!الإسلاموفوبيا " في روسيا .. صناعة الوهم "

!الإسلاموفوبيا " في روسيا .. صناعة الوهم "

" الإسلاموفوبيا " في روسيا .. صناعة الوهم !

بقلم عاطف معتمد
فبراير 2003



بوتين والمفتي الأعلى لمسلمي روسيا تالجات تاتجودين
 


لم يتمهل الكثيرون في روسيا في العقد الأخير -حيال ما عرف بمجابهة "مشروع النهضة الإسلامية"- ليطرح ذلك السؤال البديهي: هل الضجة المثارة حول مكانة ما يسمى "الإسلام السياسي" في هذا البلد تقصد بالفعل حركات إسلامية لها بنيتها وخلاياها وبرامجها النهضوية؟ أم أن الأمر برمته لا يتعدى صبغ حركات الانفصال القومي بلون "الإسلام السياسي"؟

ولم يهتم كثيرون كذلك بالتنويه إلى أن مفهوم "الإسلاموفوبيا" (الهلع من الإسلام) الذي يشيع في الشارع الروسي الآن ليس إلا توسيعاً لمفهوم "القوقازوفوبيا". فلدواعٍ سياسية وأيديولوجية، تم انتشال المصطلح من دائرته الجغرافية الضيقة (القوقاز) إلى دائرة أكثر رحابة؛ هي عموم روسيا كبرى دول العالم مساحة وربطها بالدائرة الأوسع التي تشمل العالم بأسره الذي صار "الإسلام السياسي" أحد أهم موضوعاته المطروحة  للنقاش. والقليلون فقط هم أولئك الذين يزيحون الستار عن وجه الصدام الحقيقي، فيعالجون المشكلة بكشفهم للبعد العرقي في الصراع؛ كما لا يرهق  البعض نفسه بالرجوع إلى التاريخ، فيستمد من السحق الاستعماري للسلطة المركزية في موسكو حيال عديد من الشعوب والقوميات تفسيراً لمحاولات "الأخذ بالثأر" من عدو عملاق مترنح.

غير أن البعض -الأكثر حنكة والأبعد نظراً- يقول: "معاذ الله، هناك فرق بين الإسلام، ذلك الدين السماوي الذي ينبذ الإرهاب والعنف، وبين عصابات الجماعات الانفصالية التي ترفع الشعارات الإسلامية للاستقلال عن روسيا في "داغستان" و"الشيشان" وباقي جمهوريات القوقاز الإسلامية". وهذا الخطاب -وعبر ذلك المدخل- ينافق المجتمع الإسلامي الداخلي والخارجي،وفي الوقت نفسه يسلب الحركات الانفصالية في القوقاز أقوى سلاح تتمسك به في صدامها مع السلطة في موسكو، وهو مرجعيتها الإسلامية التي تغطي بها اختلافاتها العرقية واللغوية، وتكتسب بها شرعيتها أمام القوميات التي تدين بالإسلام داخل روسيا و(أحيانا) خارجها. أما الضربة القاضية فهي طرح معلومات تروج لارتباط هذه الحركات بذلك التنظيم الهلامي والمسمى "بتنظيم القاعدة".

 

الخوف من الإسلام: عولمة المصطلح

ما أقربها المصطلحات الناقدة للحركات الإسلامية في الخطاب الثقافي الروسي إلى نظيرتها في الخطاب الغربي بشكل عام، حينما يواجه الأخير حالة من العداء مع الحركات السياسية المتشربة بالدين، فيربطها بالإرهاب وبلقنة/ تفتيت الوحدة السياسية بدوافع إسلامية، ويختزلها في مفاهيم مثل "الإسلاموفوبيا" و"الوهابية".

