إسماعيل كسبرالي.. المستنير الذي نسيه مسلمو روسيا

إسماعيل كسبرالي.. المستنير الذي نسيه مسلمو روسيا

إسماعيل كسبرالي.. المستنير الذي نسيه مسلمو روسيا

بقلم عاطف معتمد

ديسمبر 2003
 

"شيء واحد إن غاب عنا ضللنا الطريق.. هدهدنا الزمان لننام.. إنه الطموح!"  .. إسماعيل كسبرالي

في هذه الأيام -التي يتساقط فيها عشرات القتلى من الروس والمسلمين على السواء- جميل لو تذكرنا الرجل الذي عرفه العالم كأشهر المسلمين المستنيرين في روسيا في المائة سنة الماضية. سأل نفسه بعد قرون من الصدام نفس الأسئلة البدهية التي نسألها اليوم: لماذا يكون الصدام هو خيارنا الوحيد؟ هل لا بد من أنهر من الدماء لنعيش؟ أو ليعيش بعض منا بالأحرى؟ إلى متى سيظل مسلمو روسيا متخلفين؟ لماذا نعتقد أن كل روسي هو إيفان الرهيب ينتظر التتويج ليذبح المسلمين؟ ولماذا يُرضع التقليديون الناس هذه الأفكار على مدى القرون؟

إسماعيل كسبرالي

في السفر كل الفوائد

مرة أخرى تكرس لنا السيرة الذاتية لمفكر قومي ومجدد ديني مثل كسبرالي أنه لكي تفعل شيئا لقضيتك فلا بد أن تسافر وتغير الألوان التي تقع عليها عيناك، فما دمت قابعا في محل ميلادك فلن ترى إلا ما رآه مثلك ولم يغيروا شيئا من معطيات البيئة الجامدة.

في عام 1851 ولد إسماعيل كسبرالي في قرية أفجي -إحدى قرى الصيادين- قرب مدينة يالطا على سواحل البحر الأسود بشبه جزيرة القرم، وذلك بعد أن كانت أسرته قد ارتحلت من قرية كسبره (التي يحمل اسمها). ويتلقى تعليمه حتى سن خمس عشرة من عمره في القرم ليسافر إلى موسكو حيث يلتحق بأكاديمية فارنوش العسكرية. وفي موسكو تتفتح عيناه على الأفكار القومية السلافية التي تصدم مشاعره المتناغمة مع فكرة الجامعة التركية حينما كان يجلس في قاعات الدرس مستمعا إلى المفكر الروسي القومي الشهير إيفان كاتكوف، فيترك موسكو سرا ليهاجر إلى تركيا وسرعان ما يُكشف أمره فيقبض عليه ويعاد إلى موطن عائلته في 1867.

وهناك يستفيد من إتقانه للروسية في أن يعمل مدرسا في عدة مدارس إسلامية في القرم، وسرعان ما يحبط من أساليب التدريس التقليدية في هذه المدارس التي لم تتغير في مناهجها وموضوعاتها منذ قرون. وينجح كسبرالي في 1872 في أن يحصل على تصريح بالسفر إلى باريس لدراسة الفرنسية، وهناك يحصل على فرصة جديدة في إنعاش أفكاره الطموحة، حينما يعمل مساعدا للمفكر الروسي الشهير إيفان تورغنيف.

وبين التأثر بأفكار تورغنيف المستنيرة والاستهداء بأنوار باريس الثقافية جمع كسبرالي ملاحظاته عن المدنية الأوروبية واختزنها في عقله وجوانحه؛ لكي تخرج للنور بعد نحو عشر سنوات. وفي طريق عودته إلى موطنه يمر بإستانبول ويقضي فترة في الأناضول يتعرف فيها على المدنية التركية ويقترب أكثر من الصفوة الفكرية التركية، وخاصة أولئك المؤمنين بفكرة توحيد الشعوب التركية ومناصري تجديد الفكر الديني.

وبعد مشاهدات وتأملات في واقع المسلمين في روسيا ومقارنة أوضاعهم بالحضارة الفرنسية والتقدم التركي أدرك كسبرالي تلك الحلقة المفقودة في كل مشروع قومي طموح. وهو أنه لكي تطور نفسك فليس المفترض أن تصطدم مع عدوك.. أعطِ لنفسك فترة كافية لتنمي قدراتك وترفع من مستوى تعليم وثقافة أبناء وطنك، امنحهم القوة أولا لكي يقفوا على أقدامهم وعندها ستصبح لديك أوراق أكثر أهمية للمناورة مع عدوك. وهكذا آمن كسبرالي بأنه ليس المهم أن يستقل مسلمو روسيا عن القيود الإمبريالية؛ فهذا مطلب يمكن إرجاؤه، وتحمل كسبرالي الشكوك التي أثيرت ضده بوصفه مهادنا للاستعمار وبوقا لموسكو بين المسلمين. كما اعتبره علماء الدين بمثابة "جاسوس خطر" لإتمام عمليات الترويس بين مسلمي روسيا.

