كشمير والصوفية .. صراع الوافد والأصيل

كشمير والصوفية .. صراع الوافد والأصيل

كشمير والصوفية .. صراع الوافد والأصيل

بقلم عاطف معتمد
ديسمبر 2005

 

 

حبس الصراع السياسي بين الهند وباكستان صورة كشمير التقليدية كوطن للنزاع، وموقع للتناحر؛ فغدت صورتها الذهنية حائرة بين مقاومة الجماعات الكشميرية المسلحة وممارسات قوات الجيش الهندي الشرسة في تعقب تلك الجماعات تحت الأرض وفوقها.

لكن بموازاة تلك الصور يعيش وادي كشمير ألوانا أخرى من الحياة الغائبة عن عدسات الإعلام وتقارير الصحفيين، ومن بين أهم صور تلك الحياة انتشار الإسلام الشعبي.


البدايات والطرق



تعتبر الطرق الصوفية أحد أهم مظاهر الإسلام الشعبي في الهند، ولا يتوقف سلطانها الشعبي عند حدود الشيوخ الأحياء بل يمتد إلى قبور وأضرحة الأموات.

ويمثل وادي كشمير أحد أبرز مناطق الهند تأثرا بالطرق الصوفية وزيارات الأضرحة.

وقد بدأ تاريخ الصوفية في الهند مع القرن الثالث عشر الميلادي حين تدفقت طرق متعددة من آسيا الوسطى وإيران وأفغانستان. وأشهر هذه الطرق: الشيشتية والسهروردية والفردوسية والكبراوية والقادرية والنقشبندية والريشية، والأخيرة طريقة مميزة لإقليم كشمير.

وقد مرت الصوفية في الهند بثلاث مراحل(1): الخانقاه (وتناظر التكية في المجتمع العربي)، والطريقة، والطائفة. وهناك فرق بين "البير" وهو المعالج للأمراض العضوية والنفسية، و"المرشد" وهو الموجه الروحي للأتباع. وفى كثير من الأحيان قد يصبح الشيخ الصوفي بيرا ومرشدا في آن واحد، وفى أحيان أخرى قد يستخدم المصطلحان بطريقة عكسية، وغالبا ما يعطى المرشد درجة تقديسية أعلى من البير.

وترصع وادي كشمير العديد من أضرحة ومقامات الصوفية التي يتوجه إليها المسلمون على مدار العام للزيارة والتبرك، ويزاحمهم في ذلك الهندوس والسيخ المغرمون بشيوخ الصوفية الذين تمكنوا من الوصول إلى الحكمة والمحبة والقدرات "الأسطورية".


الصوفية نشرت الإسلام

ولا بد من الإقرار بما للطرق الصوفية من فضل في نشر الإسلام عبر مختلف مناطق كشمير، والنائية منها بصفة خاصة، قبل أن تصلها سفارات أو فتوحات إسلامية.

وتنسب أولى خطوات الصوفية في كشمير إلى شيخ الطريقة السهروردية حضرة سيد شرف الدين عبد الرحمن المشهور باسم حضرة "بلبل شاه"، الذي وصل كشمير في عام 1324 قادما من التركستان في آسيا الوسطى.

وعلى الرغم من أن الإشارات الأولى للإسلام قد وصلت كشمير مع جيوش السلطان "محمود غزنوي" في القرن الحادي عشر الميلادي، فإن الإسلام انتشر بين السكان على أيدي الدعوة الصوفية، وكانت النقلة النوعية هي ما نجح فيه الشيخ الصوفي بلبل شاه حين أقنع الأمير التبتي "رينشانا" بترك البوذية واعتناق الإسلام، وتبعه أناس كثيرون في مطلع القرن الرابع عشر.

وإلى جانب ضريح بلبل شاه تنتشر أضرحة عدة لباقي الطرق الصوفية، أهمها: ضريح شاه الحمداني من الطريقة الكبراوية التي نجحت في الانتشار في كشمير منذ القرن الرابع عشر، وضريح حضرة نور الدين نوراني عن الطريقة الريشية (1635-1440) الملقب بين أتباعه بشيخ العالم وفقيه الدنيا.

