انتخابات كاراباخ.. هل من ضوء في آخر النفق؟!

انتخابات كاراباخ.. هل من ضوء في آخر النفق؟!

انتخابات كاراباخ.. هل من ضوء في آخر النفق؟!

بقلم عاطف معتمد
أغسطس 2002

 

ناجورنو (مرتفعات) "كاراباخ" واحدة من نقاط النزاع الساخنة في غرب آسيا. وهي إقليم صغير المساحة؛ حيث تبلغ مساحته 4500كم2 (نحو ½ مساحة لبنان)، ولا يزيد سكانه عن 180 ألف نسمة، أغلبهم من الأرمن مسيحيي الديانة. وموقعها على الخريطة المرفقة يبين أنها كانت (حتى عام 1988) جزءا أساسيا من الأراضي الأذربيجانية.



تاريخ شائك

وعلى الرغم من أن هناك خلافات عبر أجيال عديدة بين الأذر والأرمن حول "كاراباخ" تحت دعاوى تاريخية لا سبيل لإثبات صحتها لصالح الأرمن أو الأذر؛ فإن الثابت أن الصورة الحديثة للنزاع في الإقليم قد غُرست بذورها بدقة في عشرينيات القرن الماضي إبان حكم "جوزيف ستالين" للاتحاد السوفييتي. فقد كان إيمان ستالين بالمبدأ الروماني الشهير "فرِّق تسُد" الأساس في تلغيم منطقة القوقاز؛ وذلك منذ أن كانت أرمينيا وأذربيجان جمهوريتين ضمن الاتحاد السوفيتي. فقد تعمدت السلطة السوفيتية في عام 1923 ضم الأقلية الأرمينية (سكان كاراباخ) داخل حدود أذربيجان، وبحدود إدارية تُرسم لتجعل كل ما يحيط بها أذربيجانيا رغم رغبة السكان في التبعية الأرمنية، وفى المقابل تظل الأقلية الأذربيجانية في إقليم "ناختشيفان" معزولة داخل جمهورية أرمينيا. زد على هذا أن السلطة السوفيتية منحت "كاراباخ" صلاحية الحكم الذاتي داخل جمهورية أذربيجان، وهو ما كان أشبه بقنبلة موقوتة، ميعاد انفجارها تفكك الاتحاد السوفييتي.

وبإرهاب الحديد والنار ظل هذا الوضع مجمداً إلى أن تراخت القبضة السوفيتية في عهد جورباتشوف. وفى فبراير 1988 تجرأ المجلس السوفيتي الكاراباخي، وطلب من موسكو انضمام "ناجورنو كاراباخ" إلى أرمينيا. وبالطبع اعترض القادة الأذريون لدى سلطة موسكو. وسرعان ما تشابك الأذر مع الأرمن في "كاراباخ"، لتتحول الاشتباكات بسرعة فائقة إلى حرب أهلية تركت قتلى وجرحى ولاجئين على كلا الجانبين.

وفى ديسمبر 1989 يزداد الموقف تعقداً بإعلان المجلس السوفيتي الأرمني توحيد إقليم "ناجورنو كاراباخ" مع جمهورية أرمينيا.

وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي -25 ديسمبر 1991- أعلن الانفصاليون في إقليم "كاراباخ" في مطلع 1992 الاستقلال عن أذربيجان، ورفض الانضمام إلى أرمينيا. ومدت أرمينيا مقاتلي "كاراباخ" بالسلاح والرجال، بل توغلت قواتها داخل أذربيجان، واحتلت 20% من إجمالي أراضيها في منتصف 1993. وكانت النتيجة أن فر مئات الآلاف من السكان الأذريين هرباً من القوات الأرمينية الغازية. وانتقل اللاجئون إلى معسكرات -كثير منها حول العاصمة الأذربيجانية باكو- يعيشون فيها دون خط الفقر، حسب شهادات وكالات "غوث" للاجئين.