ولما كان تطوير الأوضاع الاقتصادية والثقافية لمسلمي روسيا يتوقف على رغبة ومبادرة الطرفين فقد وجه خطابه إلى الطرفين: المسلمين بضرورة تطوير التعليم وتجديد الفكر الديني، والروس بضرورة عدالة رعايتهم للشعوب الإسلامية في الإمبراطورية.

وخاطب كسبرالي الروس في سلسة مقالات نشرت في صحف محلية (في القرم) وموسكوفية، كان عنوانها الكبير "الإسلام الروسي" وفحواها أن النهوض بمسلمي روسيا وإتاحة الفرصة لهم للتعلم والترقي والمساواة في الحقوق هو في صالح نهضة روسيا ذاتها. وكان يشاركه الرأي من أعراق أخرى مفكرون رأوا أن مصير الدولة الروسية إن استمرت في تجاهل شعوبها وإهمال نهضتهم التعليمية والاجتماعية لمصير مشئوم. وعلى المستوى الروسي كانت كتابات نيقولاى تشيرنوشيفسكي تصب في نفس الخانة، حيث الدعوة إلى اللاعنف والإيمان بدور التعليم والتثقيف في بناء مجتمع واعٍ له رسالة ودور حضاري.

الترجمان

آمن كسبرالي بدور الصحافة في تشكيل وعي الأمة فسعى إلى إصدار صحيفة تعرض لأفكاره الإصلاحية وأفكار زملائه من التتر المؤمنين بنفس التوجه. غير أن المشكلة الأولى هي أن إخوانه المسلمين لم يكونوا على وعي بالإصدار الصحفي الدوري رغم الجهود الكثيرة التي بذلت من قبل مثقفي قازان وطشقند وتبليس وباكو. وكان ضعف مستوى تعليم مسلمي روسيا نقطة هامة في توصيل الأفكار الأيديولوجية إليهم سواء كانت إسلامية أو معادية للإسلام. فقد لاحظ باحثون عديدون أن المشاريع الطموحة لعلمنة المجتمع الإسلامي في العهد الشيوعي قد باءت بالفشل خاصة في قطاع كبير من سكان الريف، والسبب هو ارتفاع نسبة الأمية التي حالت دون توصيل الأفكار الشيوعية بالشكل المطلوب، بينما بقيت الأفكار الدينية الفطرية أقرب لقلوبهم.

وفي العهد الذي ظهر فيه مشروع كسبرالي كان قليل من المسلمين التتر يستطيع أن يجيبك بالفعل عن سؤال ما هي الصحيفة؟ غير أن كسبرالي عول على هذه الفئة المحدودة من المتعلمين وآمن بقدرتها على تقديم الصورة الواقعية للثقافة الروسية أمام المسلم، وتقديم الصورة الحقيقية للمسلم أمام القارئ الروسي. واختار للصحيفة مسمى "بيريفوتشيك" كعنوان للطبعة الروسية و"ترجمان" كعنوان للطبعة التركية وكلاهما يعني المترجم الذي سيأخذ على عاتقه "نقل الفكر" إلى الطرفين أو "تفسير" ما هو غامض لدى الطرفين، فتحصل ثقافة كل منهما على فرصة للتقارب من الآخر.

وحينما سأل كسبرالي نفسه: من الذي أوصل الإسلام إلى روسيا؟ جاءته الإجابة التقليدية رسالة بن فضلان الذي أرسله الخليفة العباسي المقتدر في عام 991 هجرية. ولكنه تأمل فوجد أن ذلك ليس صحيحا تماما. فالفضل كان للتجار الذين سبقوا ابن فضلان بعشرات السنين حاملين السلع والبضائع من آسيا الوسطى وحاملين معها روح الإسلام. كما أن التجار هم أكثر الناس سعة في الأفق وقدرة على التواصل بأكثر من لسان وأكثر من طريقة تفكير. وهكذا رحل إسماعيل كسبرالي إلى المركز التجاري الأكبر في روسيا "نجنى نوفجورد" وهو المركز الذي يأتيه التجار من كل أطراف روسيا وجلهم من التتر المسلمين. هنا في نجنى نوفجورد يوجد من هو مطلوب لقراءة الصحيفة وفيها أفكار كسبرالي، هنا العقول المتفتحة، والمال الذي يمكن أن يدعم المشروع. ووافق 250 تاجرا منهم على دفع اشتراك عام مقدم. ومن نجنى نوفجورد إلى قازان يتوجه كسبرالي ليتم مراسم زواجه من زهرة هانم ابنة أحد الأثرياء التتر في قازان.