ولا يعني هذا بالضرورة تأصيل حالة من العداء بين الشعب الروسي والإسلام كدين؛ فلقد أسهم الإسلام إلى حد بعيد في إثراء الحياة الثقافية لدى عديد من القوميات في روسيا؛ وما زالت دلالاتها ماثلة إلى اليوم (يدين بالإسلام نحو 20 مليون نسمة من إجمالي 145 مليون روسي موزعين بين المسيحية، واليهودية، ومنكري وجود الدين، وأنصار البوذية والكونفوشيسية، وأتباع العقائد غير الكلاسيكية كعبادة الشيطان، أو الوثنيين المعتقدين في قدسية الظواهر الطبيعية). وبدون تعقيد –وتخففاً من المفاهيم النظرية للإسلام السياسي– ينبع المفهوم الروسي للإسلاموفوبيا من رفع الحركات الانفصالية في مناطق الأغلبية المسلمة للشعارات الإسلامية، والجهر بالدعوى لإقامة دولة "الشريعة الإسلامية".

ويذهب بعض المحللين الغربيين إلى أن النسخة الروسية من "الإسلام السياسي" ليست أكثر من "محفز الصراع" -الذي لا تستغله المعارضة في بلورة هويتها فحسب- بل والحكومات في سعيها لتدعيم قبضتها الداخلية، وصياغة جزء هام من السياسات الخارجية لتسع دول في المنطقة (روسيا ودول القوقاز الثلاث، ودول آسيا الوسطى الخمس). وحسب اعتقاد بعض الباحثين، فليس "الإسلام السياسي" ظاهرة يسعى الجميع إلى القضاء عليها، إذ تستفيد بعض الحكومات من حركات "الإسلام السياسي" بطريقة تبدو معها، وكأنها تتاجر بالخوف لاكتساب الشرعية، وادعاء حماية الديموقراطية، وحض المجتمع الدولي على التغاضي عن انتهاكاتها لحقوق الإنسان. 

 

ما يُسمى "بالنهضة الإسلامية"

إذا أردنا استكشاف وجهة النظر الروسية تجاه الحركات الإسلامية، فلا بد بداية أن نقف على الترتيب التنظيمي للتجمعات الإسلامية في روسيا أولاً؛ التي يصنفها الباحثون:

1. الإدارات الدينية: ويقصد بها الهيئة الدينية التي تشرف على أمور المسلمين في المناطق الإدارية داخل روسيا (مقاطعات، أقاليم، جمهوريات، مناطق حكم ذاتي). وتخضع لرئيس المنطقة الإدارية، ويرأس الإدارة الدينية مفتٍ تعينه الدولة. والحدود المسموح بها لهذه الإدارات: الاشتغال بالفتاوى الدينية، وتنسيق أمور الزواج، وتعيين أئمة المساجد.

ويسجل من كانت لهم زيارات ولقاءات مع مسئولي هذه الإدارات الملاحظات التالية:

·   استمرار غالبية المفتين من العهد الشيوعي حتى الآن (الذين تجرأ البعض واعتبرهم في العهد الشيوعي عيونًا للسلطة).

·        الرقابة الشديدة على نشاطات المساجد وتعاملات رجال الدين مع الزائرين الأجانب. 

·   الانشغال المادي لكثير من هذه الإدارات (السعي وراء تمويل بناء المساجد وترميمها وتزويد المكتبات في ظل ضعف دعم الدولة لها).

·        تدني مستوى التعليم الديني وضعف مستوى الأئمة. 

2. المجالس الإسلامية: ووظيفتها التنسيق بين الإدارات الدينية المشار إليها. ويتوقف نجاح دورها على درجة المرونة التي تبديها في علاقتها التوازنية بين التعامل مع السلطة في موسكو ورؤساء الإدارات الدينية. لذا تتفاوت درجة نجاحها في تحقيق مكاسب للأقليات المسلمة في روسيا على مستوى انشغال السلطة  بشؤون أخرى، ودرجة الاختراق الشخصي الذي قد تتمتع به للوصول إلى شخصيات مؤثرة في السلطة تستجيب لمطالبها.

3. المراكز الإسلامية: ويتم إنشاء كل مركز ديني في روسيا حسب قانون خاص تحدد فيه مجالات أنشطة المركز (قد يتخصص مركز من المراكز في "وظيفة" بعينها كالتعليم، أو متابعة شؤون المرأة المسلمة، أو رعاية الشباب)؛ وكذلك يتم تحديد مصدر التمويل الذي سيحصل منه المركز على الدعم، والذي غالبا ما يكون  خارجيا.

