موسكو والرياض.. ما بعد إذابة الجليد!

موسكو والرياض.. ما بعد إذابة الجليد!

موسكو والرياض .. ما بعد إذابة الجليد!

بقلم عاطف معتمد
مايو 2003

 

 

استقبلت موسكو يوم الخميس 8-5-2003 الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي السابق في سلسلة من الزيارات التي يقوم بها مسئولون سعوديون رفيعو المستوى على مدى العامين الماضيين؛ وستتوج بزيارة مرتقبة لولي العهد السعودي الأمير عبد الله في الصيف القادم. وقد يرى بعض المتابعين في هذا التوجه رغبة سعودية في تنويع العلاقات، وعدم الدوران حول القطب الأمريكي في السنوات الأخيرة. 


سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي السابق

ويرى هؤلاء أن هذا التوجه يأتي في ظل شعور الرياض ببرودة ملموسة في العلاقات السعودية الأمريكية التي تثار حول حقيقتها الكثير من الرؤى والآراء المتناقضة، خاصة في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر. وربما كان قرار نقل القوات الأمريكية من قاعدة الأمير سلطان الجوية إلى قطر في أواخر الشهر الماضي، قد فُسر تفسيرات متناقضة على المستوى المحلي والدولي بين رؤية ترى في الأمر انتصارًا لإرادة الحكومة السعودية في إسكات النقد الداخلي باستضافة القوات "الأمريكية" على أراضي المملكة "المقدسة"، ورؤية أخرى ترى أن القوات الأمريكية خرجت لكي تضرب.. فالضرب لا يصلح من الداخل!

وتاريخيا لا تنسى الرياض أن الاتحاد السوفيتي هو أول دولة في العالم اعترفت بالمملكة السعودية في 6 فبراير 1926، تبعها قيام الملك فيصل (الأمير فيصل آنذاك) بزيارة تاريخية للاتحاد السوفيتي عام 1932، وكان لهذه الزيارة شأن كبير في مد جسور التعاون قبل أن تتبلور سياسة الاتحاد السوفيتي الشيوعية، وقبل أن يجد التعاون الأمريكي السعودي هدفه المشترك في معاداة الخطر الشيوعي في العالم العربي والإسلامي. كما أن الرياض تنظر إلى الدور الذي لعبه الاتحاد السوفيتي تجاه تسليح الجيوش العربية لمجابهة إسرائيل بعين الرضا، وحتى في العقد الأخير فإن الموقف المهتز لروسيا تجاه القضية الفلسطينية يراه كثير من المثقفين السعوديين موقفا محايدا على الأقل.

وليس صحيحًا أن الانفتاح السعودي على روسيا هو وليد مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في منتصف التسعينيات. فقبل ذلك بعشر سنوات، وجدت جهود الدعم السعودية لمسلمي الاتحاد السوفيتي طريقًا عبر نافذة رابطة العالم الإسلامي التي استقبلتها سياسة جورباتشوف في عام 1985 وسمحت لها بدعم مسلمي السوفيت روحيًّا (وماديا إن أمكن). وقامت الرابطة- وعلى رأسها المسئولون السعوديون- برحلات مكوكية عبر أراضي الاتحاد السوفيتي الشاسعة؛ ولم تعد بأكثر من تأكيد الصورة الذهنية المتخمة عن سوء الأحوال الدينية والاجتماعية لمسلمي الاتحاد السوفيتي، واكتشاف عدم فاعلية البث الإذاعي السعودي من جدة لمسلمي الاتحاد السوفيتي (كان يبث لمدة ساعة واحدة يوميا). وكانت أهم الخطوات التي دعمتها رابطة العالم الإسلامي تقديم الفرص الدراسية لطلاب الاتحاد السوفيتي المسلمين للدراسة في الجامعات والمعاهد السعودية، وتقديم الدعم السعودي لبناء المساجد، وتوزيع المطبوعات الإسلامية، وتقديم مليون نسخة من القرآن الكريم.


السعودية وروسيا.. نحو إذابة الجليد

على طريق تحسين العلاقات بين البلدين تقف بعض العقبات أهمها:

  1.اكتشاف الرياض مؤخرًا أن روسيا أصبحت أفضل حالا مما سبق في التعامل مع الدين الإسلامي: 

وربما كان ذلك سببا -دون قصد- في وقوع السعودية -ومعها عديد من الدول العربية- في شرك التناقض مع الذات، حينما تركت الدول الإسلامية حديثة الاستقلال تقف في مفترق الطرق، تائهة دون عون  فعلي من العالم العربي، باستثناء بعض المراكز التعليمية أو صناديق التعاون محدودة الفاعلية. ومن جانبها، يبدو أن روسيا شعرت بارتياح من خروج السعودية من حلبة منافستها في التأثير على هذه الدول التابعة لموسكو عسكريا واقتصاديًّا بعدما كان متوقعًا أن تحدث ثورة في اتصال خمس دول إسلامية بالعالم العربي (أوزبكستان، قرغيزيا، طاجيكستان، تركمنستان، وأذربيجان). وساهم في ذلك بقاء عديد من الوجوه الشيوعية القديمة في سدة الحكم بدول آسيا الوسطى، والذين كانوا يلتقون في النهار المسئولين السعوديين، وفى المساء المسئولين الإسرائيليين.