الصوفية الريشية


وعلى الرغم من أن أولئك الشيوخ الذين أتوا من إيران وأفغانستان وآسيا الوسطى قد غرسوا بذور الإسلام في كشمير في وقت مبكر للغاية، فإن هناك طريقة صوفية محلية تولت عملية نشر الإسلام في أغلب وادي كشمير، وهي الطريقة الريشية التي أرساها حضرة نور الدين نوراني (1356-1440)، وظلت الأكثر نشاطا في الإقليم بين القرنين الرابع عشر والسابع عشر.

نقطة الالتباس في الطريقة الريشية هي اسمها؛ فالريشي (وتعني الكاهن أو الحكيم) مسمى كان سائدا في كشمير داخل الديانة الهندوسية، وعرفته المنطقة على يد الزهاد والنساك الزرادشتيين الفرس والدرافديين الهندوس.

وقد اتخذ هؤلاء الزهاد من كهوف الجبال والغابات موئلا للتدبر والتأمل قبل أن تتحول الريشية إلى حركة مقاومة على يد البوذيين (الشعبة الريشية من البوذية) الذين رفضوا العنصرية في الديانة الهندوسية، كما تطورت الريشية على يد شعبة هندوسية سعت إلى توحيد الآلهة وعدم تجسيدهم، وهي الأفكار التي يعتقد البعض أنها مهدت الطريق أمام الريشية التوحيدية التي جاءت مع التصوف الإسلامي.

الريشيون المسلمون في كشمير يفندون الآراء السابقة، ويدللون على أن الطريقة الريشية ليست امتدادا للريشية البوذية أو الهندوسية، وإنما هي طريقة إسلامية صرفة تستمد اسمها من اللغة الفارسية التي تعني فيها كلمة ريش الإنسان "الجريح"، ويقصد بها اصطلاحا الزاهد الذي جرح قلبه من العشق الإلهي.

كما أن لها معنى آخر في الفارسية يقصد به الجناح، والريشي إذن من امتلك أجنحة و"طار" في العشق حتى وصل إلى الله.

وهناك تفسيرات لدى متصوفة الريشية في كشمير من أن الكلمة ذات أصل عربي ولكنها تحمل معنى اصطلاحيا؛ فالريشي هو من نزع ريشه (شهواته) واعتزل رغبات الدنيا، كما يروج البعض أنها لا تتعدى معناها الحرفي؛ فالريشي هو كالريشة في مهب رياح العشق تأخذه حيثما شاءت(2).

لا تتوقف الالتباسات عند جذور الكلمة، وبحسب الباحث الهندي "يوجيندر سيكاند" فإن هناك مشتركات في طقوس التصوف بين الريشية الإسلامية والريشية الهندوسية والبوذية؛ فكلها تؤكد على أن الطريق إلى معرفة الإله لا بد أن يمر عبر معرفة الذات، ولكي تتحقق المعرفة الذاتية لا بد من اعتزال أفعال العوام والانتقال إلى حياة الخواص، وهجر النساء، والعزوف عن الزواج، وتحريم أكل لحوم الكائنات الحية.

وعلى المستوى الاجتماعي أخذت الريشية جانب الفقراء والمهمشين ونادت بإسقاط نظام الفصل العنصري بين طبقات الشعب، وحوَّل شيوخ الطريقة بيوتهم إلى تكايا لإطعام الجياع والدراويش، وفقراء الهندوس والسيخ، وهو ما عبَّد طريقهم إلى قلوب السكان وخاصة في ريف وادي كشمير الذي يغيب عنه العلماء والشيوخ من التيار السلفي.

