جمهوريات آسيا الوسطى.. هموم وتحديات

جمهوريات آسيا الوسطى.. هموم وتحديات

جمهوريات آسيا الوسطى.. هموم وتحديات

بقلم عاطف معتمد
يوليو 2007


مجموعة من المعارضة القرغيزية يقفون فوق صور للرئيس عسكر عاكايف في بلدة أوش بجنوب
قيرغيزستان في مارس/ أذار 2005 
 

يمكن تسمية الفترة التي أعقبت انفراط العقد السوفياتي وانهيار الشيوعية بـ"المرحلة الانتقالية المرتبكة". ومن إيجابيات هذه المرحلة أن الحراك الذي تعيشه دول المنطقة اليوم غير كثيرا من أجواء "الركود الآسن" الذي عانته على مدار عقود الشيوعية، لكن يقلل من مزايا هذا الحراك عدم استقرار بوصلة المشروعات السياسية على هدف مشترك أو مشروع إقليمي واحد نتيجة مسلسل مستمر من التوتر والصراع عبر السنوات الماضية. 
وقد ساهمت في حالة الارتباك خمس قضايا شائكة هي:



1. الفساد والمخدرات في جمهوريات آسيا الوسطى


رجال إطفاء من تركمانستان يحرقون كمية من المخدرات تمت مصادرتها في مايو/آذار 2006

تزايدت في السنوات الأخيرة تقارير المنظمات الدولية ومراكز الأبحاث الغربية التي ترصد تحول دول آسيا الوسطى من معبر تاريخي شهير لتجارة الحرير إلى محطة هامة على طريق تجارة الهيروين. وتعد قرغيزيستان وطاجيكستان أكثر دول المنطقة الخمس معاناة من تجارة المخدرات.

 

أسباب نشاط تجارة المخدرات

 

وهناك على الأقل ثلاثة أسباب أدت إلى سقوط دول آسيا الوسطى في شرك هذه التجارة:

  • تحول هذه الدول منذ سقوط الشيوعية إلى دول منتهكة الحدود. مع سيطرة البناء القبلي والتنظيم الجهوي والعشائري على المناطق المتاخمة لأفغانستان، فضلا عن انخراط عشرات الآلاف من شباب آسيا الوسطى في الحرب في أفغانستان سواء مع طالبان أو ضدها. وما رافق ذلك من تسويغ الاتجار في المخدرات لتحقيق المصالح والغايات.

  • معاناة نسبة تتراوح بين 20 إلى 35 % من سكان دول آسيا الوسطى من البطالة في أعقاب الهزات التي منيت بها خلال عقد ونصف من انهيار النظم الاقتصادية والحروب الأهلية. ويعتبر سكان المناطق الريفية والحدودية الأكثر تضررا، والأكثر انخراطا في أنشطة الجريمة المنظمة والاستهداف من قبل المنظمات المافيوية المحلية والدولية. 

  • الاستبداد السياسي وغياب المحاسبة وبقاء المؤسسات الدستورية والتشريعية بلا دور حقيقي في ظل تمديد الفترات الرئاسية (أغلبها مدى الحياة) وتكريس الاستئثار بالسلطة. وهو المشهد الذي يعتبره المراقبون السبب الأساسي في قيام تحالف مستتر بين عدد من المشتغلين بالسياسية والبرلمانين وتجار المخدرات. فضلا عن حاجة النظم المستبدة دوما إلى وكلاء أقوياء الشكيمة في مناطق الأطراف يطلقون أيديهم في الأنشطة الإجرامية على أن يضمنوا لهم الولاء والسيطرة على السكان.

وقد رأت عدة منظمات مشتغلة بمكافحة انتشار المخدرات في دول آسيا الوسطى تكرارا للنموذج الأميركو-لاتيني الذي كان من الصعب فيه الفصل بين الأدوار السياسية والاتجار في المخدرات وإدارة الجريمة المنظمة.

كما صنفت دول المنطقة في المرتبة الثانية من حيث انهيار النظم الاجتماعية بسبب تجارة المخدرات بعد دول أوربا الشرقية التي صارت مصدرا لتجارة الجنس ومعبرا لتجارة المخدرات.

