حرب أنابيب الغاز في شرق أوروبا

حرب أنابيب الغاز في شرق أوروبا

حرب أنابيب الغاز في شرق أوروبا

بقلم عاطف معتمد
يناير 2006

«في زمن الشيوعية كان العالم يخشانا... لكن لسبب ما قررنا قبل عشر سنين استبدال الخوف بالصداقة. علينا إذن أن نتخلص من الطموحات الإمبريالية إلى غير رجعة، لكن ذلك لا يعني أن يغلوا أيدينا عن أمننا القومي الذي لن نتردد في القتال دفاعا عنه». فلاديمير بوتين (2001)


رئيس "غاز بروم" الكسي ميلر مع زميله الاوكراني
رئيس " ناقتوغاز" اوليسكي افشينكو ( رويترز )


ما زالت لدى موسكو بقية من قدرات التأثير في ذلك العالم الأحادي الهيمنة. صحيح إنها فقدت رونقها الأيديولوجي مع انفراط عقد الإمبراطورية، لكنها ما زالت قادرة على إجادة اللعب بورقتين مهمتين في عالم ما بعد السوفياتية هما النفط والسلاح، تزاوج بينهما أحياناً فتصنع من النفط سلاحا تستعيد به بعضاً مما ضاع منها. وما تجربتها مع أوكرانيا هذه الأيام إلا إحدى الأزمات التي ستتكرر في المستقبل المنظور.

حملت ليلة عيد الميلاد للأوكرانيين أخباراً سيئة هذه المرة، ولم يكن هذا الشتاء برتقالياً كنظيره في العام الماضي. فحين أوقفت روسيا ضخ الغاز عن أوكرانيا بحجة عدم دفع «كييف» السعر المناسب عالمياً، تذكر المتشائمون الأزمات الكبرى التي مرت بها أوكرانيا خلال القرن الماضي بدءاً من مجاعة الثلاثينات ومروراً بكارثة تشيرنوبل عام 1986، ووصولاً إلى شبح الحرب الأهلية العام الماضي حين انقسمت البلاد بين شرق موالٍ لروسيا وغرب موال للغرب.


انهاء الازمة

انتهت الأزمة بنوع من حلول الوسط – ترفع روسيا بمقتضاه سعر بيع الغاز في مقابل رفع أوكرانيا رسوم مرور أنابيب النفط الروسية عبر أراضيها - وأسدل الستار عن تلك القضية فجأة كما ظهرت من دون مقدمات.

هكذا خابت توقعات الصحف التي طرحت عناوين ساخنة على شاكلة «أوكرانيا تحت رحمة الغاز الروسي»، و «أوروبا العجوز تستجدي روسيا الصاعدة من جديد» و «القيصر بوتين يوجه ضربة لثورة التحرير البرتقالية» وغيرها من تلك التلميحات التي تروجها الصحافة الغربية منذ صعود نجم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في العام 2000 وهيمنته على مقاليد الحكم في موسكو.

وعلى رغم الموقف «التخويفي» الذي يتخذه الإعلام الغربي من سياسة روسيا الخارجية، وبصفة خاصة في قطاع الطاقة، لا بد من الإقرار بأن روسيا ما زالت تتعامل بسلاح النفط بحكمة جلية وتقدمه لمن يطلب في زمن «المصالحة الكبرى» بينها وبين العالم.

ففي الشرق تحصل اليابان والصين عبر النقل بالسكك الحديد والناقلات البحرية على حاجتيهما المتزايدة من الطاقة. وفي الجنوب تدور محركات المصانع وتعمل شبكة التدفئة في تركيا بفضل الإمداد الروسي عبر أنابيب القوقاز.

وفي الشمال تستعد الولايات المتحدة لاستقبال النفط الروسي عبر المحيط القطبي الشمالي في مسافة اقصر ووقت أسرع وربما سعر أقل من نظيره الخليجي. وفي الغرب تحصل أوروبا – عبر أنابيب الصداقة «دروشبا» - على ربع ما تستهلكه من إجمالي حاجتها.

تمضي الحنكة الروسية في استخدام ذلك السلاح مؤكدة على استمرار بيع نفطها بالدولار الأميركي وليس باليورو، في عملية دعم للعملة الأميركية خشية انخفاض حاد فيها وإصابة الاقتصاد الأميركي بهزة لا تتحمل روسيا عقباتها الوخيمة، وهذه أيضاً من قواعد التنافس وحكمة المواجهة.

كما أنها تمضي بحرية كبرى – كأكبر مصدر للنفط خارج أوبك - في تأمين احتياجات السوق الأوروبية بضخ مزيد من الإنتاج، لدرجة تصيب الأسواق أحياناً بهبوط حاد في الأسعار.

