الجغرافيا السياسية للعملاق الصيني

الجغرافيا السياسية للعملاق الصيني

الجغرافيا السياسية للعملاق الصيني

 

بقلم: جون مولدن
ترجمة: عزت زيان
مراجعة وتحرير: عاطف معتمد


 

تقديم

يفترض أن نابليون الذي كان يعرف شيئا أو شيئين عن الإمبراطوريات و الإمبريالية قد لاحظ أن الصين كانت عملاقا نائما, وأن من يوقظه سوف يندم على فعلته. و في القرنين التاليين قامت القوى الاستعمارية الأوروبية بإيقاظ حكام الصين النائمين, و قامت الجيوش اليابانية بضرب قلب الأرض الصينية, و اقتحم الأيديولوجيون السوفيت مهد نظرائهم الماويين. و لكن الصين طردت المستعمرين و أخرجت اليابانيين و تخلصت من حماسة المستشارين الشيوعيين الستالينيين, و ذلك بدون أن تدخل المرحلة العالمية. و لم يقم الصينيون بالانتقام من الأوروبيين, بل إنهم سمحوا للبريطانيين بتثبيت أنفسهم في هونج كونج بعد الحرب. و لم يوجه أي عنف برعاية الدولة إلى اليابان التي تثير أعمالها الفظيعة وقت الحرب مشاعر الصينيين حتى اليوم. و عاد المستشارون الروس لبلادهم ببساطة, و لم يعاقبوهم على "مراجعتهم" الحقيرة. و طوال كل ذلك الوقت لم تكن الصين عضوا في الأمم المتحدة, و لم تكن السلع الصينية ظاهرة في الأسواق الدولية, و كانت الصين مستكينة في عزلتها التي فرضتها على نفسها. و كانت الكوابيس العنيفة, مثل "الوثبة الكبيرة للأمام" و "الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى", التي كلفت الصين ملايين الأرواح, تحرك الصين من آن لآخر, و لكن لم يكن لها تأثير على العالم الخارجي. و لم تؤثر المجاعات و الكوارث الطبيعية على أعداد السكان: فقد كانت الصين ذات الغالبية الريفية تنمو بصورة أسية, حتى ساهمت بحوالي ربع الحصيلة العالمية من الانفجار السكاني في القرن العشرين.

ولكن عندئذ, و في يوم مصيري من سنة 1971, أعلن الرئيس نيكسون عن أنه أرسل بعثة للعاصمة الصينية لإعداد الترتيبات لزيارة ليلتقي رئيس وزراء البلاد, شو إنلاي, و رئيس الحزب الشيوعي, ماو تسيدونج. و كان هذا الأمر يبدو غير مفهوم  لمعظم الأمريكيين, فكيف سيجلس رئيس أمريكي على مائدة واحدة مع حكام أكبر دولة شيوعية وحشية في العالم, و التي قتل جيشها الكثير من الجنود الأمريكيين في الحرب الكورية منذ عقدين فقط. و مع ذلك, و حتى قبل الزيارة, أعلنت الولايات المتحدة أنها ستساند أعمالا في الجمعية العالمة للأمم المتحدة لصالح منح مقعد لجمهورية الصين الشعبية. و بالرغم من أن الولايات المتحدة أعلنت أيضا أنها ستعارض طرد تايوان من الأمم المتحدة, إلا أن القرار الذي سمح بدخول الصين

 اشترط طرد البعثة التايوانية. و من الواضح أن الصين كانت على وشك دخول المرحلة الخارجية, مع ما ترتب على ذلك من نتائج لا يمكن توقعها. و عندما وصل نيكسون إلى بكين في 21 فبراير 1972, لم يكن من الصعب سماع صدى كلمات نابليون العميقة.

 

التدخل العنيف

كانت الصين في السبعينات لا تزال متورطة في الثورة الثقافية التي بدأها ماو و رفاقه في 1966. و نظرا لخوف ماو من تعرض الشيوعية الماوية لعدوى "الانحراف" السوفيتي, فقد أطلق حملة ضد ما اعتبره نخبة صاعدة في المجتمع الصيني. حيث حشد الشباب الذين يعيشون في المدن و الأحياء في مجموعات عرفت "بالحرس الأحمر", و أمرهم بمهاجمة العناصر "البرجوازية" في كل أنحاء الصين, و طالبهم بانتقاد مسئولي الحزب الشيوعي, و شجعهم على اقتلاع معارضي النظام. و أغلق كل مدارس الصين, و أعدم المثقفين الذين اعتبروا خونة, و شجع "الحرس الأحمر" على الدخول في ما سماه "التجربة الثورية" المتجددة.

