بعيدة منها جغرافياً لكنها قريبة جيوبوليتيكياً ... مكانة إيران في خريطة الصين النفطية

بعيدة منها جغرافياً لكنها قريبة جيوبوليتيكياً ... مكانة إيران في خريطة الصين النفطية

بعيدة منها جغرافياً لكنها قريبة جيوبوليتيكياً ... مكانة إيران في خريطة الصين النفطية

بقلم عاطف معتمد
مايو 2006


 

تسيطر إيران على واحد من أكثر المواقع حساسية في خرائط النفط والغاز، ليس فقط لتحكمها في حقول ضخمة على بحر قزوين والخليج العربي، بل لتواصلها في الوقت ذاته مع قوى جيوسياسية متنامية مثل الصين، وقوى تستعيد مكانتها مثل روسيا.

تمد إيران الصين بنحو 15 في المئة مما تستهلكه الصناعات الصينية من النفط، وهي أكبر مورد للطاقة إلى الصين بعد السعودية. وتدرك الصين – التي كانت قبل عقدين اكبر مصدر للنفط في آسيا الشرقية - أن عمر النفط الإيراني شارف على نهايته، ربما خلال ثلاثة عقود. ومن ثم فإن ما يمكن تحقيقه الآن من اتفاقات تربط بها إيران بالسوق الصينية هو أفضل الأساليب التي يجب اتباعها مع متغيرات السياسة الخارجية.

ولهذه المبررات فاوضت الصين إيران في تشرين الأول (أكتوبر) عام 2004 لاستيراد الغاز المسال. وقام التفاوض على مشروع تسعى الصين من خلاله الى تأمين الحصول على الغاز الإيراني لمدة 25 سنة مقابل 75 بليون دولار. ويتضمن التفاوض، الذي لم يترجم إلى اتفاق بعد، قيام الشركة الصينية سينوبيك Sinopec بإنتاج واستيراد الغاز المسال بكمية تبلغ 250 مليون طن على مدى السنوات الثلاثين المقبلة.

وتمكنت الصين بالفعل من الاتفاق مع إيران في تشرين الثاني (نوفمبر) 2004 على شراء نحو نصف ما تنتجه حقول يدافاران من النفط في منطقة الأهواز في جنوب غربي إيران. وقد نقلت هذه الخطوة الصين – بالتزام إيران تقديم 150 ألف برميل يومياً لبكين ولمدة ربع قرن بأسعار السوق - إلى مرحلة مهمة في تأمين حاجتها الشرهة للنفط في ما وراء البحار.

ولشركات الصين النفطية استثمارات كبرى في إيران، خصوصاً في قطاع البتروكيماويات ومد شبكات الغاز الطبيعي. كما تبيع الصين لإيران تقنيات عسكرية متنوعة في مقدمها الصواريخ المضادة للسفن والصواريخ الباليستية.

والصين التي يتزايد استهلاكها من الغاز بمعدل 14.7 في المئة سنوياً ومن النفط بمعدل 15.4 في المئة سنوياً تسرع الخطى نحو إيران أمام منافسيها التقليديين. فالهند، الأقرب جغرافيا الى إيران، تسعى إلى استيراد مزيد من الغاز عبر خط يمر بباكستان، تصل تكلفته إلى 3 بلايين دولار، ولكن المشروع المقترح يلاقي معارضة من واشنطن.

كما أن اليابان، وهي المستورد الأكبر للنفط الإيراني، تتلقى بحذر تحذيرات واشنطن بعدم التعاون النفطي مع طهران. وعلى رغم أن البلدين اتفقا في كانون الثاني (يناير) عام 2003 على قيام الشركات اليابانية بالتنقيب في حقل ازاديغان، إلا ان الاتفاق النهائي على البدء الفعلي في العمل بسبب أزمة الملف النووي الإيراني لم يعقد حتى الآن.

ومن ثم، فإن الصين، وهي ثاني مستهلك للطاقة في العالم، تسعى إلى تقليص اعتمادها على الفحم من 75 في المئة إلى 50 في المئة لمصلحة النفط والغاز، وذلك عبر مزيد من التقارب مع إيران. وهذا التقارب – الذي تشبهه دورية «الشؤون الخارجية» الأميركية بشكل جديد من أشكال الصيد يقوم به التنين ما وراء البحار - لا يبرره فقط أن بكين اكبر مورد للسلع والمنتجات لإيران (بعد ألمانيا وفرنسا) والداعم لها في مشروعها لإقامة مفاعلات نووية لإنتاج الطاقة (جنباً إلى جنب مع روسيا).