أما نقطة الاستفهام الرئيسة فيجب البحث عنها في الداخل الروسي الذي يتساءل مندهشاً: أين تذهب تلك العائدات الضخمة من النفط والغاز في وقت يعيش أغلب سكان الدولة في ظروف اقتصادية مخزية لا تناسب دولة عملاقة في الإنتاج والاحتياط النفطي؟

حين سئل الرئيس الروسي هذا السؤال في بث تلفزيوني مباشر تابعه ملايين المواطنين مؤخراً أجاب: «اطمئنوا، نحن نحتفظ بتلك العائدات الضخمة في صندوق خاص للأجيال المقبلة!».
 

أبعاد اقتصادية وجيوسياسية

من يبحث عن تفسير للأزمة المفاجئة التي تسببت بقطع الغاز الروسي عن أوكرانيا، لن يجد اجابات اقتصادية محضة بقدر ما سيـجد أبعاداً جيوسياسية وجيواقتصادية.

فمن الصعب استبعاد التفسير الذي يرى روسيا تمارس ضغطاً سياسياً – في الذروة الشتوية لاستهلاك الطاقة للتدفئة - على حكومة الرئيس الأوكراني فيكتور يوشينكو الذي دعمه الغرب ووصل إلى حكم أوكرانيا على رغم أنف الكرملين. وهي تفعل ذلك بالفعل مع جورجيا ومولدوفا. كما قد لا يرى البعض في الأمر أكثر من رغبة قطاع الطاقة الروسي في تحصيل عوائد أكبر للميزانية من سلعة تتصاعد مبيعاتها عالمياً، ومحاولة الكرملين مخاطبة كييف باللغة «الاوروبية» التي صارت تفهمها جيداً الآن، وبصفة خاصة بمفردات العرض والطلب لسلعة تشهد أسعاراً مدهشة قد لا تتكرر ثانية قبل عقود.

وبالضرورة يجب ألا نتبنى وجهات نظر الصحافة الغربية التي ترى روسيا قد تسرعت في معالجة قضاياها بطريقة الصدمة (وهو مصطلح كان قد شاع إبان البيريسترويكا) في وقت تمهد فيه أوكرانيا «الديموقراطية» أراضيها للأنابيب الروسية، وتفتح مياهها ليربض فيها الأسطول الروسي في البحر الأسود. فالأمر لا يخرج عن مبادئ لعبة التنافسات الدولية في منطقة شهدت تاريخاً مروعاً من الحروب وصناعة القلاقل الداخلية وتصفية الخصوم وإشعال الفتن والحروب الأهلية.
 

خريطة الانابيب

حري بنا هنا استحضار خريطة ستعود الى الواجهة كثيراً في السنوات المقبلة، وهي خريطة أنابيب النفط والغاز المتجهة من روسيا إلى السوق الدولية. فعلى هذه الخريطة ستمارس روسيا مع دول الجوار ما يسميه الباحثون «ديبلوماسية النفط» أو ما يسميه الصحافيون»حرب الأنابيب».



الجبهات التي سنشهد فيها حضوراً مكثفاً في المستقبل لدبلوماسية وحروب الأنابيب تترامى في رقعة أوراسية واسعة، تحمل النفط والغاز من روسيا إلى الشرق الأقصى، عبر جورجيا إلى تركيا، وعبر البلطيق إلى شمال أوروبا، وعبر البحر الأسود إلى جنوب أوروبا، وعبر دول شرق أوروبا إلى ألمانيا وايطاليا. إضافة الى المشاريع التي تحضر لنقل النفط القزويني عبر أفغانستان إلى باكستان ثم المحيط الهندي فأسواق جنوب شرق وشرقي آسيا.

وسيرفع من سخونة النزاعات على هذه الخريطة، خط الأنابيب المنتظر تشغيله نهاية العام الحالي 2006، والذي يصل بين باكو على بحر قزوين وجيهان في تركيا مروراً بجورجيا في غرب القوقاز. وهو خط يهدف – في شكل مكشوف - إلى حرمان روسيا من العودة ثانية إلى أواسط آسيا والقوقاز.

تفتح الخلافات التي تنشأ الآن بين أوكرانيا وروسيا جبهة جديدة لفاعلية خطوط الأنابيب الروسية في توصيل الطاقة إلى أوروبا، وهي ما تجعل روسيا تبحث عن طريق جديدة لتطويق شرق أوروبا والاعتماد على نفسها من دون تقديم عوائد مرور للدول الوسيطة.

الطريق الجديدة، التي ينتظر عشر سنين لتتحول من الخطة إلى التنفيذ - يمثلها خط الأنابيب المار من غربي روسيا تحت مياه بحر البلطيق إلى ألمانيا مباشرة. ميزانية المشروع تتقاسمها الشركات الروسية والألمانية مع اشتراط شركة النفط الروسية «غاز بروم» أن تكون لها حصة 51 في المئة. وما زال قرار البدء في المشروع معلقاً لأسباب عدة أهمها أن روسيا تود أن يكون المشروع ثنائياً مع ألمانيا، بينما تفضل الشركات الألمانية – على رغم قدرتها التمويلية - إدخال شركاء أوروبيين في المشروع من المملكة المتحدة وفرنسا وبعض الدول الاسكندنافية.