و كانت النتائج كارثية. فقد وصلت عصابات الحرس الأحمر إلى الحرب فيما بينها. و انتشرت الفوضى و الإرهاب و الشلل العام. و اختفي الآلاف من مثقفي الصين البارزين, و طرد القادة المعتدلون, و تعرض كبار المدرسين و المواطنون المسنون و الثوريون القدامى للتعذيب لإجبارهم على الاعتراف بجرائم لم يرتكبوها. و عندما بدا الاقتصاد يعاني, انخفض إنتاج الغذاء و الإنتاج الصناعي. و أدى العنف و المجاعة إلى مقتل حوالي 30 مليون نسمة عندما خرجت الثورة الثقافية عن السيطرة.

و كانت نتائج كل هذا تخيم على الصين أثناء زيارة نيكسون, و لكنه لم يكن مطروحا للنقاش. فلم تناقش الشئون الداخلية للصين و لا الولايات المتحدة كنوع من البروتوكول. و بعد أن غادر نيكسون, استمرت الثورة الثقافية الواهنة تضرب البلاد, و كرئيس للحزب الشيوعي, استطاع ماو القوي أن يحقق أهدافه حسب إرادته, و لم يكن يقيده سوى زهو الأكثر اعتدالا. و مع ذلك, لا شك أن مكانة الحزب و سمعته قد عانت نتيجة الثورة الثقافية. إذ أن السلوك السيئ من الشباب تجاه المسنين في ثقافة استمرت لآلاف السنين تبجل مواطنيها الكبار أثار استياء واحتقارا كبيرين. و قد أثرت هذه النتائج السلبية على الكثيرين, و لم ينج منها سوى القليل. و انخفضت الثقة في قيادة الحزب كثيرا.

و لكن ما الذي أدى إلى حدوث المستحيل: نهاية حكم ماو؟ يرجع المؤرخون ذلك إلى تدهور صحته و فقدانه السيطرة خلال سنته الأخيرة, و إلى الصراع على السلطة

الذي هز الحزب و البلاد في متصف السبعينات. فلا شك أن الثورة الثقافية تركت الدولة و الحزب الشيوعي في حالة فوضى. و لكن الجغرافيين يشيرون إلى عامل آخر أدى إلى تسارع العملية. ففي 28 يوليو 1976, حدث زلزال مزدوج قريبا من مدينة تانجشان, على بعد حوالي 100ميل (160 كيلو متر) شرق بكين. إذ أن مدينة تانجشان التي كانت آنذاك بها حوالي مليون نسمة دمرت بالكامل تقريبا. بل إن خسائر الأرواح و الدمار المادي أيضا لحق مدينة ميناء بكين و تيانجين بالإضافة إلى بكين ذاتها. و يحتمل أن يكون عدد القتلى, الذي لم تؤكده السلطات الصينية أبدا, قد زاد عن 700000, مما جعله أسوأ كارثة طبيعية في القرن العشرين. و كذلك كانت جهود الإغاثة تعاني من الفساد و تفتقر إلى التنظيم و الكفاءة و الفعالية, و انتشر ذلك في أرجاء الصين التي عانت عقدا من الثورة الثقافية الماوية. و مات الرئيس لمدى الحياة في 9 سبتمبر بعد ذلك الزلزال بستة أسابيع. و ربما لم يكن ذلك مصادفة.

و إذا كان انفتاح نيكسون على الصين قد أثار الشكوك في الغرب (و من المؤكد أنه لم يعد هناك شك في الموقف الأيديولوجي للصين في الاتحاد السوفيتي) فإنه أدى إلى هواجس كبيرة في الصين ذاتها. فقد كان ماو يعارض بشدة تغيير النظام السياسي أو الاقتصادي الذي جعل جمهورية الشعب على ما كانت عليه. و لم يكن زهو يستطيع تغيير عقلية ماو, و لكنه كرئيس وزراء كان قادرا على تشجيع قادة الحزب الذين تبنوا نظرة أكثر واقعية لاحتياجات الصين. و كان من بين هؤلاء القادة الرجل الذي قاد الصين من بعد ماو من حالة السبات إلى انطلاقة النمر: دنج زياوبنج. ففي سنة 1976 المصيرية, عندما ضربت صراعات السلطة و الكوارث الطبيعية البلاد, صاغ دنج السياسات التي تجمع بين استمرار الديكتاتورية الشيوعية و اقتصاديات السوق. و خلال عقود, و ليس أجيالا بعيدة, كانت الصين قوة يحسب حسابها على الساحة الدولية. و مع نهاية القرن أصبحت قوة نووية, و ذات ثقل اقتصادي كبير, و قوة عسكرية ساحقة لديها أكبر جيش عامل في العالم, و قوة بحرية صاعدة, و قوة سياسية ذات تأثير متزايد في منطقتها و ما وراءها.



نشر هذا المقال أول مرة في مجلة الترجمان 2011 ، ولقراءة المقال كاملا يمكنكم تحميل الملف PDF أعلاه