وفى مايو 1994 قبلت جميع الأطراف -بما فيها أذربيجان المحتلة أراضيها- اتفاقا لوقف إطلاق النار، والاحتكام إلى المفاوضات السلمية؛ حقناً للدماء. وكان الوسيط الرئيسي في المفاوضات هو الاتحاد الأوربي الذي فوض مجموعة من الدول برئاسة فرنسا والولايات المتحدة وروسيا للاجتماع في مينسك -عاصمة بيلاروسيا- لبدء التفاوض.

وماذا بعد؟

منذ ذلك التاريخ والمفاوضات تتم في عدة عواصم، واللقاءات لا تنقطع بين الرؤساء ووزراء الخارجية ومبعوثي الرؤساء، والنتيجة مخيبة للآمال؛ فكلٌ يتحدث بمطالب لا يرضى بها الآخر.

فأذربيجان لا ترضى عن خروج القوات الأرمينية من أرضها بديلاً. أما إقليم "كاراباخ" فعليه أن يعود إقليما ذا حكم ذاتي داخل أذربيجان كما كان قبل تفكك الاتحاد السوفيتي. وعلى مدى السنوات الثماني الماضية ظلت الخطوة الأمامية الوحيدة التي يمكن أن تخطوها أذربيجان هي أن تمنح الإقليم صلاحيات واسعة في حكمه الذاتي. ومنذ عام 1994 لا تقبل أذربيجان تمثيلاً للانفصاليين "الكاراباخيين" على مائدة المفاوضات، وأقصى ما تسمح به هو أن يكون تمثيلهم ضمن الوفد الأرمني.

أما أرمينيا فليست مستعدة للانسحاب من الأراضي الأرمينية التي احتلتها قبل أن تضمن لكاراباخ استقلالاً وأمناً. كما أن المكسب الإقليمي الذي حققه الجيش الأرمني بوصل كاراباخ بالأراضي الأرمينية من خلال احتلال ممر "لاتشين" الأذري يعدُّ نصراً لا يساوم عليه إلا المستعدون لتلقي الاتهامات بالخيانة والتفريط في المكاسب الإستراتيجية التي قلما تحدث في التاريخ.

وانفصاليو "كاراباخ" معتصمون في "ناجورنو" التي تعني ترجمتها "منطقة جبلية"، وعلى هذه المرتفعات تتحصن القوات الأرمينية و"الكاراباخية" المطلة على أراضي أذربيجان السهلية. باختصار كأنك تتحدث عن "جولان" ثانية بالنسبة لسوريا التي تفكر مرات عديدة قبل أن تشن هجوماً للتحرير. وعلى مدى ثماني سنوات وجد الانفصاليون من الثقة والاطمئنان ما مكّنهم من إقامة مؤسسات "دولة" تنتخب أعضاء البرلمان ورؤساء للجمهورية -دون أن يعترف بها سوى أرمينيا-، وذلك عبر صناديق الاقتراع، سواء في "كاراباخ" أو حتى للكاراباخيين في العاصمة الأرمينية "يريفان".

وليت الأمر يقف عند هذا الحد؛ فثلاثية النزاع "الكاراباخي" (أذربيجان - انفصاليو كاراباخ - أرمينيا) تحيط بها قوى إقليمية وعالمية لها مصلحة في حل النزاع أو الإبقاء عليه، وعلى رأس هذه الدول: تركيا، إيران، الأذريون في إيران، روسيا، الولايات المتحدة، الاتحاد الأوربي، أرمن الشتات... وغيرها.
 

خريطة جديدة للمنطقة.. هل تكون الحل؟

أحدث الحلول المقدمة للنزاع خريطة قدمتها الخارجية الأمريكية لتسوية النزاع. والفكرة التي تبنى عليها الخريطة مفادها أن تعترف أذربيجان باستقلال "كاراباخ" كدولة، وأن يصبح ممر "لاتشين" الرابط بين "كاراباخ" وأرمينيا -الذي تحتله أرمينيا حاليا- أرضًا أرمينية خالصة. وفى مقابل خسارة "كاراباخ" وممر "لاتشين" يتم تعويض أذربيجان بمنطقة "مِغْرِي" العازلة بينها وبين ناختشيفان الأذربيجانية.