وجاءت الموافقة أخيرا بالحصول على تصريح بالصحيفة بعد أن توسط له المؤرخ والمستشرق الروسي الشهير سميرنوف الذي كان مهتما بالثقافة الإسلامية ومؤمنا بإمكانية قيام حوار بينها وبين نظيرتها الروسية، وبمقالات كسبرالي التي انتقد فيها التعليم الديني التقليدي. وهكذا خرج العدد الأول من صحيفة "الترجمان" في 10 إبريل 1883. بعد يومين فقط من مرور مائة عام على ضم روسيا للقرم. ومضت السنوات الأولى للترجمان في حالة عدم استقرار مادي. غير أن زوجته -زهرة هانم- وقفت إلى جانبه مستندة على أموال أسرتها.

وتفاوتت تقديرات النسخ المبيعة حتى عام 1905 بين 500 إلى 1500 نسخة لصحيفة مؤلفة من أربع صفحات مقسمة بين اللغتين التركية والروسية. ومن منتصف العقد الأول في القرن العشرين فاقت 2000 نسخة وصارت صحيفة يومية في 1912 حتى توقفها في 1918 بعد وفاة مؤسسها بأربع سنوات.

وكانت أبوابها الثابتة: مقال كسبرالي، أخبار البلاد الروسية، أخبار العالم الإسلامي، مقتطفات من الصحف (الروسية، والإسلامية)، تطوير التعليم الديني، تعليم الفتاة وإخراج المرأة من دائرة الظل، عروض الكتب، وإعلانات. وتناولت قضايا من مناطق شتى في العالم كالتقدم التقني في الولايات المتحدة، والحرب في البلقان، وتحديث اليابان، والاستعمار الأوروبي في آسيا وأفريقيا، وتنامي حركة تحرير المرأة في الغرب. وظل كسبرالي على مدى 20 عاما من إصدار الطبعة الأولى، محاذرا في أن تتسلل السياسة إلى أوراق صحيفته، ساعيا إلى تحييد السلطة الروسية حتى تتغير الظروف، وهو ما حدث بالفعل بدءا من عام 1905 وظهور الإصلاحات الروسية في روسيا.

ومنذ إنشائها تناولت الصحيفة تطوير الإدارات الدينية، وأكدت عدم التعارض بين "النقل والعقل" والتمييز بين "البدع" و"الإبداع" البشري الحديث. غير أن الوقت كان مبكرا لكي يستطيع مسلمو روسيا -بالأحرى من تلقى تعليما منهم- أن يميزوا الخيط الرفيع في مشروع كسبرالي الذي يفصل بين تهمة العلمنة وفضيلة التجديد.

تغيير المناهج

في عام 1882 وحينما كان كسبرالي يُعِد مشروعه لإصدار الترجمان رأى أن المشكلة الأعمق في أن تجد علاجا للتعليم في مهده. وجد كسبرالي أن جل التعليم الأساسي في القرم وكثير من المناطق الإسلامية في روسيا هو الاعتماد على تدريس القرآن وعلومه دون غيرها من العلوم الدنيوية كالرياضيات والجغرافيا والعلوم والتاريخ. وكان طلاب المدارس يقرءون القرآن والحديث الشريف باللغة العربية دون أن يتعلموا كتابة هذه اللغة، وهو ما يضيع عليهم فرصة كبرى في معرفة نصوص أخرى غير القرآن والحديث، ويتأخر مستوى تحصيلهم. أنشأ كسبرالي مدرسة تجريبية في القرم أدخل فيها تعليم اللغة العربية جنبا إلى جنب مع حفظ القرآن والحديث، وفي السنوات التالية أدخل الجغرافيا والتاريخ والحساب.

ومع الاعتراض الأولي على هذه المدرسة إلا أن النتيجة جاءت سريعة بعد 3 سنوات من البدء، حيث تمكن طلاب مدرسة كسبرالي من التفوق على أقرانهم في المدارس التقليدية. وبالتدريج انتشرت الفكرة وتم إنشاء العديد من المدارس في أنحاء مختلفة من روسيا يقدرها الباحثون بـ 5 آلاف مدرسة. ومع تخفيف مساحة القرآن والحديث لصالح علوم دنيوية تلقى كسبرالي نقدا لاذعا من علماء الدين التقليدين الذين وصفوه بالمهرطق.