المخدارت والصراع السياسي

ومن المفارقات التي تحملها الدراسات الحديثة عن حالة الفساد في بعض دول آسيا الوسطى أن زعماء دول المنطقة لا يستطيعون مواجهة سطوة تجار المخدرات، على نحو ما يعاني الرئيس القرغيزي كرمان بك بكاييف، بزعم هذه الدراسات، نظرا لما لهؤلاء التجار من دور سابق في دعم ثورته التي أوصلته إلى السلطة وأطاحت بالرئيس السابق عسكر عكاييف.ولم تكن المخدرات بعيدة عن الصراع السياسي. ففي الوقت الذي كانت المعارضة تتهم فيه الحكومات في كل من أوزبكستان وقرغيزيستان وطاجيكستان بالتحالف مع تجار المخدرات أعادت هذه النظم التهمة إليهم حين اعتقلت بعضهم بتهمة الاتجار في المخدرات للحصول على تمويل لدعم الحركات الثورية والتمردية. كما ألصقت التهمة بزعماء الحركات الإسلامية المسلحة في كل من أوزبكستان وطاجيكستان وقرغيزيا خلال فترات متباعدة من السنوات العشر الماضية.

وتشير ذات الدراسات إلى أن المرشحين للمناصب البرلمانية (ليس هناك من فرصة للمنافسة على المناصب الرئاسية) لابد وان يكونوا على مقدرة مالية كبيرة للإنفاق على الحملات وتجييش الاتباع وهو ما لا يتوفر للكثيرين سوى بعلاقة وطيدة برجال المال والمخدرات.

2. العلاقة بين الإسلاميين والسلطة في آسيا الوسطى :

تشهد آسيا الوسطى في السنوات الثلاث الأخيرة هدوءا حذرا بعد عقد من التناحر والحروب الأهلية في بعض دوله فضلا عن سجل دام من الصراع بين الحركات الإسلامية المسلحة والنظم الحاكمة في بعض الدول الأخرى.

وقد نجحت ثلاث حركات إسلامية في البروز بقوة في المشهد السياسي خلال الـ15 سنة التي تلت الاستقلال وهي:

  • حزب النهضة

  • الحركة الإسلامية الأوزبكية

  • حزب التحرير الإسلامي

حزب النهضة
ووقعت طاجيكستان في حالة من الفوضى السياسية حين سقط الحزب مع حركات المعارضة القومية والليبرالية في مستنقع الحرب الأهلية في الفترة بين العامين 1993 و1997 وتفشت مذابح عارمة وبدأ عديد من المناطق تعمل على الانفصال عن جسد الدولة الطاجيكية.فقبيل انهيار الاتحاد السوفياتي ظهر حزب النهضة في طاجيكستان منتميا إلى الحزب الرئيس الذي ولد في أستراخان جنوبي روسيا في يونيو/ حزيران 1990 وأقام فروعا في أوزبكستان وقرغيزستان.

ونتج عن حالة الفوضى والحرب الأهلية هذه أكثر من 10000 قتيل وعشرات آلاف آخرين جرحى وغيرهم من المشردين.

وتلاشى حزب النهضة من الخريطة السياسية منذ العام 2000 بفعل الضربات الأمنية وإن بقيت بعض الفلول النشطة التي تماهت في زي حركات أخرى.

وما تزال بقايا الحرب الأهلية تلقي بظلالها على المسار السياسي لطاجيكستان، ففي يناير/ كانون الثاني 2004 حكم على زعيم حزب النهضة في الحرب الأهلية شمس الدين شمس الدينوف بالسجن 16 سنة بتهم قيادة جماعات إجرامية

ثم مع وقوع تفجيرات مفخخة في فبراير/ شباط 2005 في العاصمة دوشانبيه عادت أصابع الاتهام مرة أخرى تشير إلى الفلول المتخلفة عن الحزب وبقايا الحرب الأهلية. وهو ما يجعل الفترة الانتقالية التي تعيشها البلاد حاليا طويلة وما يجعل الاستقرار بعيد المنال.

الحركة الإسلامية الأوزبكية
وصعد اسمها بقوة في الصدامات الدامية بين القوات الحكومية والمتمردين في أوزبكستان في منطقة أنديجان في مايو/ أيار2005.
وقد غيرت الحركة اسمها منذ العام 2001 إلى "الحركة الإسلامية التركستانية"، رغبة في توسعة النشاط وزيادة الأتباع. وصنفت الحركة من قبل عديد من دول العالم حركة "إرهابية".

