المفاهيم الكونية والجغرافية في فيلم ”آلهة مصر“ وإمكانية استخدامه في التدريس

المفاهيم الكونية والجغرافية في فيلم ”آلهة مصر“ وإمكانية استخدامه في التدريس

المفاهيم الكونية والجغرافية في فيلم ”آلهة مصر“ وإمكانية استخدامه في التدريس

المفاهيم الكونية والجغرافية في فيلم ”آلهة مصر“
وإمكانية استخدامه في التدريس

عاطف معتمد عبد الحميد(*)

قد يبدو غريبا مع التطور المعلوماتي الحديث القائم عل صور الأقمار الصناعية والخرائط الرقمية وأجهزة الرصد والاستشعار التي يعتمد عليها علم الجغرافيا أن نطرح في هذه الورقة الفيلم مدخلا لتعليم الجغرافيا؛ كيف يمكن الاعتماد على ما هو حسي وفني وخيالي ونسبي وتعبيري ووصفي مصدرا لعلم اشتهر عبر التاريخ باعتباره قرين الأرقام والحقائق الصلبة الجامدة الجافة؟!

ليس هناك وجه غرابة في حقيقة الأمر، فرغم التطور المعلوماتي على المستوى الوظيفي والاحترافي لوحظ تراجع في الوعي الجغرافي عند العديد من شعوب العالم. ليس المقصود هنا شعوب العالم الثالث وحدها، ففي العقدين الأخيرين جرى اعتراف داخلي وعالمي بأن الشعب الأمريكي (ورؤساؤه خاصة!) ليس لديهم معرفة كافية بالجغرافيا رغم زعمهم ريادة العالم والسيطرة عليه، وقد دعى ذلك عدد من الباحثين إلى إصدار بعض مؤلفات لمحو هذه الأمية الجغرافية عند المستويين الشعبي والرسمي.

كرس عدد من الباحثين جهودهم لكشف أزمة الجهل الجغرافي العالمي ونفور الناس من علم الجغرافيا بسبب طرق تدريسه العقيمة ولفت الانتباه إلى أهمية وسائل "موازية" لرد الاعتبار لهذا العلم  من خلال الاعتماد على الرواية والفيلم لتمرير المعلومات الجغرافية بطريقة مشوقة.

لقد نبعت أزمة تدريس الجغرافيا في العالم نتيجة عدة أسباب أهمها ميراث القرنين التاسع عشر والعشرين الذي قدم الجغرافيا باعتبارها علما موسوعيا يقوم على حفظ وسرد واستعادة الأرقام وأسماء أعلام الدول وعواصمها وعدد سكانها وما تشتهر به من محاصيل وغلات زراعية ومنتجات معدنية وصناعية. وكان ذلك مفهوما فيما مضى حين كانت الجغرافيا تحاول أن تشق لنفسها مكانا عبر تسلحها بالأرقام وتمييز نفسها (سيما منذ منتصف القرن العشرين) بأسلحة الإحصاء والمعادلات فيما عرف بأزمة "الثورة الكمية والمنهج الوضعي".

لكن الثورة المعلوماتية – وفي المقام الأول الأطالس الرقمية والتخزين الإليكتروني للمعلومات الجغرافية على الحواسيب وشبكات الإنترنت المحلية والدولية – سلب هذه الميزة من الجغرافيين ومنحها للجميع فيما يتسق حقا مع المقولة الصادقة من أن الإنترنت "ديموقراطية شعبية" في مقابل "استبداد" واحتكار  المعلومات سابقا لدى فئة مهنية ووظيفية وحكومية.  