2.رغم محاولات الاقتراب فلم تنتقل مرحلة "الفهم" إلى مرحلة مد اليد للتعاون. 

وبصورة تشبه الحوار مع الذات، يعلق رئيس تحرير مجلة "المعرفة" السعودية الذي له اتصال بالواقع الروسي بالقول: "إذا ما قارنا الجهدين العربي والإسرائيلي لكسب الأرض الروسية كحليف سياسي واقتصادي وثقافي، نجد  السفارة الإسرائيلية في موسكو تضم طاقمًا متكاملاً من الدبلوماسيين والمستشارين والخبراء والقائمين على ملحقاتها المتنوعة، بينما تفتقر معظم السفارات العربية في موسكو إلى توفر ملحق تجاري أو ملحق إعلامي أو ملحق ثقافي تعليمي، بل ويفتقر بعضها إلى كل هذه الملحقيات دفعة واحدة! وفي حين توجد على الأقل 9 مواقع يهودية على شبكة الإنترنت، تقدم باللغة الروسية عرضًا مزيفًا للحق اليهودي في فلسطين، والعلاقات اليهودية الروسية المتبادلة وسبل تطويرها ودعمها، فإنه لا يوجد موقع عربي واحد على الإنترنت الروسية تكلم عن القضية الفلسطينية بالصورة الحقيقية، وعن العلاقات العربية- الروسية تاريخيًّا وحضاريًّا".

ولعل هذا الأسلوب من عتاب الذات لا يقدم مبررات بقدر ما يرصد حالة. فالجالية اليهودية في روسيا أقدم تاريخا من الجالية العربية (وبالقطع أكثر عددا)؛ كما أن بإسرائيل الآن مليون يهودي روسي ولا يوجد عشر هذا العدد في العالم العربي. وربما يؤدي ذلك الطرح -على جدارة ما يسجله- إلى  الإصابة بالإحباط أكثر ما يقدم حلا. فلا بد أن تحدد السعودية -وغيرها من الدول العربية- ما الذي تريده من روسيا. كما يجدر أخذ رؤية الطرف الآخر في الحسبان؛ فالروس لا ينسون تلون علاقة العرب معهم في كثير من الفترات؛ ومعاداتهم لهم في فترات أخرى.

3.مشاجرات على المستوى الإعلامي: 

فالإعلام الروسي شن خلال الحرب الشيشانية الأولى (1994-1996) والثانية (1999-2001) حربًا معلنة على الأيديولوجية السعودية؛ بل إن بعض الصحف والمفكرين الروس لم يتورعوا -وأمامهم نموذج بن لادن وخطاب السعوديين- عن اتهام السعودية بالأصولية وتصنيفها كمصدرة  للإرهاب الذي تجسد على الأراضي الجنوبية لروسيا (في الشيشان وداغستان)؛ مؤديًا إلى انفجار الأفكار الوهابية على الأراضي الروسية. بل وكان الأمر قد وصل ببعض الكتاب في نهاية التسعينيات باتهام السفارة السعودية في موسكو بأنها مركز لدعم "المتطرفين" الإسلاميين في روسيا. ومن جانبه، لم يرد الإعلام السعودي بالمثل؛ ربما لعدم المتابعة، أو قلة في الترجمة، أو تكريس للمنهج الثابت في ذلك الإعلام بتجنب الإثارة إلى أقصى حد.

 4.هناك صورة ذهنية مشوهة لدى الشعبين عن بعضهما البعض: 

فروسيا لدى السعوديين ليست أكثر من دولة نووية لا تقدر على أن تفعل شيئا أمام الهيمنة الأمريكية، وتسودها الأفكار الملحدة المعادية للإسلام والهادفة إلى قتل المسلمين، وتشرديهم وتغرق تحت نفوذ المافيا والفساد. ولدى الروس، يبدو السعودي رجلا غارقا في عالم "الحريم"، وتلال الدولارات، وتداخل "موزايك" حياة الإبل والسيارات الفارهة في دولة لا تفعل شيئا سوى أن تستهلك عوائد نفطها.

5.التشكك الروسي في المنهج السياسي السعودي: 

وذلك لارتباطه بعلاقة إستراتيجية مع واشنطن؛ وقفل الأبواب السعودية أمام شركات النفط الروسية رغم سمعتها المشهود بها عالميًّا؛ واحتكار واشنطن لتسليح السعودية.