الصوفيون وحركات التجديد الدينيحزب التحرير الإسلامي 
كما وجد حزب التحرير الإسلامي ذو الأصول العربية لنفسه مكانا في أغلب دول آسيا الوسطى. ورغم أن التقارير الأمنية في دول المنطقة لم تسجل اشتراك أعضاء الحزب في أعمال عنف يقبع عدة آلاف من أعضاء الحزب في سجون دول المنطقة، وفي روسيا، بتهم تدبير انقلابات لإسقاط نظم الحكم.

وبنفس الحذر الذي تمر به الحركات المسلحة في آسيا الوسطى تحبس الطرق الصوفية أنفاسها في تلك الفترة المتوترة. وأهم هذه الطرق النقشبندية في أوزبكستان، والكبراوية في تركمنستان، والياسوية في كزاخستان، والقادرية في منطقة وادي فرغانة المشتركة بين أوزبكستان وقرغيزستان وطاجيكستان.

وتعول روسيا والولايات المتحدة وحكومات آسيا الوسطى على هذه الحركات في استعادة نشاطها بما يؤدي إلى "طرد" النسخة المسيسة من الحركات الإسلامية "المهاجرة" من الشرق الأوسط وأفغانستان.

في الطرف الآخر من الزاوية تقف حركات التجديد الديني أو ما يسمى "الإسلام المتصالح مع الحداثة". ويقوم هذا التيار على خلفيات قومية، وتفسيرات جغرافية ترى أن منطقة آسيا الوسطى يناسبها "إسلام روسي" أو "إسلام أوربي" أكثر ما يناسبها "إسلام عربي".
وقد تم إحياء هذه الادعاءات بعد أن ذبلت قبل أكثر من قرن من الزمان، وذلك مع صعود المشروعات الإسلامية الساعية إلى إقامة حكم إسلامي في دول المنطقة.


3. ميراث النزاعات العرقية في آسيا الوسطى :


لاجئون أوزبك بالقرب من حدود قرغيزستان

عاشت آسيا الوسطى على مدى قرون عديدة دون مفهوم الدولة القومية في وقت كان النظام السائد هو حكم الخانات والإمارات التي لم تكن تؤلفها مجموعة عرقية أو لغوية واحدة، وترك هذا النظام آثاره على دول آسيا الوسطى بعد الاستقلال. وشكل التنوع العرقي مصدر نزاع في عدة دول، كانت أوزبكستان وطاجيكستان وقرغيزستان في مقدمتها، بينما عاش الروس والكزاخ في تناغم ملحوظ بكزاخستان، ونعمت كذلك تركمانستان بتجانس إثني.


الأقلية الأوزبكية والأغلبية القرغيزية
تمثل قرغيزستان أكثر الدول قلقا من التوتر العرقي بسبب النزاع المستمر بين الأقلية الأوزبكية (14% من سكان الدولة) والأغلبية القرغيزية نتيجة شكوى الأغلبية من هيمنة أوزبكية على مواقع حساسة في الاقتصاد والسيطرة على التجارة والنقل والصناعات اليدوية.
ويزيد من صعوبة هذا الوضع ارتفاع نسبة الأوزبك في المقاطعات الجنوبية حيث تبلغ نسبتهم 25% من إجمالي سكان إقليم أوش، و40% من إجمالي سكان جلال آباد. وتتفاوت مواقف الأقلية الأوزبكية تجاه هذه الأوضاع بين التعايش والعنف. وأخطر شعارات الأجنحة المتشددة في الأقلية الأوزبكية تلك التي تطالب بحكم فدرالي، أو الانفصال بالمقاطعات الجنوبية عن قرغيزستان، أو الانضمام إلى أوزبكستان الأم المجاورة.


