!بيت الحرية" .. همس الدولار وصوت الثوار"

!بيت الحرية" .. همس الدولار وصوت الثوار"

"بيت الحرية" .. همس الدولار وصوت الثوار!

بقلم عاطف معتمد
إبريل 2005


فترة مربكة تلك التي تعيشها الشعوب الآن، الحواجز الزجاجية تحول بينها وبين التغيير، فإذا ما انتفضت وجدت نفسها تتلقى التهنئة من المسئولين الأمريكيين الذين يفاخرون فجأة بتمويلهم الخفي لمنجزات الثورة عبر مؤسسات ماكرة أشهرها "بيت الحرية" .

هكذا بدا للوهلة الأولى أن على الشعوب الثائرة أن تختار إما لوم التاريخ بتهمة تسليم النفس-بوعي أو بدونه- دمية في يد القوى الإمبريالية، وإما أن تستسلم خانعة، متذرعة بأن دعما من "الشيطان" لا خير فيه.

بيت الحرية مؤسسة أمريكية يزيد عمرها اليوم عن 64 عاما، هدفها الذي يعبر عنه الاسم والشعار هو نشر "الحرية" في كل مكان، من فنزويلا في  أمريكا اللاتينية إلى قيرغيزيا في وسط آسيا الإسلامية.

 في أوكرانيا كان بيت الحرية حاضرا، وقبلها في جورجيا، ثم صار علامة فارقة فيما جرى في قيرغيزيا، الآن يتردد الاسم كثيرا في مصر وتونس وليبيا والأردن ولبنان.

أول القصيدة

الوجوه النسائية الداعمة لبيت الحرية اليوم، وفي مقدمتها مادلين أولبرايت وكونداليزا رايس تستمد شرعيتها من الجذور الأولى للمؤسسة؛ ففي عام 1941 نجحت "أنا إليانور" زوجة الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت بالتعاون مع المحامي "ويندل ويلكي" في تأسيس "بيت الحرية". ومنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية عرفت المؤسسة بشعاراتها التي ناهضت ديكتاتوريات أمريكا اللاتينية ونظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، والتعسف السوفيتي تجاه شعوب أوربا الشرقية، واضطهاد حقوق الإنسان في الصين والدول الإفريقية.

تحررت المؤسسة سريعا من مفاهيمها التي بدأت بها بُعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية من دعم مشروع مارشال لإعمار أوربا المدمرة إلى التخصص في إدارة الحرب الباردة عبر التغلغل السري في المجتمعات الشيوعية من الصين شرقا إلى كوريا غربا.

كما تحررت المؤسسة من قيود التمويل الحكومي، وصارت تتلقى تمويلا من قبل العديد من المؤسسات ذات المصالح الفردية الخاصة؛ وعلى رأسها مؤسسة البليونير اليهودي جورج سورس، الذي مول الثورتين الجورجية والأوكرانية بشكل مباشر.

وعلى الرغم من أن بيت الحرية يرى في نفسه منظمة "غير ربحية ومحايدة" فإن قليلين يصدقون هذا التجمل. فالمشكلات المسماة بحقوق الإنسان محط اهتمام بيت الحرية بكافة أطيافها، من دعم حقوق النساء في قيادة السيارات بالسعودية، إلى توبيخ فلاديمير بوتين رئيس روسيا بسبب المقابر الجماعية المكتشفة في الشيشان. كما تتباين إغواءات هذه المنظمة للمتعاونين معها، من منح دراسية وحضور مؤتمرات وورش عمل في الولايات المتحدة وأوربا، إلى دعم الثورات الشعبية وتمويل الانتفاضات ضد النظم الحكومية وضخ ملايين الدولارات للمنظمات غير الحكومية. ما زال جيمس ولسي رئيس بيت الحرية، الذي كان سابقا رئيس جهاز المخابرات الأمريكية CIA، يقول إن مهام بيت الحرية لا علاقة لها بالسياسة.

 أما خطاب الازدواجية فليس بجديد، عديد من الدول -مثل ليبيا- تصنف في مطبوعات مؤسسة الحرية كأسوأ نظم للحكم في العالم، بينما تتفاهم الإدارة الأمريكية معها بترحاب وصداقة، فهذه قصة وتلك حكاية. وهو أمر نجده في تقارير بيت الحرية، التي تتحدث عن تعذيب المعتقلين الإسلاميين في دولة مثل أوزبكستان، بينما الإدارة الأمريكية تراها دولة شراكة إستراتيجية.

 

معايير الحرية
 

يصدر بيت الحرية عديدا من المطبوعات بشكل دوري، أهمها التقارير السنوية المعروفة باسم: الحرية في العالم، ودول في مرحلة الانتقال، وتقرير حرية الصحافة. فضلا عن مطبوعات خاصة، أهمها تقرير الأوضاع الدينية ومستوى التسامح.