لكن الدول التي خرجت من الفلك الروسي لا تقف بدورها مكتوفة الأيدي. فقد اتفق الرئيسان الأوكراني والجورجي في شباط (فبراير) من العام 2005، على استعداد بلديهما لتوظيف شبكة أنابيب النفط والغاز التي تمر في أراضي الدولتين في شكل عكسي، بما يسمح بضخ نفط وغاز تركمانستان عبر البحر الأسود إلى جورجيا وأوكرانيا - وفي بعض الخطط الطموحة من العراق عبر تركيا إلى أوكرانيا - ليصل في النهاية إلى السوق الأوروبية من دون الحاجة للنفط أو الغاز من روسيا

الاستثمارات الأوروبية لن تترك أوكرانيا بمفردها. فالشركات الروسية تمتلك أربعاً من المصافي الست الموجودة في البلاد، ما يجعل تلك الشركات تتحكم في كميات الضخ والتكرير وترفع الأسعار كما تشاء بحكم سيطرتها على أكثر من 80 في المئة من استهلاك الطاقة في اوكرانيا.

لا تفعل جورجيا وأوكرانيا ذلك بقرارات مستقلة، فبحسب صحيفة «كييف بوست» استشارت أوكرانيا واشنطن في صيف 2004 حول إعادة تشغيل أنبوب نفط روسي قديم ينتهي في اوديسا على البحر الأسود. لكن واشنطن رفضت علانية، ونصحت كييف بعدم تشغيل الخط المذكور لأن ذلك سيزيد اعتمادها على روسيا وسيمنح الأخيرة نفوذاً أقوى، ولم يخل الأمر من مبررات بيئية حين أكدت الولايات المتحدة أن ذلك الخط سيضر بالبيئة البحرية في البحر الأسود وبصفة خاصة في مضيق البوسفور.

لكن في وسط ذلك الزخم من الأحداث لا بد من أن نتذكر أن أوكرانيا ليست عدوة لروسيا بقدر ما هي مختلفة معها. ولم يحدث التصدع بينهما سوى بعد الثورة البرتقالية في العام الماضي وإن بدت ملامح ضياع أوكرانيا منذ التدخل الأميركي في الفضاء الذي خلفه الاتحاد السوفياتي بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر). فقبل عام فقط كانت وسائل الإعلام الروسية والأوكرانية تتحدث باستمرار عن الوحدة المنتظرة التي ستضم روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا وأرمينيا، في نواة جديدة لإعادة التوازن بعد سقوط الشيوعية.

كانت روسيا تقدم أسعاراً تفضيلية لتلك المجموعة من الدول مقابل بقائها حليفة لها. لكن خلال العامين الماضيين سقطت أحقية جورجيا وأوكرانيا في أفضلية الأسعار بعد أن دعمت الولايات المتحدة إسقاط النظامين المتفاهمين مع موسكو (شيفرنادزه في جورجيا وكوتشما في أوكرانيا) وتحول البلدان إلى مخافر أمامية للولايات المتحدة في شرقي أوروبا والقوقاز.

يتبقى لروسيا دولتان تعتمدان على موارد الطاقة الروسية هما بيلاروسيا في شرق أوروبا، وأرمينيا في القوقاز الجنوبي، وكلاهما يخضع لاحتمالات التغير. فسيناريو الثورة البرتقالية قابل للتكرار في بيلاروسيا، كما أن أرمينيا تعيد ترتيب علاقتها بالولايات المتحدة في شكل إيجابي.

روسيا إذن تستخدم – في إطار سلمي حتى الآن - ما ينادي به الغرب من «اقتصاد السوق»، وتمضي نحو تحرير سعر النفط والغاز حتى يتناسب مع أسعاره الحقيقية، وإن كانت روسيا تواجه مشكلة صعبة هي أن الولاء المدفوع الأجر ربما لا يعمر طويلاً في مرحلة ما بعد السوفياتية، كما انه يتغير بتغير قيمة ونوعية الدعم.

يبقى في النهاية أن نستعد لمشهد ساخن آخر ستشهده أوكرانيا في آذار (مارس) المقبل حين تجرى فيها أول انتخابات برلمانية بعد مرور سنة من عمر حكومتها الشابة، ووســــط نمو للشـــعور القومي وتزايد التيارات المعادية لروسيا وارتفاع أصوات المنادين بالضغط على موسكو لإخراج أسطولها من المياه الإقليمية الأوكرانية، على نحو ما تطالب جورجيا بتفكيك روسيا قواعدها العسكرية والرحيل عن البلاد.

في آذار المقبل علينا أن نترقب آثار أزمة الغاز الأخيرة التي تبدو الآن كسيف ذي حدين. فقد يعتبرها الناخبون علامة على قلة حيلة النظام الأوكراني من دون الدعم الروسي، وإمكان إيقاع البلاد في خطر اقتصادي بالغ إذا لم يتصالح مع موسكو. وقد يحسن الرئيس يوشنكو استغلالها فيصورها كبقايا للإمبريالية الروسية ومخلفات قديمة من تسلطات «الأخ الأكبر». إن غداً لناظره قريب.