الأقلية الروسية 
وتلعب الأقلية الروسية في دول آسيا الوسطى دورا تتفاوت أهميته بتفاوت نسبتهم من بين إجمالي سكان دول المنطقة (2-6% في طاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان و12.5% في قرغيزستان و30% في كزاخستان).
وقد عاشت هذه الأقلية حتى سقوط الاتحاد السوفياتي وضعا مثاليا، حيث تمتعت بأفضل الوظائف الإدارية والتعليمية وتمركزت في أفضل المناطق الحضرية. لكن مع الاستقلال تعرضت لضغوط متزايدة خاصة مع تبني دول آسيا الوسطى قوانين اللغات القومية وإفساح المجال لتأميم القطاعات الوظيفية.
وبينما اتخذ أغلب الروس مواقف معتدلة، وسعوا نحو التهدئة بقبول مبدأ الجنسية المزدوجة واعتماد اللغة الروسية لغة ثانية، بزغت في المقابل حركات روسية متطرفة في بعض دول الإقليم (مثل قرغيزستان) خاضت صراعا متواصلا من أجل اعتراف السلطة بها، ورفع بعضها شعارات راديكالية نادت باستعادة حدود روسيا العظمى وإخضاع قرغيزستان لحكم موسكو.
وقد حال دون لعب الروس دور "جماعات الضغط" افتقار الحياة السياسية للتنافسات الحزبية واحتكار السلطة للمشهد السياسي.
وثمة نسب هامشية من أقليات دول الجوار، وأهمها الأقلية الأيغورية (من مسلمي تركستان الشرقية في غرب الصين). ويمثل الأيغور على ضآلة نسبتهم) أهمية خاصة للصين التي تعقد اتفاقات مع دول آسيا الوسطى بشأن الأمن الجماعي ومكافحة الحركات "المتطرفة" خشية انتقالها إلى أراضيها.


4. أحادية النظام الاقتصادي في دول آسيا الوسطى :


عامل في إحدى الشركات التي تبحث عن النفط في جنوب كزاخستان


لم تتمكن دول آسيا الوسطى بعد من الانتقال من مرحلة الاقتصاد الأحادي الذي ورثته عن الاتحاد السوفياتي الذي كرس النشاط الزراعي النقدي وإنتاج الخامات المعدنية الأولية أو الصناعات الثانوية.
وهو ما جعل هذه الدول تصنف ضمن دول العالم النامي وإن كان الفارق كبيرا بين حالة الفقر والتأخر في طاجيكستان والتقدم النسبي في كزاخستان. 
ومع انتهاج هذه الدول سياسة السوق المفتوح وقبول الرأسمالية وفتح الباب للقطاع الخاص تعثرت أغلب دول المنطقة وعانت بدرجات متفاوتة من الكساد.

تباين مستويات الأزمة
وقد تباينت دول الإقليم في مستوى الأزمة التي عانتها. فقد دخل الاقتصاد في قرغيزستان عدة مرات خلال السنوات 15 الماضية في أزمات حادة، رغم الجهود التي بذلت لتبني اقتصاد السوق والتحاقها كأولى دول الاتحاد السوفياتي السابق بمنظمة التجارة العالمية عام 1998. وما يزال القطاع الصناعي غير قادر على العودة إلى ثلث ما كان ينتجه إبان الفترة الشيوعية.

وعدت طاجيكستان أكثر الدول تضررا بسبب انهيار تصدير القطن إلى نصف ما كان عليه في عهد التبعية للاتحاد السوفياتي، وشهد قطاع الحبوب الزراعية تدهورا مماثلا. كما تعثرت صناعة الألومنيوم، وتزايد اعتمادها على الإعانات الدولية والمساعدات الروسية.

وتنافس أوزبكستان طاجيكستان في احتلال الموقع الأخير في اقتصادات آسيا الوسطى بسبب اعتماد اقتصادهيما قب انهيار الاتحاد السوفياتي على على عائداته من السلع الزراعية الخام التي عانت انهيارا ملموسا في السنوات الأخيرة.

 

 

وللخروج من التدهور الذي أصاب الإنتاج الزراعي تعول دول المنطقة، وبصفة خاصة كزاخستان وتركمانستان، على الغاز الطبيعي كمصدر للإصلاح الاقتصادي. ويساهم في تحقيق ذلك رغبة السوق الأوروبي في فك احتكار روسيا لتوريد الغاز مع توقعات بارتفاع نسبة استهلاك أوروبا للغاز الروسي من 50% إلى 70% بحلول عام 2020. 
 

النفط لن يحل الأزمة
كما تمثل كزاخستان وتركمانستان للصين مصدرا مهما في خريطة البحث عن مصادر بديلة لنفط الشرق الأوسط. ونجحت الصين في تثبيت أقدامها على مشارف بحر قزوين بالاستثمار في ثلاثة حقول رئيسية في غربي كزاخستان ووقعت معها عقدا لمد خط أنابيب ينقل النفط من آسيا الوسطى إلى إقليم شينغيانغ في غربي الصين ومنه إلى شنغهاي في شرقي البلاد. كما بدأت بالفعل في التنقيب عن النفط في أوزبكستان.