4.المدرسة: وهي أصغر تنظيم ديني يعتني بشؤون المسلمين في روسيا. ويتم تسجيل المدرسة (وتنطق بلفظها العربي في اللغة الروسية) لدى الجهات الحكومية المعنية بتحديد الوظيفة التي غالبا ما تكون تعليم اللغة العربية والقرآن والحديث الشريف. ولهذه المدارس أهمية كبيرة في المقاطعات غير الإسلامية. ولا  يخضع القائمون على التدريس في هذه المدارس للإشراف الحكومي، بل يتم التنسيق عبر مجوعات تطوعية من المدرسين، يشكل العرب المقيمون في روسيا نسبة معتبرة منهم. وتصبح هذه المدرسة مجالا خصباً للتعريف بالدين الإسلامي للمترددين عليها، كما تصبح أكثر الأنشطة الإسلامية عرضة للمداهمة واعتقال القائمين عليها، خاصة حينما يقوم بعض من هؤلاء المدرسين بتجاوز الخطوط الحمراء، فينقل للطلاب أفكارا "أصولية" تتهم الدولة الروسية بالكفر.

تناحرات المسلمين.. البلاء المعروف

في كتابهما الصادر في موسكو سنة 2000- الذي يحمل عنوان "الصحوة الإسلامية في روسيا المعاصرة"- يؤكد مالايشنكو وموساييف أن "أبرز ما يسجل على مشروع النهضة الإسلامية في روسيا وقوع الخلافات والتناقضات بين الإدارات الدينية؛ هذا بالإضافة إلى مشروع النهضة الذي يتنازعه تياران: تقليدي وتقدمي. وهما تياران دخيلان على روسيا، جاء بهما من العالم الإسلامي الطلاب الموفدون للدراسة بها، وستزداد حدة صراع هذين التيارين مع عودة المزيد من هؤلاء، باختلاف أيديولوجيات الدول التي جاءوا منها.. وسيحقق ذلك تناحرا داخليًّا سيؤثر سلباً على سمعة الشخصيات الإسلامية في أعين الرعايا المسلمين".

ويضيف الكاتبان: "أن هناك تناحرا من نوع آخر يتهدد مشروع النهضة الإسلامي في روسيا؛ وهو التناحر بين الأعراق المسلمة في القوقاز وفي بشكيريا وتترستان. ويبدو أن هذه التناحرات كانت سببا في تأخر حل المسلمين لكثير من مشكلاتهم في روسيا، ولولاها لأمكنهم العثور على منفذ فعال للوصول إلى الإعلام الذي يغيبون عنه كلية. فيكفي أن نعرف أن مسلمي روسيا لا يطرحون أنفسهم على التليفزيون الروسي، وليست لهم مطبوعة إسلامية واحدة على عموم روسيا، كما لا يوجد لهم صندوق إسلامي موحد يضطلع بالإشراف على بناء المساجد وتطوير التعليم الديني".

وقد أكد نفس المغزى بعض الإعلاميين العرب في روسيا، حينما أشاروا إلى أننا لا نجد رجلا مسلما في حكومة روسيا، والسكان المسلمون بها يقتربون من 20% من سكان الدولة، بينما اليهود لا تتعدى نسبتهم 1% ويشغلون نحو 25% من المقاعد الوزارية؛ بل ويسيطرون على وسائل الإعلام بدرجة كاسحة، ناهيك عن تزعمهم لسوق المال.