وظاهرياً ستضمن هذه الفكرة حفظاً لماء الوجه الأذربيجاني، إلا أن الراجح أن أرمينيا سترفضها لعدة أسباب:

1- إن وصل ناختشيفان بأذربيجان يحقق مزيدًا من الحصار لأرمينيا، ذلك الحصار الذي ستكون حلقاته: تركيا، ناختشيفان، أذربيجان، وسيفصلها عن حليفتها إيران. ورغم ما تحويه الخريطة من وجود ممرات من أرمينيا إلى إيران عبر مِغْرِي؛ فإن هذه الممرات ستكون تحت رحمة المسيطرين على منطقة مِغْرِي من الأذر.

2- في الوقت الذي ستعوَّض فيه أذربيجان عن كاراباخ بأراضٍ جديدة (منطقة مِغْرِي)، وستعود إليها أراضيها المحتلة دون حرب.. لن تضاف أية أراضٍ إلى أرمينيا التي تحتل بالفعل أراضيَ مطالبة بأن تنسحب منها، تفوق 20% من مساحة أذربيجان.

ويبدو أن ما قاله الصحفي الفرنسي "جان جيراس" في صحيفة "لوموند ديبلوماتيك" من أن هذه المبادلة أشبه "بالمبادلة المستحيلة" خير تقييم لهذه الفكرة الطموحة.


انتخابات أغسطس.. لغم إضافي

وكأنها دولة مستقلة وذات شرعية دولية، أجرى الأرمن الانفصاليون في كاراباخ انتخابات رئاسية في 11-8-2002، وأعلنت عاصمة الإقليم "ستيباناكريت" عن تنافس أربعة مرشحين يتقدمهم الرئيس الحالي "أركادي غوكاسيان" (حصل على 89% من إجمالي الأصوات)، والمتحدث باسم البرلمان الكاراباخي "أرتور توفماسيان" (حصل على 8%)، ومرشح حزب الوحدة "جريجوري أفانسيان" (حصل على1.5%)، ومرشح الحزب المسيحي الديمقراطي "ألبرت جازاريان" (حصل على 1.5%).

وقد رأى المجتمع الدولي -وخاصة مجموعة "منسك"- هذه الانتخابات خطوة "سابقة لأوانها"، ومن شأنها أن تعرقل الجهود المبذولة لحل المشكلة سلميا.


وبنجاح "أركادي غوكاسيان" لسنوات خمس قادمة -بعد أن أمضى فترة رئاسية أولى- يمكن القول بأن هذه الانتخابات كرست من الوضع الحالي ذي المشاهد السياسية التالية:

- ستظل أرمينيا على موقفها الرافض للخروج من المناطق السبع التي احتلتها في أعقاب حرب 1993، وهى ضامنة لاستقلال كاراباخ عن أذربيجان. ومستقبل الإقليم بالنسبة لها يجب ألا يخرج عن خيارين: الانضمام إلى أرمينيا، أو استقلال الإقليم، ومفهوم كيف ستكون هوية هذا الإقليم عند الاستقلال. ويكفي أن نعرف أن رئيس أرمينيا الحالي "روبرت كوتشاريان" كان رئيساً لكاراباخ حتى عام 1997 قبل أن يخلفه الرئيس الحالي "أركادي غوكاسيان". ويأتي هذا العناد برغم ما تعانيه أرمينيا من وضع اقتصادي متأزم.

- مزيد من الاستفزاز لأذربيجان التي تقف مجروحة في كبريائها القومي بوجود 20% من أراضيها تحت الاحتلال. وتمثل الخطوة الأخيرة من إجراء انتخابات "رئاسية" في جزء من أراضيها المحتلة أشبه ما يكون بالصفعة، وقد نعتت الصحف الأذربيجانية هذه الانتخابات بـ"اللعبة القذرة".