يبقى في البعد الجغرافي أيضا أن شيوخ الطريقة الريشية وإن حملوا فكرا إسلاميا وافدا فإنهم كانوا من الأبناء الأصليين لكشمير، وليسوا من أبناء الأشراف أو الأسياد الذين يمدون نسبهم إلى شبه الجزيرة العربية. كما جاء انتشار الريشية الكشميرية الواسع بسبب تحدثها اللغة الكشميرية المحلية مقارنة بالوافدين المتحدثين بالأردية أو الفارسية أو التركية والعربية.


حضرة بال وشعرة الرسول

لا تتوقف مكانة الإسلام الشعبي في كشمير عند موروثات الصوفية وما تركته خلفها من أضرحة ومزارات؛ فالأمر يمتد في كشمير بشكل فريد ليشمل آثار الرسول صلى الله عليه وسلم. فعلى مدار العام يتدفق نحو مائة ألف مسلم في وادي كشمير لمشاهدة إمام مسجد حضرة بال يخرج من شرفة عالية -خاصة في ذكرى المولد النبوي والإسراء والمعراج- ممسكا في يده بشعرة يدعي أنها من لحية الرسول(3). الحناجر التي تهتف وصيحات الشوق واللهفة لا تدع مجالا لقبول التشكيك الذي تروج له الجماعات الإسلامية السلفية من انتقاد ودحض مقولة إن الشعرة تخص الرسول.

تعود قصة الشعرة إلى الخوجة نور الدين إشباري التاجر الكشميري الذي اشترى الشعرة المنسوبة للرسول من تاجر هندي زعم أنه أحضرها من المدينة المنورة.

وكتعبير عن تقديره لمشاعر شعبه قام فاضل خان الحاكم المغولي لكشمير (1698-1701) بإيداع الشعرة في خزانة بمسجد باغ صديق آباد على الضفة الغربية لبحيرة دال في مدينة سرينجار عاصمة وادي كشمير. وعرف المكان منذ ذلك الوقت باسم حضرة بال، وتعني بال المسكن، ومن ثم تحول اسم المسجد إلى "حضرة بال" أي مسجد حضرة الرسول (نسبة لشعرة الرسول). وهو ما جعل سرينجار تعرف منذ ذلك الوقت باسم المدينة الثانية (بعد المدينة المنورة).

التمسك الشديد بشعرة الرسول المزعومة جعل الناس -المتعلقين بأي أثر لرسولهم يقرب لهم المسافات البعيدة في شبه الجزيرة العربية- يفجرون الوادي هياجا حينما تعرضت الشعرة تارة للسرقة وتارة أخرى لادعاء الهندوس أنها لا تخص الرسول وإنما تخص قديسا هندوسيا.

وليست هذه هي الشعرة الأولى التي تنسب إلى الرسول، ففي الاتحاد السوفيتي السابق كانت الإدارة الدينية لمسلمي سيبيريا والقطاع الآسيوي من روسيا تحوي صندوقا بداخله شعرة تنسب للرسول، وتمثل هذه الشعرة أهمية كبرى في الاحتفالات الدينية والمناسبات الشعبية والمؤتمرات العلمية.

وقد يبدو التمسك بأضرحة الصوفية وشعرة الرسول في تلك المناطق النائية من خريطة العالم الإسلامي تحايلا على البعد الجغرافي للمشاعر المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة، وهو ما روج لمفاهيم خاطئة في تلك المناطق تدعو المسلمين إلى أن زيارة الأماكن المقدسة "المحلية" عشر مرات تعادل الحج إلى مكة المكرمة.

 

الاعتراض على مقامات الصوفية

على الرغم من أن الاعتراض على زيارات الأضرحة في كشمير وما يجري خلالها من طقوس غير توحيدية قد بدأ منذ العصور الوسطى، فإن النقلة الحقيقية في هذا الاعتراض قد بدأت في نهاية القرن التاسع عشر على يد يحيى شاه الذي شن حملة على الأضرحة ومن يديرونها وزوارها.

