه وسلم- من أذى.

 

نهضة صورية أم حقيقية؟

وليس أمراً صحياً أن نضع "كل" الآخر في سلة واحدة، فلدى البعض في روسيا قناعة بإمكانية بناء جسر من الحوار، وفي رأيهم أن الحركات الإسلامية ليست بالضرورة ماضية إلى الصعود. فلدى هؤلاء أن كل ما حدث هو أن هذه الحركات -الوافدة من خارج روسيا- لم تصدق نفسها حيال حالة التفسخ التي عاشتها روسيا في عقد التسعينيات من القرن العشرين، فطفقت تظهر نفسها كلاعب أيدلوجي على الساحة السياسية والاجتماعية، وسرعان ما ستهرب هذه الحركات – يؤكد هؤلاء- تحت الأرض ثانية مع تماسك حقيقي للدولة الروسية.

وفى هذا النهر تصب روافد من أفكار بعض المحللين الروس الذين يشككون في الأساس بوجود عودة حقيقة للاهتمام بالعقيدة الإسلامية لدى "الأغلبية"، ويقللون من شرعية قياس الوضع المغالى فيه لما يسمى "الأصولية الإسلامية" في بعض الدول الإسلامية الراديكالية، وإسقاطه على المشروع الإسلامي الروسي. فتحليل الوضع الواقعي -كما يقول هؤلاء- يشير إلى أن النهضة الدينية تحمل في الأساس صفة شكلية واسمية، وما الانتعاشة الدينية إلا نتيجة اشتياق محموم إلى تغيير الأسلوب العلماني المادي في إدارة الحياة اليومية لمسلمي روسيا بعد سقوطهم في حبائل البلاغة الدعائية للخطاب الإسلامي.

وعلى الجانب الآخر، يرى من يصنفون في روسيا على أنهم معتدلون أنه "إذا لم نستطع قبول "الآخر" الممثل في الحضارة الإسلامية الكامنة في وعي نسبة معتبرة من سكان روسيا، فلا بد أن نتوقع انتهاء روسيا العظمى". فالإسلام ليس بظاهرة جامدة أو متجمدة، فهو يتغير متأقلماً مع متطلبات العصر وظروفه، وسيستطيع أن يعدل من نفسه حسب مقتضيات المرحلة.

وفى هذا الصدد، أشار رئيس الوزراء الروسي السابق "سيرجديه كيرينكا" في حديث صحفي في عام 2000 إلى أن علاج مشكلات الأقليات الإسلامية في روسيا لا يتأتى إلا بمنحها مزيدا من الحريات تفوت الفرصة على ظهور الجماعات المتطرفة. فكلما اختنق هؤلاء بحثوا عن وسيلة لتفريغ هذا الخناق، ولو  بالعنف.

 

دعم مسلمي روسيا.. عود على بدء

العقبات التي تقابل مشروع التغلغل الاجتماعي لما يسمى "الإسلام السياسي" في روسيا تفوق صعوبة نظيرتها في العالم الإسلامي ذاته. فمن الوهم الحديث عن وجود فرصة تطرح فيها الكوادر الإسلامية في روسيا مشروعها النهضوي السلمي. فالنوافذ جلها مغلقة. فليست هناك صحيفة تبسط مشروعهم الفكري، ولا قناة تليفزيون توزع أفكارهم، بل ليست هناك كوادر كاريزمية تبعث على الإعجاب أو حتى تكون مثارا للجدل. ويكفي أن نشير هنا إلى شخصية يهودية واحدة، مثل "بوريس بيروزفسكي" الذي مكنته قوته المالية من امتلاك عدة قنوات تليفزيونية، سخرها لخدمة أغراضه السياسية، ووصل بنفوذه إلى مرتبة رفيعة في الحكومة الروسية، حينما شغل منصب الأمين العام لمجلس الأمن القومي الروسي في منتصف التسعينيات من القرن الماضي.

ولعل هذا يعد أخطر نقطة في عملية طرح الذات، وقبولها على مسرح المجتمع الروسي بتعدد ألوانه الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. ففي تقديري أنه يجب ألا يستمر خطابنا -حول واقع الأقليات الإسلامية- ينادي بضرورة منح السلطات الروسية تسهيلات فحسب، بل لا بد أن نلتفت إلى بدائل أخرى. فإلى أن تصبح روسيا دولة ديموقراطية تسمح للأقليات بالتعبير عن نفسها، لا بد أن نبحث مع مسلمي روسيا عن خطوات لبدء عمليات بناء قاعدة لمشروع النهضة.

وفي هذا الصدد، يبدو لي جديراً بالإشارة الاستعانة ببعض القنوات الفضائية في تقديم المعونة. وكما نجحت إذاعة "صوت الإسلام" في توصيل صوت القرآن الكريم إلى مسلمي روسيا وآسيا الوسطى من قبل فليس أقل من أن تقتطع ساعات فضائية على قنوات إسلامية وعربية قائمة بالفعل أو على غيرها من المشاريع المستقبلية لتوجيه برامج دينية ودعم ديني وروحي إلى الشعوب الإسلامية في روسيا وآسيا الوسطى. وليس التمويل بمشكلة كبيرة؛ فهذه المنطقة سوق مفتوحة تتنافس القوى الاقتصادية للوصول إليها. وهو ما يعني إمكانية العثور على "رعاة رسميين"، ولو من شركات عالمية لدعم البث الفضائي. ولعل توجه رأس المال العربي إلى موسكو وسان بترسبرج للبحث عن مجال للاستثمار السياحي في مطلع شهر يناير 2003 بمثابة استدراك لفرصة التعاون مع منطقة غائبة عنا اقتصاديًّا وثقافيًّا ودينيًّا.

وكما تخصصت بعض القنوات العربية في تقديم برامجها بالفرنسية والإنجليزية -بل وبالعبرية- لا يبدو مستحيلاً تخصيص ساعتين إلى ثلاث ساعات يوميا للدخول إلى تلك المنطقة؛ وقد لا يزيد الأمر في البداية عن تقديم ترجمة بالروسية للبرامج للموضوعات الدينية والثقافية والسياسية، إلى أن يتم إعداد فريق من هؤلاء المسلمين أنفسهم ينطقون بلغتهم، ويفكرون بعقول إخوانهم لخدمة مشروع النهضة الإسلامية في هذه المناطق.

ولا يعني هذا الاكتفاء بالزكاة "الفكرية" على الشعوب الإسلامية في روسيا وآسيا الوسطى. فهذا مجرد غيض من فيض، تستوجبه ضرورات ما قدموه من قبل لخدمة الإسلام من أمهات كتب ونوابغ أفكار ما زال إسلامنا المعاصر يعتمد عليها وكأنها كتبت بالأمس. ولعلنا بهذا نعطي الفرصة مرة أخرى لكي يبزغ من هذه الشعوب الإسلامية علماء مبدعون جدد أحفاد للبخاري والترمذي والنسائي والزمخشري والنسفي والجرجاني والتفتازانى، والفارابي وابن سينا والبلخي والبيروني والسرخسي والجوهري وغيرهم كثير.