وبعد ثماني سنوات من وقف إطلاق النار لا يبدو أن الأمور تسير في صالح أذربيجان. فتجميد الوضع، والأراضي المحتلة، و700 ألف لاجئ على جمر من نار الانتظار.. كل ذلك يمثل ضغطاً على حكومة "حيدر علييف" الرئيس الأذربيجاني الذي التقى أكثر من 15 مرة برئيس أرمينيا لإيجاد حل سلمي، ولكن دون جدوى.

وقد نقلت وكالات الأنباء تصريحات للرئيس الأذربيجاني بتفكيره في اللجوء إلى الحل العسكري لتحرير أرضه وإعادة كاراباخ، وقد رصد المتابعون هذا التصريح ثلاث مرات في عام 2001 الذي بدا كأنه "عام الحسم".

ويتوقف نفاد الصبر الأذربيجاني والعودة إلى المعارك على مجموعة من العوامل، أكثرها أهمية الضغط الداخلي في دولة تعاني مشكلات اقتصادية يحلم الكثير من أبنائها "بالخلاص" مع تطوير صادرات أذربيجان من ثروتها البترولية غير المستغلة بعدُ في بحر قزوين.

وللقابضين على السلطة في كاراباخ حققت هذه الانتخابات أكثر من هدف إيجابي؛ أولها أنها قدمت دعاية لنفسها على الساحة الدولية، وثانيها أنها أكدت الطريق الذي تنوي السير فيه إلى النهاية. فنجاح الرئيس الحالي يضع خطاً تحت إصرار كاراباخ على دولتها المعلنة. ولن يتغير إصرار القوى الانفصالية في كاراباخ على أن تحضر كممثل شرعي مستقل. وهي مستعدة للحوار مع أذربيجان بشرط واحد، هو "أن تُخرج أذربيجان من رأسها فكرة عودة كاراباخ بأي شكل من الأشكال إلى أذربيجان".

- وتعد الانتخابات الأخيرة ضرباً بعرض الحائط لنداءات منظمة المؤتمر الإسلامي بالحفاظ على وحدة أراضي أذربيجان، والدعوة إلى انسحاب أرمينيا من الأراضي الأذرية المحتلة كافة. وقد دأب مؤتمر القمة الإسلامي منذ قمته السابعة التي انعقدت في 1994 على التوجه إلى العالم بضرورة تنفيذ الشرعية الدولية  بالحفاظ على أراضي أذربيجان. وفى القمة الثامنة في طهران (1997) والتاسعة في الدوحة (2000) كرر المؤتمر دعوته إلى تحرير الأرض الإسلامية المحتلة. كما لفت الانتباه إلى أوضاع نحو مليون لاجئ مسلم طُردوا من الأراضي التي احتلتها أرمينيا.

والمنهج الذي ينطلق منه المؤتمر الإسلامي -كما ورد في توصيات آخر قمة له في قطر عام 2000- هو الاهتداء بالمبادئ الثلاثة لتسوية الصراع المسلح بين أرمينيا وأذربيجان؛ تلك المبادئ التي وردت في بيان رئيس قمة منظمة الأمن والتعاون الأوربي التي انعقدت في "لشبونة" سنة 1996م، وهي: الوحدة الإقليمية لجمهورية أرمينيا وجمهورية أذربيجان، وأعلى درجة من الحكم الذاتي في إقليم ناجورنو كاراباخ داخل حدود أذربيجان، وضمان أمن ناجورنو كاراباخ وجميع سكانه.

غير أن هذه المطالب لا تترجم إلى آليات تنفيذية؛ فأجندة المؤتمر الإسلامي مزدحمة بعشرات المشكلات الإسلامية في العالم؛ لدرجة يبدو معها كأن مشكلات العالم بأسره صارت إسلامية.