ومن أكثر ما اشتهر به بيت الحرية تصنيف دول العالم إلى درجات بحسب مستوى الديمقراطية، بناء على منح كل دولة عدة نقاط تجعلها إما دولة حرة، أو حرة جزئيا، أو غير حرة، وذلك بحسب مستوى الممارسات السياسية الداخلية. وتشمل هذه الممارسات نزاهة الانتخابات، فضلا عن مدى حضور مؤسسات المجتمع المدني، من حيث العدد ومدى تمويل الحكومة لها، وهل وصلت إلى تمثيل سياسي في المجتمع، وهل تعيش فوق الأرض قانونية أم تتستر خشية البطش من السلطة. ومن المعايير المهمة للحكم على مدى حرية الدولة -من قبل بيت الحرية- مستوى الرقابة على وسائل الإعلام، وحرية المناهج التعليمية وعدم توجيهها دينيا، وكذلك مدى وجود منظمات دينية متطرفة في الدولة. أضف إلى تلك المعايير شفافية الأداء الحكومي واستقراره ولامركزية الدولة، وأخيرا درجة الفساد الحكومي.

هذا وتعطي دول العالم نقاطا من 1 إلى 7 حسب المستوى الذي وصلته في الديمقراطية أو الديكتاتوريةوذلك حسب الفئات التالية:

الوصف الذي يعطى للنظام الحاكم

درجة الديمقراطية

ديمقراطية راسخة

1 إلى 2

ديمقراطية شبه راسخة

3

نظم انتقالية أو تزاوج بين الديمقراطية والاستبداد

4

نظم شبه استبدادية

5

نظم استبدادية

6-7

 

خريطة الاهتمام

هناك منطقتان تشغلان مكانة شديدة الحساسية على خريطة اهتمام بيت الحرية هما العالم العربي والدول المتفككة عن الاتحاد السوفيتي. وقد حلت المنطقتان محل دول أمريكا اللاتينية ودول أوربا الوسطى اللتين كانتا مركز الاهتمام خلال عقد الثمانينيات. في أمريكا اللاتينية تم دعم الانقلابات، عبر شبكة من المنظمات تعاون فيها بيت الحرية مع وكالة المخابرات الأمريكية، وفي أوربا الشرقية كان الهدف اختراق الستار الحديدي للمعسكر الشيوعي وإضعافه من الداخل، حتى بأيسر الوسائل كإذاعة أوربا الحرة. أما عن أسباب اهتمام بيت الحرية بالمنطقة العربية فقد سال من أجله حبر كثير، بعضه سُكب لاتهام هذه المؤسسات العربية -وأكثرها في صورة مراكز أبحاث ومنظمات للمجتمع المدني وجمعيات لحقوق الإنسان- بالخيانة الكبرى والتخابر مع الأمريكان، وبعضه راهن على أن التغيير يستحيل أن يأتي دون هذا الدعم، وأن نجاحا في الصراع الداخلي نحو الحرية بدون هذه القوى محض أوهام.

في الأمثلة السابقة، يصطلح على تسمية الدور الذي يلعبه بيت الحرية في الصراع الداخلي بين تيارات المعارضة والسلطات الحكومية باسم "القوى الثالثة". يتمثل دور القوة الثالثة في ترجيح قوة المعارضة أمام قوة النظم المستبدة. هذا التقسيم النظري يخفي أبعادا كثيرة شائكة مع اعتماد بيت الحرية أسلوب الدعم الانتقائي الذي يسهم في مرور القوى الثالثة إلى بعض الدول دون غيرها، بحسب حساسية علاقة الإدارة الأمريكية ببعض الدول والاتفاقات الإستراتيجية المبرمة معها.

شعوب في مرحلة انتقالية

في كل مرة تسأل فيها محاورك في الشارع الروسي عن سر استمرار التدهور للأمة الروسية ذات المكانة المهمة في التاريخ، تأتيك الإجابة بأن هذه مرحلة انتقال تشبه مرحلة الميلاد التي لا مفر من تحمل آلامها القاسية قصيرة الأمد كآلام المخاض.

ومنذ عام 1999 يصدر بيت الحرية تقريرا سنويا عن الدول المستقلة عن الاتحاد السوفيتي، والتي كانت تدور في فلكه، ويسمى التقرير "أمم في مرحلة الانتقال". تترامى أمم مرحلة الانتقال في ثلاث مناطق مفصلية في الجغرافيا السياسية في شرق أوربا، والقوقاز، وآسيا الوسطى. نجح بيت الحرية في أن يجري تجاربه الناجحة على دولة واحدة من كل منطقة فأطاح بنظامها القديم ودفع بالمعارضة إلى سدة الحكم:

- في القوقاز تم اختيار جورجيا في نوفمبر 2003 فقلب نظام الحكم فيها، وهو ما صنع رعبا لدول الجوار خاصة أذربيجان.