وجاء ما كان متوقعا وهو ضرورة الانتقال إلى تحليل وربط هذه المعلومات في ظل مفاهيم جديدة قائمة على العولمة والارتباط الكوني وبزوغ مفاهيم على شاكلة "العالم قرية كونية صغيرة" والتي قامت على فكرة موت المسافة Death of Distance بل ونهاية الجغرافيا End of Geography

بشكل تدريجي بدأ تيار – ما زال ضعيفا – في تعليم الجغرافيا في المدارس والجامعات يقوم على الاستفادة من الوسائل الموازية (اللوحة الفنية والأعمال الأدبية والسينمائية) لاستعادة روح الجغرافيا التي كانت دوما مكونا ثقافيا إنسانيا قبل أن تكون علما أكاديميا احترافيا أو  مصدرا لجمع المعلومات للإدارة والحكم والسلطة والاستعمار والدولة الحديثة.

كيف يتم تدريس جغرافية مصر ؟

عرف كثيرون الريف المصري من خلال الأعمال الروائية التي تحولت لمادة فيلمية سيما في "يوميات نائب في الأرياف" و"الأرض"  و "دعاء الكروان" و"البداية" كما تجلت لهم "أحشاء" المدينة من خلال تحويل أعمال روائية شهيرة - كثلاثية محفوظ - إلى أعمال سينمائية تناولت الحارة المصرية وأزقتها، ومع ذلك ما يزال قليل من الأفلام المصرية تعرض للصحراء في الفضاء الشاسع خارج الوادي والدلتا.

وتعد هذه الأفلام وغيرها من أفلام عالمية محفزا تعليميا وتثقيفيا للاقتراب من "المكان" (والجغرافيا علم المكان) بحيث يساعد هذا المحفز في فهم جغرافية مصر سواء الحاضرة أو التاريخية.

والفيلم الذين بين أيدينا "آلهة مصر (*) Gods of Egypt" مستوحى من الميثولوجيا المصرية القديمة ، ويتبنى الفيلم فكرة أن الآلهة التي خلقت العالم والبشر لا تعيش هناك منعزلة في السماء بعيدا عن مخلوقاتها، بل هي تحب من خلقت، وتفضل أن تكون قريبة منهم، ولكي يكون للآلهة ذلك القرب المحفوظ بالسلطة اختارت أن تكون حكاما للبشر الذين خلقت، وبالتالي صارت الآلهة تحكم المصريين وامتزجت معهم وشكلت حياتهم ومصيرهم.

تبدأ الحبكة الدرامية في هذا الفيلم مع مشكلة توريث الحكم للإبن بدلا من مروره المتوقع للأخ. فقد فضل أوزيريس تتويج ابنه حورس على أخيه سِت. استنادا على حجة أقنعت أوزيروس وهي أن الإله رع حين خلق ست لم يعطه ذرية.

والصراع بين أوزيريس وست هو صراع بين السلام والركود واللا مستقبل للبشر، ست إله الصحراء الذي عانى الألم والعزلة يريد تحريك الركود المصري بسيطرة قوة الصحراء الشرسة على قوة الوادي اللينة.

يقول ست لأوزيرس .."لقد حكمت ألف عام ..وماذا كانت النتيجة ..هؤلاء البشر يعيشون بلا أحلام..الآن قد حان دوري..على هذه الآلهة إما أن تطيعني أو تموت....وعلى هذه الرعية إما أن تذعن لي أو تستعبد"....

والنتيجة أن الكل يطيع ست ..ويركع ..ويعلو صوت القوة.

يقول ست إن أوزيريس خدع المصريين حينما مناهم ووعدهم بالحياة الأخرى حين وقوفهم عند بوابة العبور من الدنيا إلى نعيم الحياة الأخرى. يرى ست أن هذه خدعة وأن ليس للإنسان إلا ما كسبت يداه في هذه الدنيا.

يمضي بنا الفيلم فيصور العالم العلوي الذي لا يجلس فيه الإله رع (إله النور والشمس) في مركبته السماوية ناظرا إلى خلقه من بعيد، بل يدافع عن مصر كل ليلة قبل أن يهجم عليها تنين شرير يريد أن يزرع فيها الفوضى . يقول رع لحفيده حورس بعد أن يقتل التنين في ليلة من الليال "كما ترى..لو أخذتني سنة من نوم لتمكنت قوى الفوضى من أن تفتك بمصر".