وهكذا تؤكد قراءة الملف الكاراباخي في ظل الانتخابات الأخيرة أن الضوء الذي يتطلع إليه الجميع في نهاية النفق ما زال أبعد من أن يُرى.

 

لعبة الأمم في ناجورنو كاراباخ

كغيرها من نزاعات عديدة في آسيا والعالم لا تنحصر توازنات القوى في مشكلة كاراباخ بين طرفي المشكلة (أذربيجان وأرمينيا)، بل تتداخل قوى أخرى تؤثر في مستقبل النزاع، وأهم هذه القوى هي تركيا وروسيا وإيران والدول الغربية…



تركيا: عين على كاراباخ وعين على أوربا

لا تخفي تركيا - شقيقة العرق واللغة والديانة لأذربيجان - دعمها للأخيرة في مواجهة أرمينيا. ويعمد الباحثون الأرمن والروس إلى التأكيد على خطورة الدور الذي تلعبه تركيا بتكاتفها مع أذربيجان في حصار أرمينيا، وجعلها تعاني من عجز اقتصادي شديد بسبب وقوعها في موقع حبيس لا مخرج لها منه.

ويرى إدوارد واكلر - الباحث بجامعة ستانفورد بالولايات المتحدة - أن التاريخ العدائي بين الأرمن والأذريين يسد الطريق على آمال التسوية المستقبلية، فيجب ألا يغيب عنا - والكلام لواكلر - أن الأرمن ينظرون إلى الأذريين باعتبارهم شركاء الدين الإسلامي واللغة والقومية التركيتين. ومن هم الأتراك؟ هم أولئك الذين تسببوا في قتل أكثر من مليون ونصف أرمني!

وفى كل وقت ومكان لا يملُّ الأرمن - ولا سيما أرمن الشتات، خاصة في الولايات المتحدة - من تذكير العالم "بالمذابح الأرمنية" التي اقتُرفت بحقهم خلال الحرب العالمية الأولى حينما كان الأرمن يخضعون للإمبراطورية العثمانية، وقاموا بعدة ثورات لتحسين وضعهم الديني داخل الإمبراطورية.

ومن شأن ذلك أن يسكُب مزيداً من الزيت على نيران العداء التركي - الأرمني، ويتسبب تصديق أي دولة على فكرة "المذابح" إلى إساءة علاقة هذه الدولة بتركيا.

وليس أدل على ذلك مما أصاب العلاقات التركية - الفرنسية من سوءٍ بَعد تأكيد جهات قضائية فرنسية على إبادة الترك للأرمن. وليس أبلغ من تأكيد التحالف التركي الأذربيجاني من خروج الرئيس الأذربيجاني "علييف" بعد هذا الموقف الفرنسي ليقول - حسبما نقلت "البيان" الإماراتية عن وكالات الأنباء في 21/1/2001: "لقد كنا دائما نعارض القرارات الظالمة والتلميحات التي ترجّح أن تركيا ارتكبت إبادة في حق الأرمن. واليوم من جديد نحتج ونتضامن مع تركيا، فالحجر الذي ترشق به تركيا يصيبنا نحن أيضا".

ولا تستطيع تركيا أن تمضي في موقفها من أرمينيا حتى النهاية، فعليها التزامات دولية واقتصادية ربما تغير من موقفها، وعلى رأس هذه الالتزامات مناداة الولايات المتحدة تركيا بضرورة تطبيع العلاقة مع أرمينيا، والضغط الأوربي على تركيا كشرط لقبولها عضوا في الجماعة الأوربية.. ناهيك عن المشروعات الأذربيجانية - التركية بمد خط الأنابيب من باكو إلى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط. ومثل هذا المشروع - الذي يشبع نقصاً في موارد الطاقة التركية - يتوقف، في جزء منه، على تسوية الأزمة.

وعلى الجانب الآخر تضع تركيا في اعتبارها ضرورة الالتزام "بقواعد اللعبة" وهي تتعامل مع أرمينيا الحليف الرئيسي لروسيا، ومن هي روسيا؟ هي ببساطة المورد الأساسيُّ للنفط والغاز لتركيا.