فإيران – التي تحتل المركز الثاني في الاحتياط النفطي العالمي بـ 133 بليون برميل، وتحتل المركز الثاني في احتياط الغاز بـ 27 ترليون متر مكعب – تعد واحدة من المحطات المهمة لتنافس بكين مع القوى الدولية والإقليمية على الأسواق ومنابع الخامات، مثلها في ذلك مثل سيبيريا التي تتصارع فيها الصين مع اليابان على الفوز بأكبر حصة من النفط بتقديم إغراءات مالية لروسيا، ومثلها أيضاً مثل آسيا الوسطى التي تتنافس فيها شركة النفط الصينية مع الشركات الأميركية المدعومة بقواعد واشنطن العسكرية حول حقول النفط في حوض بحر قزوين.

وبقواعد التنافس نفسها، ردت الصين على الدعم الأميركي لمشروع نقل نفط بحر قزوين من جهة الغرب عبر خط الأنابيب باكو- تبليسي - جيهان بالتوقيع مع كازاخستان على اتفاق للتنقيب عن النفط في المناطق الغربية من كازاخستان، بهدف نقل النفط القزويني من جهة الشرق إلى الأراضي الصينية.

إيران إذاً ليست سوى ورقة في ملف كبير تملكه الصين بحثاً عن الموارد في كل مكان، من فحم الفيليبين وذهب بوليفيا إلى نفط السودان ونيجيريا والإكوادور، وما يطرح حول الشراكة الاستراتيجية بين بكين وطهران. وقدرة هذه الشراكة على تمرير مشروع إيران النووي من تحت أنف القوى الدولية فيه كثير من المبالغة. ولعل سبب هذه المبالغة أن الصين، تماماً مثل روسيا، تتخذ شكلاً مستتراً من المواجهة مع الولايات المتحدة حين تتحالف مع الدول المرفوضة أيديولوجياً من واشنطن.

 

تفهّم الصين لقواعد اللعبة

يعتبر نوع العملة التي تدفع بها الصين لإيران مستحقاتها عن النفط على جانب كبير من الأهمية في علاقة البلدين، وفي علاقة طهران بواشنطن في الوقت ذاته. فحين أُعلن في شهر ايار (مايو) 2006 عن النية في افتتاح بورصة إيران النفطية والتي تنوي التعامل باليورو بدلاً من الدولار، انقسمت الآراء حول حقيقة ما يمكن أن تشكله هذه البورصة من خطر على مكانة الدولار في السوق العالمية بين مخفف من أهمية ما تمثله إيران من إنتاج نفطي لا يزيد على 5 في المئة من إجمالي المتداول عالمياً ومن ثم هامشية تأثيره، وبين مؤكد أن إيران إذا أقدمت على هذه الخطوة ستكبد الدولار مزيداً من الهزات، خصوصاً إذا تشجعت دول أخرى مثل فنزويلا لتبني الخيار الذي كان عراق صدام حسين أول من لجأ إليه.

هنا يأتي دور الصين ومكانتها قبل أن تأتي مكانة إيران. فالكرة في ملعب المستوردين أكثر منها في ملعب الموردين. فالصين واليابان - بما لديهما من مدخرات بالـــدولار تزيد على 2 تريليون دولار - في مقـــدورهما إحداث خلل كبـــير فـــي مكانة الدولار إذا أقدمتا على شراء النفط الإيراني باليورو.

ومن ثم، فإن الصين تفاضل بين إحداث هزة للدولار بالتحالف مع إيران بدفع مستحقاتها باليورو أو الاستمرار في تدعيم الاقتصاد الأميركي وعملته بشراء النفط الإيراني بالدولار، وتحديداً لأن لديها علاقات متينة معه.

لا يختلف موقف الصين هنا عن موقف روسيا التي ترفض استلام مستحقاتها باليورو من زبائنها الأوروبيين مراعاة لعدم إصابة الاقتصاد الأميركي بأزمة. ومن ثم، فإن اعتبارات سياسية عالمية تبقي الصين واليابان من دون اتخاذ الخطوة الأكثر خطورة بموافقة طهران على خطتها بالتعامل باليورو.