في خضم تفاصيل الحبكة الدرامية يعلي الفيلم من قيمة الإنسان "المواطن" (بغض النظر عن كونه المصري أو العالمي بشكل عام) على حساب الآلهة الملوك...المواطن البسيط الذكي الحاذق "بِك" (وليس الإله حورس) هو الذي أنقذ مصر، بدون المواطن المصري لم يكن لحورس أن يتمكن من استعادة شىء وأهمها استعادة عينه المسلوبة.

لقد جاءت استعادة حورس عينه بفضل اثنين من الشعب ...اثنين من المواطنين ...شاب وفتاة تربطهما قصة حب. الفتاة التي سرقت الخريطة  التي تضم موقع العين من كبير المعمارييين دفعت حياتها ثمنا فداء لهذا العمل.

من جانب آخر، لا يقوم الفيلم على فانتازيا سينمائية في مفهوم ثورة الصحراء على الوادي، فعلى مدار فترات طويلة من التاريخ شهدت مصر انتفاضة الصحراء على الوادي وخاصة من عرب الصحراء فنالت منه وأدت في بعض الأحيان إلى تخريبه .

صورة اللاندسكيب الأخضر الذي يتناوله الفيلم عن أرض مصر المحيطة بالوادي ليس خيالا صرفا، فقبل نشأة حضارة الأسرات المصرية في عام 3100 ق.م كانت هناك فترات طويلة قبل ذلك (تمتد عمقا لنحو 40 ألف سنة) كان الإنسان يعيش فيها قبل إنشاء الدولة وحكم الأسرات في ظروف مناخية أكثر وفرة في المطر، وكانت تغطى أطراف الوادي واكثر إخضرارا مما هي عليه الآن.

يضم الفيلم معابد وصروح شامخة للحضارة المصرية، ويبدو من المفارقة هنا القول إن إعادة بناء المعابد والعمران باستخدام تقنيات الجرافيك في الفيلم هو محض إبهار، فهذا لا يتناقض مع ما وجده علماء الجيوأركيولوجيا (جغرفية وجيولوجيا الآثار) في كافة أرجاء الأراضي المصرية من نقوش ورسوم، والفيلم بهذا يساهم في إعادة تصور الماضي.

يعيد الفيلم تقديم مصر بروح "المشهد الكوزمبوليتان" مجسدا ذلك في وجوه البشر حين كانت مصر تضم بشرا من كافة أرجاء المعمورة آنذاك.

كان الفيلم متعمدا أيضا في الإسراف البصري في استعراض مشاهد التتويج الملكي وكميات الذهب والجواهر والأحجار الكريمة، ولذلك دلالة ذات مغزى لما وصلت إليه عظمة المملكة وثراء مواردها.  

وحينما أراد حورس أن يتغلب على ست (إله الصحراء) كان الخيار هو أن يطفي بالماء نار الصحراء، لكن مياه النيل جميعها – يقول حورس لم تكن لتكفي لكي تتغلب على الصحراء، اتجه حورس إلى رع إله الشمس وأخذ في قارورة صغيرة بعضا من مياه النهر السماوي. (الذي يسير عليه قارب الشمس).

ويروج الفيلم لمفهوم يكاد يكون مسلما به في تاريخ مصر وجغرافيتها وهو "الحتم البيئي" من أن خلق الصحراء والسهل الفيضي هو اختيار الأله رع.

وفي ذلك  يعاتب سِت رع قائا: "لما خلقتني في الصحراء حتي كانت قدماي العاريتان تحترقان  من سخونة الرمال بينما كان أوزيريس تلعب قدماه في مياه النيل الناعمة.

وفي الحوار الذي جمع بين ست وأبيه رع يدور حوار فلسفى حول مفهومي النظام والفوضى في مصر. وفي ذلك يعاتب ست أبيه رع لماذا لم تعطني ما أريد من قوة وسلطان؟ يجيب رع لأنك تمثل الفوضى، يرد ست: الفوضى ستعيد بناء كل شىء في نظام جديد..سأحكم مصر وأمتلك كل شىء.