روسيا وكاراباخ.. العراق سيلتهم الكويت ثانية!!

تشغل روسيا أكثر من مقعد في الأزمة الكاراباخية، ففي الوقت الذي يصنفها المحللون كحليف وداعم سياسي وعسكري لأرمينيا، تجدها أحد الوسطاء الدوليين الثلاثة مع فرنسا والولايات المتحدة التي ترأس مجموعة منسك المنبثقة عن الاتحاد الأوربي لحل المشكلة. لدرجة تساءل معها البعض عن مدى حقيقة الدور "المحايد" لروسيا في الصراع الكاراباخي.

والتحالف بين أرمينيا وروسيا تاريخي قبل أن يكون إستراتيجيا. فمنذ أن كانت روسيا القيصرية تعادي تركيا العثمانية وأرمينيا تحتل مكانة هامة في تحالفات منطقة القوقاز. ويمكن لنا أن نقدر حجم الدور الروسي لأرمينيا من خلال تطوير روسيا لأعمدة الاقتصاد الأرميني، وعلى رأسها إنشاء محطات الطاقة النووية، وخاصة منذ وقف إطلاق النار في كاراباخ.

وقد تمثلت أبرز صور التعاون الاقتصادي بين البلدين في اتفاقية الشراكة المبرمة بين البلدين في 1997 برأس مال 30 مليون دولار، التي تضمن تدفق النفط والغاز إلى أرمينيا.

وعسكريًّا تسعى روسيا إلى تحقيق الأمن القومي الأرمني في مواجهة أذربيجان الساعية إلى دحر القوات المحتلة لبلادها. وتعدُّ اتفاقية مارس 1995 أساسا لإنشاء قواعد عسكرية روسية على الأراضي الأرمينية والحماية المشتركة لحدودها مع تركيا. ويسري مفعول هذه الاتفاقية حتى عام 2020. كما أن هناك مشروعاً أرمينيا طموحاً لانضمام أرمينيا إلى الوحدة الروسية - البيلاروسية المنتظرة (هذا على الرغم من عدم وجود أية حدود مشتركة بين أرمينيا والدولتين المذكورتين).

وليس خافياً أن الموقف القوي الذي تقفه أرمينيا في صراعها السياسي مع أذربيجان حول كاراباخ مستمد من التسليح الروسي، بل والقواعد الروسية في أرمينيا، ناهيك عن تسليح القوات الجوية الأرمينية بأحدث الأسلحة الروسية. وقد باعت روسيا لأرمينيا - حسب دراسات روسية - أسلحة بمليار دولار، وهو ما فجَّر توترا بالغا في العلاقات الروسية الأذربيجانية.

ومما يشجع روسيا على توجهها لدعم أرمينيا التسليح القوي لتركيا وتمركز قواعد الناتو بأراضيها وعلى مقربة من النزاع الكاراباخي.

ويرى جادجييف - أستاذ العلوم السياسية الروسي - أن من الأوهام التي تسيطر على البعض المبالغة في تصوير أذربيجان كأنها الكويت "الثانية" التي ستلتهمها روسيا، فمثل هذا الفكر الذي يسيطر على أدمغة بعض القادة الأذربيجانيين وفي أوساط النخبة الثقافية والاقتصادية هدفه تأصيل ابتعاد أذربيجان راديكاليًّا عن روسيا.

ونستشف من مقولة جادجييف أن روسيا رغم دعمها لأرمينيا فإنه يقلقها التحالف الأذربيجاني مع الغرب، ومثل هذا الفهم جعل روسيا تنتبه في السنوات الأخيرة - وبالتحديد منذ تولي بوتين الرئاسة في عام 2000 - إلى أنه "لا داعي لمزيد من ارتماء أذربيجان في أحضان الغرب؛ لأن ذلك ببساطة لا يصب في مصلحتنا".

