لماذا يبدو السلام مستحيلا في الشيشان؟

لماذا يبدو السلام مستحيلا في الشيشان؟

لماذا يبدو السلام مستحيلا في الشيشان؟

بقلم عاطف معتمد
سبتمبر 2004

 

تحكي الرواية أن القيصرة الروسية يكاترينا العظمى (1762-1792م) همست ذات مرة لقائد عسكرها قائلة "لا بد أن نتفاهم مع أولئك الهمج حتى لا يأتي بوغاتشوف جديد فيصل بفأسه إلى مخدعي ومخدعك". كانت القيصرة آنذاك تقصد بالهمج أولئك الثوار من الفلاحين والمسلمين الذين انتفضوا ضد ظلم القياصرة، أما بوغاتشوف فقائد ثوري تغير اسمه عبر التاريخ من بقعة لأخرى ضد الإمبريالية الروسية.

صحيح أن التفاهم مع الثوار عقد غير مرة، أقدمها مع القيصرة يكاترينا العظمى في القرن الثامن عشر وأحدثها مع الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين عام 1997، إلا أن الرئيس الروسي الحالي فلاديمير بوتين ما زال مصرا على استبعاد أي حوار مع المقاومة الشيشانية رغم هزائمه المتتابعة أمامها، ولم يشفع له تحويله أرض الشيشان إلى سكن للأشباح، هذا رغم البراغماتية المفرطة التي يبديها الرجل في التعامل مع معطيات السياسة الخارجية والتفاهم مع أعداء روسيا التاريخيين وحتى مغازلة خصومها الأيديولوجيين.

لماذا تصر القيادة الروسية على المضي إلى ما لا نهاية في طريق الحرب والدماء؟ ألا تعرف روسيا السلام؟ أهي أمة ولدت لتحارب كما يقول مؤرخوها وفلاسفتها؟ ثم من أين للمقاتلين الشيشان بهذا المدد؟ كيف يخططون وينفذون ويخدعون عقلية مخابراتية يضرب بدهائها المثل في مشارق الأرض ومغاربها؟.


الحرب العمياء

فرغم تبني جماعة مجهولة مسؤوليتها عن تفجير طائرتين روسيتين الأسبوع الماضي وقتل جميع ركابها نبه ناشطون في مجال حقوق الإنسان الروسية إلى أن الطائرتين ربما أسقطتا بصواريخ دفاع جوي بمجرد الاشتباه بهما أو العلم بوجود محاولة للاختطاف، وذلك لتفويت الفرصة على فضيحة عالمية وتهديد أمن الدولة، أو ربما كانت الطائرتان في طريقهما للاصطدام بمراكز حيوية في الدولة، وهو ما جعل الحادثة تعرف في الإعلام الدولي بأحداث سبتمبر/ أيلول الروسية.سواء كنت قارئا جيدا للقضية الشيشانية أو محللا لمجريات أحداثها وعاكفا على متابعة تطوراتها، لن تنجو من الارتباك في فهم حقيقة ما يجري، وليس شرطا أن يكون كل ما يدور منسوبا للشيشانيين.

إذا قرأت صحيفة تايم الأميركية ستجد توني كارون يقربك من فكرة مفادها أن المقاتلين الشيشان زعزعوا الأمن الروسي على مدى الأسبوعين الماضيين بدعم مالي حصلوا عليه من أنشطة إجرامية أو من تبرعات المفتونين بدعم الجهاد في العالم الإسلامي. ورغم قلة عدد المقاتلين فإنهم يستطيعون تجنيد عدد أكبر من الشيشانيين في خلايا نائمة تقوم في الوقت المناسب بتفجير أنابيب النفط أو تلغيم طرق أو إلقاء متفجرات، والسبب الذى يدفع هؤلاء للعمل مع المقاتلين البطالة التي أصابت 80% من القوى العاملة في الشيشان.

أما إذا اطلعت على صحف أوروبية أكثر قربا من الواقع الروسي فربما تقنع بقياس منطقي يرى ما يحدث أكبر من قدرات فلول من المقاتلين البائسين، فاللعبة ترتبط بدعم من أعداء الرئيس بوتين، لا علاقة لهم بالشعب الشيشاني المشرد ولا غروزني المدمرة، هم فقط يستخدمون القضية لضرب بوتين وإعدامه سياسيا.

وهكذا تدخل إليك هذه الرؤى قناعات بأن أموال الملياردير المعتقل خودروكفسكي والملياردير اللاجئ إلى لندن بيروزفسكي تمول بساييف وشبكته في جميع أنحاء روسيا.

وقد تساءلت صحف غربية على مدى العام المنصرم عن كيفية تنقل بساييف ومسخادوف وتنسيق وتنفيذ عمليات تمتد من تفجير الطائرات إلى المسارح ومحطات المترو والمدارس دون الإيقاع بهم؟ واستشهدت هذه الصحف باستياء عدد من كبار الضباط في القوات المسلحة الروسية من كيفية بقاء الرجلين طليقي الحرية خلال كل تلك الفترة.

ومن ثم قد لا تكون المعضلة عدم قدرة الكرملين على الإيقاع بهما بقدر ما هي عدم رغبته في ذلك، وما زال كثير من الصحفيين الروس والأجانب الذين عملوا في الشيشان يعربون عن دهشتهم من صعوبة تخيل اختباء مثل هؤلاء القادة وتنفيذ تلك العمليات الخطرة في جمهورية صغيرة لا تزيد مساحتها عن 20 ألف كم2.