يقتل ست أبيه رع ويترك قارب الشمس بدون راع له ...تهب قوى الفوضى على مصر تريد تدميرها ..بعد أن أهملها ست عائدا إلى ملكه في مصر. ثم يستدعي سِت (معبود الصحراء) الشياطين لتأتي إلى منابع النيل فتجففها وتبتلع النهر كله وتعيد أرض مصر إلى صحراء كاملة . ويتمكن حورس من قتل سيت وإعادة الحياة إلى أبيه رع الذي يعود إلى عمله مجددا إيقاف قوى الشر من ان تجفف مياه النيل.

وينتهي الفيلم بتبنى حورس ثورة على المفهوم الديني السابق في عهد أوزيريس، يقول حورس لرعيته: "من هذه اللحظة لن يكتسب الطريق إلى الخلود بمقدار العطايا من الذهب للآلهة بل بمقدار ما نقدمه في هذه الحياة من أفعال وسلوك وممارسات خيرة".

هل يمكن الاعتماد على الفيلم مصدرا للدرس الجغرافي ؟

من البداية ليس المقصود بأن يكون الفيلم السينمائي بديلا عن النص العلمي المكتوب، فالجغرافيا وإن كانت نصا تعتمد المهارات الأدبية والفنية في طريقة العرض، إلا أنها تستند في المادة التدريسية إلى الحقائق والمعلومات الدقيقة.

وتكمن الدعوة في الاعتماد على الفيلم في تدريس الموضوعات الجغرافية، وجغرافية مصر من بينها، في إيجاد محفز معرفي بصري للتفكير وليس بالضرورة للحصول على المعلومات. كما أن الهدف هو تشجيع مهارة التخيل وتدريب الذهن على مهارة جغرافية مهمة تعوض نقص العمل الميداني وهي الخيال الجغرافي الذي بوسعه استحضار مشاهد لم يتمكن الباحث من رؤيتها رأي العين.

وهذا الفيلم على خلاف الأفلام التجارية الأمريكية يقدم نموذجا يحترم مصر، يحترم الديانة المصرية القديمة، يقدم صورة مبجلة عن مصر، وعن ثروتها ورخائها. هذا الفيلم يقدم دعاية سياحية مجاانية لمصر لم يكن ممكنا تحقيقها بالمنتج المحلي المصري المتواضع هذه الأيام.

ولقد استوقف النقاد في العالم الغربي أن أن كل الأبطال ذوي بشرة بيضاء بينما يتناول الفيلم مصر الإفريقية السمراء.

وجدير بالذكر أن الفيلم يضم مشاهد ساخنة لا يليق بأن تعرض في قاعات الدرس والمحاضرات الجامعية ذات الهدف التعليمي والتربوي في المقام الأول. وبالتالي يحتاج هذا النوع من الأفلام إلى دراية الأستاذ قبل إعداد مقاطع الفيديو التي قد تحتاج إلى مونتاج لتصبح جاهزة  للعرض داخل قاعة الدرس الجامعي. 

 

(*)  أستاذ بقسم الجغرافيا، كلية الآداب – جامعة القاهرة.

(*)  الفيلم إنتاج 2016 من إخراج Alex Proyas ولعب فيه أدوار البطولة كل من :  Nikolaj Coster-Waldau, Brenton Thwaites, Chadwick Boseman, Élodie Yung, Courtney Eaton, Rufus Sewell, Gerard Butler and Geoffrey Rush. ورغم ان الفيلم يتناول أرض مصر إلا أن تصويره تم في الأراضي الأسترالية ذات البيئة الشبيهة في عض أقاليمها بالبيئة المصرية. بلغت تكلفة الإنتاج 140 مليون دولار وحقق أرباحا مقدارها 150 مليون دولار.  ويمكن قراءة المزيد عن الفيلم من صفحته الرمسية على الإنترنت :   http://www.godsofegypt.movie/