وقد يطرأ على التحالف الروسي - الأرمني بعض التغيرات وعلى رأسها احتمال تحول أرمينيا إلى أوربا والولايات المتحدة. والأخيرة تبدي تعاطفاً تجاه أرمينيا لأسباب يرجعها البعض إلى كسب أصوات الجالية الأرمنية في الولايات المتحدة، حيث يشكل الشتات الأرمن تجمعاً خاصا في جنوب ولاية تكساس.

إيران ودبلوماسية النفط

عادت إيران مع تبدد الشيوعية إلى منطقة النزاع الكاراباخي حاملة معها رائحة التأثير الفارسي بثقافته الضاربة في تربة الإقليم. وبعد أن اتفقت إيران وتركيا على مواجهة الشيوعية في الإقليم عادا - بعد زوال ما جمعهما - إلى الافتراق والتنافس في السيادة على الإقليم.

ويسجل أن إيران دعمت أرمينيا في أزمة كاراباخ لأسباب اقتصادية، أولها أن أرمينيا تحتاج النفط الإيراني، بينما أذربيجان تبيع النفط كإيران. وثانيها أن أذربيجان، في بداية استقلالها، تحالفت مع تركيا؛ ليس فقط سياسيًّا وعسكريًّا بل وأيديولوجيًّا حينما تم الترويج لإحياء فكرة الجامعة التركية في 1992-1993، التي كان يعني نجاحها إزاحة  إيران كلية عن المنطقة.

هذا في الوقت الذي تمثل فيه إيران شريان الحياة لأرمينيا في ظل حصار الأخيرة من الشرق بأذربيجان ومن الغرب بتركيا.

ولكن على الجانب الآخر تجد إيران نفسها في حرج أيديولوجي يسجله عليها الصديق قبل العدو، وفي ذلك يكتب بعض المحللين الروس: "بغض النظر عن الإعلان الرسمي لإيران بدعمها القضايا الإسلامية في العالم بأسره، فإن إيران تقف إلى جانب أرمينيا المسيحية على حساب أذربيجان المسلمة. ومن جانب تعلن إيران عن دعمها للحق الإسلامي في النزاع الكاراباخي، بينما من جانب آخر توسع إيران من علاقاتها الوطيدة مع أرمينيا. وفي مجمله وضَع النزاع الكاراباخي الدبلوماسية الإيرانية في موضع حرج، في ظل عدم قدرتها على أن تنظر إلى أذربيجان الشيعية المسلمة وهي تلقى هزيمة على يد المسيحية أرمينيا".

ومن المشكلات الأخرى سكان إيران من الأذريين، فعدد الأذريين في إيران يفوق 8 ملايين نسمة، وعددهم في شمال إيران وحده يقترب من عدد سكان أذربيجان ذاتها (6.5 ملايين نسمة)، وتبالغ المعارضة الأذربيجانية لإيران في هذا الرقم، ويصلون به إلى 30 مليون نسمة!. وفي ذلك يرصد المراقبون أنه  عندما يطالب الأذريون الإيرانيين بامتيازات لهم داخل إيران (يصل بعضها إلى مستوى الحكم الذاتي أو الاستقلال) يمكن لنا أن نتخيل حساسية الدور الذي تلعبه إيران في أزمة كاراباخ، فإن هي أغرقت في التعاون مع أرمينيا يمكن أن تحرك النار من تحت الرماد لدى الأذريين في شمال إيران، ولكنها لا تستطيع أن تقف ساكنة أمام تزايد النفوذ التركي الذي تمثل أذربيجان الموصل الحراري الجيد له في المنطقة.

ويبقى أن روسيا - حليفة إيران حاليًّا - تساند، بمساعدتها أرمينيا، التوجه الإيراني نحو "الميل" تجاه أرمينيا والمعارض لتعاظم دور تركيا والغرب في المنطقة.