وبينما أطلق يحيى شاه على القائمين على إدارة الأضرحة بالمبتدعين بل رماهم بالشرك اتهمه خصومه بالمتطرف الساعي إلى إيقاع الفتنة وتدمير أسس التعايش الآمن في الإقليم. ولقيت حركة يحيى شاه اعتراضا شديدا من قبل حكومة كشمير التي أصدرت أمرا بمنعه من الدعوة والصلاة الجماعية بالناس في وادي كشمير.

انتقلت الأخبار من كشمير إلى باقي أراضي الهند فصورت الأحداث الداخلية على أنها صراع على العوائد المالية التي تدخل على الأضرحة من التبرعات من قبل "الحاسدين" من التيار السني، كما روجت حكومة الهند البريطانية أن الصراع بين الصوفي والسلفي ما هو إلا صراع بين العائلات الكشميرية على النفوذ والشهرة في الإقليم.

ومنذ مطلع القرن العشرين أصبحت جماعة "أهل الحديث" متزعمة للهجوم الفقهي على طقوس الزيارة والتقرب إلى الأضرحة. وكانت جماعة أهل الحديث السلفية قد شكلت تحالفات مع علماء الدين السنة في الوادي لمواجهة طقوس التعبد في الأضرحة، واستخدمت في ذلك سبل الدعوة السلمية التي تفاوتت بين الخطب الجماعية وإصدار الكتب والنشرات؛ بل تطوع عدد من الشعراء المنتمين إلى نفس التيار بالهجوم بالأبيات الشعرية على الأضرحة.

ولعل أشهر قصائد تلك الفترة تلك التي كتبها محمود غامي بعنوان "ياك حكايات" أو القصة، ويتحدث فيها عن عذاب أمة محمد في النار بسبب البدع التي أصابت حياتهم، مستمدا معظم أبيات القصيدة من آيات أو أجزاء من الآيات القرآنية، ولم يسلم هؤلاء الشعراء من رد شعراء التيار الصوفي الذين كتبوا قصائد تتحدث عن أن أهل الحديث ليسوا إلا "أهل هوى"(4).

وفي منتصف القرن العشرين دخل بعض زعماء التيار الصوفي حلبة السياسة؛ وخاصة حينما تزعم الشيخ محمد عبد الله إمام مسجد حضرة تسيير الجماهير الكشميرية للتحالف مع نهرو وغاندي، وأعاق انضمام كشمير إلى باكستان.

وقد وصل الصراع في بعض فتراته إلى مستوى التصادم بين فريق اتخذ طريقه لنشر أفكاره الإسلامية عن طريق التساهل مع ما كان موروثا من تقاليد وأعراف، وفريق تحمل مسئولية تنقية الدين من الشوائب التي دخلت عليه بامتزاج العبادات الإسلامية بعبادات هندوسية، ومزاوجتها بفلسفات هندوسية وبوذية، وهي حالة لا تعانيها كشمير فقط بل يعاني منها الإسلام في كثير من مناطق الهند وآسيا الوسطى، وهي ظاهرة تكاد تتبعثر في أرجاء خريطة الإسلام في آسيا بشكل عام.

المصادر:

(1) نقلا عن دراسة:

Gaborieau.M.(1983) The Cult of The Saints among Muslims in  Nepal and North India, in Stephen Wilson(ed.), Saints and Their Cults.( Cambridge :  Cambridge University Press)

(2) في دراسته التفصيلية عن الطريقة الريشية التي تحمل عنوان:

Sikand.Y ( 2004) The Muslim Rishis of  Kashmir . Islam and Interfaith Relations in  South Asia. Qalandar.

(3) الشعرة مغلفة بالسيلكون ومحفوظة في أنبوب زجاجي أقرب في حجمه لشكل الترمومتر.

(4) هذه المعلومات مستقاة من الدراسة التاريخية التي قامت بها زوتشي في كتابها الصادر مؤخرا بعنوان:

Zutshi.C (2004) Languages of Belonging, Islam, Regional Identity and the Making of Kashmir. Hurst & Company. London .