- وفي شرق أوربا تم اختيار أوكرانيا في ديسمبر 2004، وهو ما شكل تهديدا لدول الجوار خاصة بيلاروسيا ومولدوفا .

- وفى آسيا الوسطى تم اختيار قيرغيزيا في مارس 2005، وهو ما خلق فزعا لحكومات باقي دول الإقليم وخاصة أوزبكستان وتركمانستان.

في هذه الدول وفي غيرها، كان لبيت الحرية الدور الأكبر -بدعم مالي وإعلامي من السفارة الأمريكية والمخابرات المركزية والاتحاد الأوربي ومنظمة الأمن والتعاون في أوربا - في تدعيم حركات المعارضة الداخلية ومؤسسات المجتمع المدني والصحف المناهضة للدولة وقنوات التلفاز التي تتربص بالفساد وتفضح النهابين.

العالم العربي

بناء على معايير الحرية المشار إليها سلفا صنف تقرير بيت الحرية في عام 2005 كافة الدول العربية دولا غير ديمقراطية، واستثنى منها البحرين والأردن والكويت والمغرب التي منحت صفة الحرية الجزئية. بينما حصلت دول إفريقية مثل بنين وبوتسوانا وناميبيا على درجة الحرية الكاملة، متساوية في ذلك مع دولتين فقط في الشرق الأوسط هما إيران ودولة الاحتلال الإسرائيلي.

لا يوجد مفهوم اسمه العالم العربي في بيت الحرية، فلكل دولة، إذا ما استثنينا اللغة، ملف مستقل به بعض المتشابهات وبعض الخصوصيات، بما يجعل هذه الدول في نظر بيت الحرية حقلا جيدا للتجارب في ظل مجموعة التوترات التي بقيت دون علاج منهجي عبر العقود الماضية، وأهمها:

  • التشاحن العرقي الذي تعيشه بعض الدول العربية وهي واضعة يدها على الزناد، حالة توجد بشكل واضح في دول مثل العراق وسوريا والسودان والمغرب.
  • التوترات الدينية التي تعيشها بعض الدول مثل لبنان ومصر، ومن يراجع مؤتمرات أقباط مصر في الخارج فسيجد مشاركين من بيت الحرية على أهم موائد الحوار.
  • الحساسيات المذهبية داخل عديد من الدول العربية داخل الفضاء الإسلامي الواحد. ومن يقترب من دول الخليج والسعودية يعرف أن الاختلاف الشيعي السني أقرب الملفات للاستغلال المستقبلي. ومن يعايش الفئتين يجد نارا متقدة تحت الرماد، وما حديث العراق منا ببعيد.
  • التهميش السياسي لأحزاب المعارضة وتحويل كثير منها إلى مسميات على ورق وتسريب معلومات عن تحالفها مع الحكومات في الخفاء اتقاء للضرر وطمعا في الحياة. فضلا عن بلوغ الدول العربية درجة لا نظير لها في مستويات الفساد الحكومي حسب معايير بيت الحرية.
  • التناحر السلطوي- الإسلامي في عديد من الدول العربية في موجات بين مد وجزر.

هكذا فإن بإمكان بيت الحرية التغلغل في أي من الدول العربية. وإذا استفدنا من تجربة آسيا الوسطى وشرق أوربا فإن دولتين هما مصر ولبنان كانتا الأكثر قدرة على المحاكاة، بحكم ثراء النموذجين بأطياف متباينة المطالب: إسلامية ومسيحية وعلمانية وقومية ووحدوية.

 نقطة الفصل في إمكانية ترجمة أي من النماذج العربية إلى مستوى "دول مرحلة الانتقال" في آسيا الوسطى وشرق أوربا يقطع بها القرار السياسي الدولي وشبكة التحالفات والمصالح، وليس فقط خلاصات أبحاث بيت الحرية.

ولعل ما يجعل الطريق ممهدا أمام تغلغل بيت الحرية في العالم العربي هو غياب التمويل المحلي لمنظمات المجتمع المدني، سواء من قبل الدعم الحكومي أو بتبرعات جهات داخلية (يمكن من زاوية أخرى أن تحقق هذه الجهات مصالح خاصة داخل البناء السياسي للدولة).

ورغم أن رياح بيت الحرية ليست الأقوى بين الرياح التي تدفع أشرعة التغيير في العالم العربي اليوم، فإن المستقبل سيكشف عن نمو بالغ لهذه المؤسسة في عالمنا العربي سواء بالتغلغل المباشر أو بإملاءات سياسية، وهو ما سيكتب لها حضورا فاعلا لتحقيق أهداف بعضها لا يختلف على أهميته من حيث المبدأ، وأكثرها يفترق الناس حول غاياته المستترة.