ويعتبر تطوير التعليم أوضح مشاهد مشروع كسبرالي القومي، حيث كان يهدف إلى النهضة بالشعوب الناطقة بالتركية في آسيا الوسطى والقوقاز والقرم. ورغم النظرة الشمولية التي سعى من خلالها كسبرالي إلى النهضة بمسلمي روسيا رغم اختلاف أعراقهم فإن بعضا من مثقفي القرم يحصرون دعوته على تتر القرم ومن هاجروا منهم إلى تركيا العثمانية بعد ضم روسيا لها في 1783، وهو ما يظلم مشروعه ويخنقه في حدود جغرافية ضيقة (لا يتعدى سكان القرم 200 ألف نسمة). ومن زاوية أخرى يعتبر البعض أن حركة كسبرالي قد تأخرت كثيرا فلو أن مشروعه ظهر على يد الجيل السابق له (1800 بدلا من 1880) لما كانت حدثت حركة الهجرة الجماعية لتتر القرم إلى تركيا العثمانية، ولما صار تتر القرم أقلية في وطنهم، ولحال ذلك دون عملية النفي التي حدثت لهم في الأربعينيات على يد ستالين لقلة عددهم.

أكثر من وجه

سيظل كسبرالي محل نقاش وجدل في هوية مشروعه. ففي الوقت الذي كان يرفض فيه التقليديون مشروعه قام الشيوعيون في السنوات الأولى لحكمهم روسيا بالتأكيد على استنارة المشروع واستناده على أيديولوجية "فوق قومية"، وبالتالي فالرجل بالنسبة لها شيوعي قبل قيام الشيوعية، ومن ثَم تم تحويل بيت كسبرالي في القرم إلى متحف شعبي وصُوّر الرجل في الكتابات الشيوعية لهذه الفترة بطلا قوميا. وقد أجج ذلك بالطبع من الهجوم على كسبرالي من قبل المدرسة التقليدية الإسلامية. غير أن الصورة سرعان ما تبدلت في الثلاثينيات (القرن العشرين) حينما قام جوزيف ستالين بحملته الشهيرة على الأديان والقوميات، ورأى فيها كسبرالي ساعيا إلى إذكاء الروح القومية والدينية بالتواطؤ مع النظام القيصري، أو بعبارة أخرى فلم يكن مشروع كسبرالي لدى ستالين إلا ابنا شرعيا "للبرجوازية الاستغلالية"! وكانت هذه التهمة كفيلة بتشويه صورته وغلق المتحف الذي كان في الأصل بيته.

وهكذا دفن اسم كسبرالي منذ 1944 -النفي الكبير لتتر القرم وغيرهم من القوميات الإسلامية في القوقاز- وحتى انهيار الاتحاد السوفيتي في نهاية عام 1991 ومنذ منتصف التسعينيات عاود أبناء القرم العودة إلى الحياة بعد زوال السلطة الشيوعية، غير أنهم انقسموا ثانية حيال تفسير شخصية كسبرالي هل هي إسلامية مجددة أم أتاتوركية قومية أم الاثنتان معا؟!

الثابت أن الإصلاحات الفكرية التي شهدتها روسيا في نهاية القرن التاسع عشر سمحت للنخبة الإسلامية المثقفة من أمثال كسبرالي وأبي ناصر القورساوي (المتوفى في 1812) وشهاب الدين مرجاني (المتوفى في 1889) وحسين فايز خانوف (المتوفى 1866) وعبد القيوم الناصري (المتوفى سنة 1812) الذين دافعوا عن مرونة الإسلام وقدرته على التكيف مع التقدم الاقتصادي والتكنولوجي. وروج هؤلاء لفكرة إصلاحية رئيسية تقول إنه إلى جانب الدين الإسلامي واللغة التترية فإن تفاعل المسلمين التاريخي مع الروس يُعَد بمثابة عنصر مميز للمسلمين التتر. فالطرفان يشتركان في صفات عدة كالمواطنة ومعرفة كل منهم لطبيعة الآخر واهتماماته وعاداته وثقافته ومعتقداته. وبحث هؤلاء المستنيرون في المؤثرات الثقافية المتبادلة بين الشعبين في كل من الفن المعماري والملبس والطب الشعبي والقصص والحكايات التراثية والأساطير. ومن ثَم فقد ميزوا بوضوح بين كل من السياسات المعادية للإسلام والهادفة إلى ترويس القوميات الإسلامية وبين الاستفادة من مسلمي روسيا في بناء دولة قوية تعود عليهم بالنفع كجزء من ثنائية التعايش والحوار.