لا تقف روسيا هنا مكتوفة الأيدى، فشركتها العملاقة غازبروم تقتحم حقول الغاز في آسيا الوسطى مستندة إلى مكانتها المتنامية كشركة عابرة للقارات وإنتاجها الذي يقترب من 20% من إجمالي الإنتاج العالمي للغاز. وما زالت دول آسيا الوسطى تبحث عن حل لمعضلة شراء غازبروم الغاز من أراضيها بأسعار زهيدة وبيعه لأوروبا بأسعار السوق العالمي.

ومع قلق الدول الغربية من تزايد الدور الجيوسياسي لغازبروم –بما لا يقل تهديدا لدى بعض المراكز البحثية عن التمدد الجغرافي أو التهديد العسكري- تم تشكيل اتحاد سياسي يحمل اسم غوام ويضم أوكرانيا ومولدوفا وجورجيا وأذربيجان وأوزبكستان ويهدف إلى البحث عن بديل للغاز الروسي بتدعيم الشراكة بين دول آسيا الوسطى والقوقاز والاتحاد الأوروبي. وقد نجحت روسيا في إقناع أوزبكستان -الدولة الوحيدة العضو في هذا الاتحاد من بين دول آسيا الوسطى- بالانسحاب من غوام في 2005.

وعلى الرغم من أن اكتشافات النفط والغاز قد تؤدي إلى مزيد من تحسين الأوضاع الاقتصادية في كل من كزاخستان وتركمانستان -وبقدر ما عبر تجارة المرور في أوزبكستان- فإنه من الصعب التأكيد على أن هذه الاكتشافات قد تؤدي إلى إصلاح في الحياة السياسية، بل يتوقع البعض أن يزداد الاستبداد مع زيادة الثروة.

ويزداد الاستحواذ على السلطة مع تعاظم الدور الخدمي الذي ستلعبه هذه الدول لصالح الدول الغربية وروسيا ضمن شعار "تأمين أسواق الطاقة"، وهو ما قد لا يحمل آمالا بتغيير إيجابي في المستقبل المنظور، خاصة أن أغلب رؤساء دول المنطقة إما مددوا فترات حكمهم لعقد مقبل من الزمن أو أغلقوا الباب نهائيا بحصولهم على فترات رئاسية مدى الحياة، وهو ما ترك دولة مثل تركمانستان في أزمة بنيوية حين توفي رئيسها السابق صابر مراد نيازوف في نهاية عام 2006.

5. فشل التحالف الإقليمي بين دول آسيا الوسطى :

تباينت الدول المستقلة عن الاتحاد السوفياتي فيما بينها في اختيار الطريقة المثلى التي يجب التعامل بها مع ميراث السوفياتية. فمن بين الدول من اختار الحفاظ على شكل أو آخر من أشكال الارتباط بالمنظومة القديمة التي لا يعود عمرها إلى العهد السوفياتي فحسب، بل والماضي القيصري. وهي منظومة تلعب فيها موسكو دور المركز وما حولها يتبع المدار. ومن بين الدول من انتهز الفرصة للفكاك من تاريخ طويل من الهيمنة، ووجد الفرصة سانحة والأيدي الغربية ممدودة، في الوقت الذي وقفت فيه مجموعة ثالثة من الدول حائرة بين المنهجين.


كومنولث الدول المستقلة

 

وتشترك دول آسيا الوسطى الخمس في أنها جميعا ما زالت متحالفة مع موسكو وإن تفاوت ذلك التحالف بين الثبات والتردد. وحتى أوزبكستان التي خرجت من هذا التحالف بإغراء أميركي عام 2002  سرعان ما عادت إليه حين لم تعجبها قواعد اللعبة، ولم تتحمل النقد الأميركي لانتهاكها حقوق الإنسان بعد قتل القوات الأوزبكية أكثر من 500 متظاهر في أحداث أنديجان 2005.

في البداية مثل كومنولث الدول المستقلة النموذج الذي عولت عليه شعوب آسيا الوسطى لتقديم تحالف يشبه الاتحاد الأوروبي. وقد تشكل الكومنولث قبل شهر من الإعلان الرسمي عن سقوط الاتحاد السوفياتي نهاية ديسمبر 1991. وقد توالت جمهوريات آسيا الوسطى فيما بين عامي 1991 و1994 على التوقيع على هذا الاتفاق الذي رتب التعامل الآمن مع الترسانة النووية الموروثة عن العهد السوفياتي.