لكن الصين يمكنها مواجهة الولايات المتحدة في شكل أكثر هدوءاً وهو توسيع التعاون مع إيران وغيرها من الدول التي تصنفها واشنطن دولاً مارقة، وتعترف مراكز الأبحاث الأميركية بأن الصفقات التي اقتنصت بها الصين نفط إيران والسودان (تؤمن الأخيرة 5 في المئة من استهلاك الصين للنفط) لم يكن في مقدور بكين تحقيقها لولا عدم التزامها قوانين الحظر الأميركية التي تحول دون الاستثمار في مثل هذه الدول، ولسان حالهم: «ان واشنطن تعاقب شركاتها ولا تعاقب هذه الدول».

الحكمة الصينية تأخذ في اعتبارها ضرورة الموازنة بين التـــعاون مـــع إيران وحسن العـــلاقة مع واشنــطن، وهي قضـــية ليست جديدة على شبكة علاقــــات بكــين مع الدول المغضوب عليها أميركياً، ولسبب بسيط تدركه الصين وهو أن ضمان تدفق النفط من هذه الدول إلى المصانع الصينية مرهون بمستوى الأمن الملاحي في المضائق التي تمر فيها الناقلات الصينية، وبصفة خاصة في مضيق مالاقا جنوب شرقي آسيا، في منطقة تجمع بين القواعد العسكرية الأميركية ونشاط الحركات المتطرفة التي يمكن أن تُلصق بها تهمة استهداف الناقلات الصينية المحملة بنفط إيران.

تبحث الصين إذاً عن طريق آخر غير طريق الناقلات وبالتحديد النقل عبر الأنابيب من قلب القارة الآسيوية. وهنا تأتي أهمية التفاهم الصيني - الروسي الذي أعلن عنه حين قام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بزيارة بكين في آذار 2006 وتأكيده استعداد بلاده لتقديم النفط الى الصين عبر أنابيب سيبيريا مفضلا إياها على اليابان.

وهنا أيضاً تأتي أهمية العلاقة التي تطورها بكين مع دول آسيا الوسطى الإسلامية خصوصاً مع أوزبكستان وتركمنستان وكازاخستان، وفي طياتها التعاون الأمني ضد الحركات الإسلامية المسلحة في المنطقة، لضمان مرور أنابيب النفط من وسط آسيا إلى إقليم شينغيانغ غربي الصين ومنه إلى الساحل الشرقي الصيني.

العلاقة مع إيران بالمثل يمكنها أن تخفف من نقطة الضعف الصينية بالاعتماد على الناقلات، وذلك بمشروع طموح يربط نفط إيران، وفي شكل خاص حصتها التي لم تستخدمها كلياً في جنوب بحر قزوين، بأنبوب النفط الذي تخطط كازاخستان والصين لمده من شرق بحر قزوين إلى الأراضي الصينية.

وعلى رغم تأكيد ما سبق أن العلاقة ذات تشابكات اقتصادية، إلا أن الصين البعيدة من إيران جغرافياً والمتقاربة معها جيوبوليتيكياً، لا تضيع الفرصة بممارسة حقها القانوني في دعم حلفائها النفطيين حين تعلن اكثر من مرة أنها ستستخدم حقها القانوني في مجلس الأمن لرفض أي قرار ضد إيران متفقة في ذلك مع روسيا، بما لديهما من حق النقض.

الصين التي كانت تقوم بتقديم التقنيات النووية السلمية كتجهيز المعامل النووية للأبحاث، وأبرزها في أصفهان، تعرف أين هي الحدود التي لا توقعها في دائرة الاتهام. كما تقدم الصين، مثل روسيا، المساعدات الفنية بهدف إقامة مفاعلات عدة لإنتاج الطاقة الكهربائية حتى تيسر لإيران توفير النفط للتصدير، ومصانعها ومشاريعها الاقتصادية في مقدم المستفيدين.

وفي النهاية، فإن الصين، وهي تدرك أهمية البوابة النفطية في الاقــتراب من إيران والشرق الأوسط ومنها إلى القارة الأفريقية، تعتمد على الحنكة الإيرانية في فهم قواعد اللعبة الدولية. وأهم ما في هذه الحنكة أنها لا تطلب من حلفائها النفطيين أن يخوضوا معارك عسكرية لمصلحتها. فطهران تدرك أن النفط ورقة رابحة وكفيلة بخرق الحصار الذي تسعى واشنطن الى ضربه حولها، وهي تحسن حتى الآن استخدام هذه الورقة.