6.التنافس بين البلدين في إنتاج النفط: 

فالسعودية أبرز أعضاء أوبك، وروسيا أبرز الدول المنتجة للنفط خارج أوبك. وتتهم السعودية روسيا بإغراق السوق.. من ذلك ما نشرته بعض مراكز الأبحاث الأمريكية من أن روسيا (وهي أكبر دولة منتجة خارج الأوبك) قامت في مطلع 2002 برفع إنتاجها من النفط بنصف  مليون برميل يوميا؛ وهو ما اضطر السعودية وبعضا من دول الأوبك لخفض إنتاجها بمقدار 3.5 ملايين برميل يوميا لمواجهة تدني الأسعار. وبينما ترى السعودية أن 28 دولارًا للبرميل سعراً مناسباً للاقتصاد السعودي يرى بعض من المحللين الاقتصاديين الروس أن سعر 22 دولارًا للبرميل ليس سيئا بالنسبة لموسكو. ويعتقد أن روسيا وأصدقاءها القدامى في بحر قزوين قادرون بزيادة إنتاجهم النفطي على تكبيد السعودية والكويت خسائر فادحة في الاقتصاد. وتسعى الدولتان لوقف اللعبة الخفية بينهما حول ضخ روسيا المتزايد للنفط واضطرار أوبك إلى تقليص الإنتاج؛ والذي يضر في النهاية بالسعودية ولا يحقق لروسيا سوى مكاسب مرحلية. بينما تتهم روسيا السعودية باحتكار سوق الاستهلاك الأمريكي بمنح واشنطن أفضلية في الشراء ببيعها برميل النفط أقل بدولار عما يباع في السوق؛ وهو ما يوفر لواشنطن سنويًا 650 مليون دولار.


آفاق  التقارب الروسي - السعودي

تتمحور صور التقارب بين الدولتين في السنوات الأخيرة على المجالات التالية:

1.القضية الفلسطينية ومستقبل خارطة الطريق:

انتقلت السعودية إلى مكانة متقدمة -كلاعب رئيسي في أعين الدبلوماسية الروسية- بعد الإعلان عن المبادرة السعودية لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي. وتسعى السعودية لأن تحافظ على ريادتها في هذه المبادرة؛ ومن ثم فإن مشروع خارطة الطريق هو صرف الأنظار عن الدور  السعودي بخصوصه والعربي بعمومه في التوصل إلى تسوية للقضية. وقد طرح في لقاء الأسبوع الماضي بين وزيري خارجية البلدين في موسكو إمكانية دمج المبادرة السعودية مع مشروع خارطة الطريق؛ وكان الرد الروسي بأن ذلك أمر يصعب تحقيقه.

2.التنسيق بين البلدين حول عراق ما بعد الحرب: 

وذلك في ظل اقتراب إعادة إنتاج العراق لنفطه بكامل طاقته، واحتمال ضخ العراق لما يقرب من 4 ملايين برميل يوميا، وأثر ذلك على توازن الأسعار، ودور المملكة وروسيا كأكبر منتجين للنفط في العالم. فضلا عن التأكيد على وحدة أراضى العراق، وألا يكون  بداية تقسيم العراق نموذجًا يحتذى للجيران، وخاصة لدى السعودية وإيران وسوريا.

3.عدم استخدام النفط كسلاح: 

اختار الأمير سعود الفيصل موسكو، منذ نحو عام، ليعلن منها أن المملكة لن تستخدم النفط كسلاح؛ لأن النفط ليس أكثر من سلعة. وبعيداً عن أثر ذلك على الشارع العربي فإن موسكو اكتشفت أن الرياض تؤكد، وعلانية، موقفها من تأمين سوق الاستهلاك العالمي. وقد انتهت الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية السعودي بإعلان الاتفاق "لتطوير العلاقات إلى آفاق أرحب". وفي العام الماضي كانت قد بدأت فعاليات اللجنة الروسية-السعودية للتعاون، وإن ما زالت اجتماعاتها السنوية تدور في حلقة "تكوين العلاقة".

4.بداية تحدث الدولتين لغة مشتركة: 

وفي مقدمة مفردات هذه اللغة، استخدام المملكة لمصطلح "الإرهاب" في وصفها للجماعات التي تعمل تحت الأرض، وتجمع السلاح لتحين الفرصة لرفعه في وجه الدولة. ولقد عاشت المملكة الأسبوع الفائت في أشد أزمة -اهتز لها المجتمع السعودي منذ الحرب الأمريكية على العراق-  بالكشف عن شبكة لمواطنين سعوديين استطاعوا شراء أسلحة من الخارج واختراق الأمن حول مخازن الأسلحة الوطنية؛ وكونوا مجموعة هدفت إلى ضرب الاستقرار الداخلي في مجتمع يموج في إرهاصات تنبئ بنذر خطرة.

ورغم كل شيء يبقى أن تتفق الدولتان على آليات فعلية لترجمة عبارات الترحيب ودبلوماسية ترتيب أسعار النفط إلى مستوى أرقى من التفاعل، بين واحدة من أهم دول المنطقة العربية وواحدة من أهم اللاعبين على مسرح السياسة العالمي.