ورغم أن هذا الاتحاد كان بمثابة القابلة التي استلمت المواليد الجدد عن النظام السوفياتي فإنه فشل في تحقيق الآمال العريضة التي قدمها بمستقبل جماعي مزدهر بل مثل بابا خلفيا تحاول من خلاله روسيا جاهدة استمرار إشرافها "الشرعي" على جمهوريات آسيا الوسطى "المستقلة".


اتفاقية الأمن الجماعي 
ثم عقدت اتفاقية الأمن الجماعي CSTO وتشمل كافة دول آسيا الوسطى إضافة إلى روسيا وأرمينيا وأذربيجان وبيلاروسيا ومولدوفا، وعرفت في مايو/أيار 1992 باسم اتفاقية طشقند، وهدفت إلى إقرار مبدأ الحماية المشتركة والرد الجماعي على أي عدوان تتعرض له إحدى الدول الأعضاء.
وتم تحويلها في مايو/أيار 2006 إلى "بناء دولي متعدد الوظائف" له الحق في إنشاء قوة ردع سريعة، متبعة منهج حلف الناتو في هذا الشأن. وكانت هذه المنظمة قد اقترحت منذ عام 2004 الاتصال بالناتو لترتيب الأمن، خاصة بعد أن استبعد دورها في غزو أفغانستان.

منظمة تعاون آسيا الوسطى 

 

وجاء الدور التالي بتأسيس منظمة تعاون آسيا الوسطى (كاكو CACO) والتي رسمت صورتها الأولى عام 1994 بعضوية روسيا وكافة دول آسيا الوسطى عدا تركمانستان، ولكن مع عدم فاعليتها أدمجت عام 2005 في منظمة أخرى هي يوراسيك Eurasec للتعاون الاقتصادي التي تشمل روسيا وكزاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وبيلاروسيا.

منظمة شنغهاي 

أما أحدث أشكال التعاون الإقليمي فيتمثل في منظمة شنغهاي والتي تشكلت في يونيو/حزيران 2000 كتطوير لمجموعة عمل عرفت من قبل باسم "مجموعة شنغهاي" وعقدت عام 1996 في مدينة شنغهاي وضمت روسيا والصين ودول آسيا الوسطى. وهدف الاتحاد إلى مواجهة ما أسمته دول المجموعة بـ "الشياطين الثلاثة" (الحركات الانفصالية والتطرف الديني والإرهاب). وأعدت في سبيل ذلك تدريبات عسكرية مشتركة.

لكن هنا أيضا فشلت موسكو وبكين في مواجهة مخططات الاختراق الخارجي، فحينما اتضح أن الولايات المتحدة تخطط لإبقاء قواتها بالمنطقة لفترة طويلة مقبلة، طالبت بكين وموسكو في قمة شنغهاي في يونيو/حزيران 2005 واشنطن بسحب قواتها من كل من قرغيزستان وأوزبكستان، لكن الولايات المتحدة مانعت واتهمت وسائل إعلامها روسيا والصين بابتزاز حكومات المنطقة وإرهابها لتفكيك القواعد الأميركية.

حاولت المنظمة عام 2006 توسعة نفوذها فوجهت الدعوة لإيران والهند وباكستان للمشاركة في المنظمة بصفة مراقب، واعترضت من جديد الولايات المتحدة. وفي نهاية العام الماضي 2006 أعلنت سعيها لتوحيد القوات الجوية بين الدول الأعضاء كخطوة أولى على طريق تشكيل تحالف عسكري مشترك.

وفي النهاية فإن فشل كثير من أهداف المنظمات السابقة يعود إلى ثلاثة أسباب: 
1. المنهج الذي تتبعه روسيا في تعاملها مع دول آسيا الوسطى الساعي إلى تحقيق مصالحها الإستراتيجية أكثر من سعيه تحقيق تعاون على أرضية متساوية.
2. التدخلات الدولية في دول آسيا الوسطى وبصفة خاصة منذ أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 وإقحام القواعد العسكرية الأميركية وقوات الناتو في دول الإقليم.
3. عدم إمتلاك الإدارة السياسية في ظل تأرجح النظم الحاكمة بين القوى الدولية الخمس الساعية للسيطرة على الإقليم: الناتو، روسيا، الولايات المتحدة، الصين.