 

اتهامات كاذبة

ورغم هذا، فإن بعض الباحثين الروس وباحثي "الإسلام السياسي" في آسيا الوسطى يقدمون معلومات تصور الحركات الإسلامية في روسيا وكأنها وحش متربص، له بنيته التحتية وخلاياه المتشعبة، وبرامجه طويلة الأمد للإجهاز على "الوحدة" الروسية. ويمكننا أن نتفهم ذلك، حينما نقرأ ما يقدمه بعض هؤلاء الباحثين -وحتى في دوريات علمية- بقولهم:

"تشهد روسيا تزايدا في أعداد الدارسين للإسلام؛ وتنتشر في مختلف منافذ بيع الكتب مطبوعات في الأدبيات الإسلامية تعرض الوهابية والجهاد والصوفية؛ وفي داغستان وحدها زاد عدد المساجد من 27 مسجدا في 1988 إلى 500 مسجد في 1994؛ وفي تترستان زادت من 10 مساجد في 1988 إلى نحو 500 مسجد في الوقت الحالي. كما يتزايد سنويًّا عدد الراغبين في أداء فريضة الحج، ففي داغستان وحدها يتوجه أكثر من 12 ألف كل عام إلى أداء مناسك الحج. كما يسافر كل عام عشرات الشباب من الشيشان وداغستان وتترستان في بعثات دراسية للدول العربية الإسلامية".

ولم يناقش أحد كيف تم بناء 500 مسجد في خلال 6 سنوات فقط! وفى جمهورية فقيرة معدومة الدخل مثل داغستان. كما أن القول بأن الحجاج من داغستان وحدها يزيد عن 12 ألف يخالف الرقم المعروف خلال عقد التسعينيات؛ وهو 10 آلاف حاج.. ومن كل الأراضي الروسية، والتي ليس لداغستان سوى حصة منها.

وبعيد اشتعال حرب الشيشان الثانية (سبتمبر 1999)، قدم الإعلام الروسي معالجات مستفيضة للإسلام وحركات "الإسلام السياسي" من زوايا منقولة من أيديولوجيات صراع السلطات مع هذه الحركات، وهي: المجلس الإسلامي؛ اتحاد مسلمي روسيا؛ حركة "نور"؛ الحركة الاجتماعية الروسية "مسلمو روسيا"؛ حزب النهضة الإسلامي؛ وعديد من المنظمات الإقليمية في داغستان وتترستان وغيرها، مثل حزب "الطريق الإسلامي" في الشيشان، والحزب الإسلامي الديموقراطي في داغستان. 

وتضع المتابعة الروسية هذه الجمعيات في قفص الاتهام كمروجة لأفكار الجامعة الإسلامية الداعية إلى توحيد المناطق الإسلامية كافة، وطرد روسيا من القوقاز، وتشكيل دولة إسلامية موحدة في الإقليم. والمشكلة أن الصدام الداخلي في روسيا تجاه حركات "الإسلام السياسي" لا يقف عند حدود الفيدرالية الروسية. فالحرب الإعلامية ضد هذه الحركات تشعل الموقف بادعاء دعمها من قبل دول عربية يحددها الإعلام الروسي بالاسم، ويزعم أنها تسعى "لأسلمة" روسيا ونشر الفكر الوهابي. بل وصل الأمر إلى اتهام بعض الكتاب الروس سفارات عربية بضلوعها في هذا السعي؛ وعرض بعض الكتاب للدعم العربي المزعوم لهذه الحركات، بدءا من مرحلة بناء المساجد، وإرسال المصاحف، وتيسير رحلات الحج (التي كانت قد انتعشت إبان فترة البيروسترويكا)، وانتهاء بالتمويل المالي للحركات الانفصالية في إقليم القوقاز التي وجدت مجالا خصبا لها بعد تفكك الاتحاد السوفيتي.

 

أمريكا تستفيد دائماً

وتكتمل خيوط المؤامرة، حينما تلمح وسائل الإعلام بالدور الأمريكي الداعم -سواء بالتدخل المباشر أو عبر وكلاء من الدول الإسلامية- لهذه الحركات من أجل شغل روسيا داخليا وإزاحتها عن المشاكسة في قضايا العالم الخارجي، كالنزاع في "الشرق الأوسط" (قضية فلسطين، التعاون مع العراق وسوريا وإيران)، والتنسيق مع دول الشرق الأقصى في مواجهة الغرب (الصين وكوريا الشمالية).