غير أن "دبلوماسية النفط" قد تغير من سياسة إيران، فالتعاون الإيراني مع دول بحر قزوين - وأذربيجان من بينها - حول اقتسام الثروة يمكن أن يلطف من الموقف مع تكرار الزيارات الرسمية واللقاءات المتكررة مع قادة الدول المطلة على هذا البحر.

الغرب: من يدفع للزمار يحدد اللحن

رائحة النفط تغري بأن تتحرك الولايات المتحدة والدول الأوربية لحل المشكلة الكاراباخية. وفي بحث عن المشكلة الكاراباخية قدمه "المعهد الأمريكي لدراسات السلام" سنة 1999، تم الحديث بوضوح عن أن سعي الغرب لحل المشكلة مدفوع في جزء منه بأن وصول النفط القزويني إلى أسواقه تحول دونه عدة مشكلات في منطقة القوقاز المشتعلة على الدوام. 
ولكن هذه المشكلات يمكن تصنيفها إلى فئتين:

الفئة الأولى: تضم التوجهات الانفصالية في روسيا في كل من الشيشان وداغستان، وفى جورجيا في كل من أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا. وهذه الفئة من المشكلات ترتبط بها روسيا قلباً وقالباً، والتدخل لحلها - لتسهيل نقل النفط القزويني إلى أوربا - لا بد أن يصطدم بروسيا، وهو ما لا تنوي أوربا  والولايات المتحدة الخوض فيه.

الفئة الثانية: من المشكلات ما تقع بعيدة نسبيا عن أنف العسكرية الروسية، وتتمثل أبرزها في المشكلة الكاراباخية. ومن الأيسر لأوربا أن تبذل كل ما في وسعها لحل المشكلة الكاراباخية، والمشكلة الكردية، وهي تملك مقومات ذلك لضمان تدفق النفط إلى أراضيها. فلدى أوربا مغريات ضم أذربيجان وأرمينيا وتركيا لأوربا، ومنحهم مساعدات مالية كفيلة بأن تغير  الأفكار الكلاسيكية لدى قادة هذه الدول.

وتشير الدراسة السابقة إلى أن تزايد الوزن النسبي لنفط أذربيجان قد يدفع بأذربيجان إلى تجميد حل مشكلة كاراباخ لفترة مقبلة من الزمن. وحسب هذا المفهوم فإن أذربيجان إذا ما أقدمت على تسوية قضية كاراباخ الآن فإن ما قد تحصل عليه هو بالتأكيد أقل مما ستحصل عليه مع تدفق نفطها بغزارة في المستقبل.

وبمعنى آخر فإن أذربيجان قد تختار الانتظار إلى أن يتم "تسخين" الملف الكاراباخي لدى أوربا مع زيادة طلب الأخيرة على النفط الأذري: المورد الواعد للطاقة لأوربا في السنوات المقبلة.

ومن زاوية أخرى فإن تدفق عائدات النفط ليس فقط سيقوي من أهمية أذربيجان لدى الغرب، بل إن هذه العائدات ستقدم للجيش الأذربيجاني موارد تمكِّنه من تحديث نفسه وشراء ما يستلزمه ليصبح قادراً على شن حرب تضمن له إعادة الأرض المحتلة بعد نفاد الصبر على موائد المفاوضات.

ولكن مرور أنابيب النفط من أذربيجان إلى السوق العالمية عبر جورجيا وتركيا وقت اشتعال الحرب التي ستشنها أذربيجان لتحرير الأرض، سيجعل أرمينيا ترد بتدمير هذه الأنابيب، ويتوقف الضخ إلى السوق الأوربية، وهذا من شأنه سرعة تدخل أوربا والولايات المتحدة لإيجاد حل نهائي للمشكلة "المشتعلة".

هذه الشبكة من العوامل الخارجية - إضافة إلى عناصر عديدة أخرى من العوامل الداخلية، من تداخل المصالح الإقليمية والدولية - هي التي حددت الصراع على كاراباخ، وستحدد في السنوات القادمة مصير الإقليم.