بكلمات قليلة فإن الإبقاء على بساييف ومسخادوف هو بعينه الإبقاء على مسوغات استمرار الحرب سياسيا (في الكرملين) واقتصاديا (سرقة الجيش للنفط في الشيشان)، إضافة إلى إبادة شعب بأكمله حتى تخمد لفترة طويلة قادمة قدرته على المقاومة، وما زال عدد كبير من ممثلي منظمات حقوق الإنسان الذين زاروا الشيشان يرصد بلوعة وألم تلك الوحشية في الانتقام العرقي من الشيشانيين.

وحين تراجع الإعلام الإسلامي ستشفق على حيرته، فهو من جانب يعنيه الاهتمام بالمأساة الإنسانية فى الشيشان، فمن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم. لكنه من جانب آخر لا يستطيع تمرير خطف الأطفال وتفجير طائرات المدنيين وترويع الآمنين، ومن ثم تجده ينشر فتاوى تحرم الخطف والقتل وتبرئ الإسلام منها، وتؤكد على شرف الغاية مع شرف الوسيلة.

بل إن موقعا إسلاميا شهيرا على الإنترنت مال إلى نفي الهوية الإسلامية عن محتجزي رهائن المدرسة في أوسيتيا الشمالية. كما نقلت آراء كبار رجال الدين الإسلامي تجاه ما يحدث وآخرها استنكار شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي لعمليات اختطاف الرهائن ووصف مرتكبيها بأنهم "مجرمون ولا علاقة لهم بالإسلام".

أما الإعلام الروسي فمشغول بما أسماه "الحرب العمياء" لوصف عمليات انتقامية يقوم بها تيار مستتر لا يمكن رؤيته ولا التوقع بجهة قدومه. تعتمد الحرب العمياء على إيقاع أكبر عدد من الضحايا الروس مع "حرق" الجاني سواء بتفجير منفذ العملية نفسه أو استعداده للموت خلال الاشتباك مع القوات الروسية.

يطلق الإعلام الروسي على هؤلاء اسم "شاخيدي" وهى جمع لمفرد الكلمة العربية "شهيد" ويقرنها بـ"الأرامل السمراوات" في إشارة إلى النسوة الشيشانيات اللائي نفذن عملية مسرح موسكو انتقاما لأزواجهن المقتولين في الشيشان.

ما يلفت الانتباه في مواجهة الحرب العمياء لجوء روسيا إلى مجلس الأمن في سابقة غير معهودة. فهي لم تفعل ذلك في حوادث أكثر دموية وحالت دون مناقشة القضية الشيشانية في الأمم المتحدة باعتبارها شأنا داخليا.

اللجوء إلى مجلس الأمن في أعين خبراء روس يعكس قلقا روسيا من "وحشية" العمليات الشيشانية ضد المدنيين منذ أحداث مسرح موسكو في أكتوبر/ تشرين الأول 2002، ولدى آخرين الحصول على ضوء أخضر لحملة عسكرية شاملة ضد الشيشان وربما ما جاورها من مناطق على الحدود الجورجية. ولدى فريق ثالث تهرب ماكر من مسؤولية ما يحدث في الشيشان وإخراج القضية من عقر الدار إلى العالم الأرحب حيث إلصاق التهمة بالتنظيم الهلامي المسمى بالقاعدة.


مخاوف روسيا على الطريق الاسلام

الحلول معروفة لكل ذي عينين في روسيا سواء بقبول آراء الخبراء الروس الذين ينادون بانتقاء أصحاب التوجهات القومية مثل مسخادوف وفتح قنوات للحوار معهم بعيدا عن ذوي التوجهات الدينية المتطرفة، أو بالاستجابة لآراء الديمقراطيين والليبراليين بتنويع الوجوه السياسية في المسرح السياسي بما يسمح بوجود اختلافات في وجهات النظر فيتم الوصول لحل للمشكلة مع حفظ ماء الوجه لساسة الكرملين.

ومن مكرور القول أن نؤكد على أهمية الشيشان لروسيا جيوبولتيكيا واقتصاديا وعسكريا وثقافيا، غير أن موسكو يساورها الشك إذا ما ركنت إلى أن التجربة الدامية في الشيشان قد لا تغري آخرين بطلب الانفصال اعتمادا على أن "العناد" الشيشاني لا مثيل له في القوقاز.

فمن يضمن حدود الشيشان الفعلية؟ من يقدم لموسكو دليلا على الاكتفاء بحدود الشيشان الحالية دون الانطلاق منها إلى الجمهوريات والأقاليم المجاورة، على غرار ما حدث فى هجمات ستافربول عام 1995 وداغستان عام 1999 وأنجوشيا بين العامين 2000 و 2003 وأخيرا أوسيتيا الشمالية في الأسبوع الماضي. ثم من يضمن لروسيا ألا تتحول الشيشان إلى جورجيا جديدة بالوجود الأميركي والقواعد العسكرية قيد الإنشاء.

ويبدو لنا أنه وحتى انتهاء فترة رئاسة فلاديمير بوتين في مارس/ آذار 2008 لا يجب أن ننتظر نزولا على مطالب السلام، بل إنه إذا ما استمر نظام الرئيس بوتين في تجميد الحياة السياسية لما بعد 2008 وتسليم السلطة إلى جماعات المصلحة بطريقة لا تختلف عن تسليم السلطة في الشيشان إلى علي الخانوف خلفا لقديروف المغتال في مايو/ أيار الماضي فلا يجب أن ننتظر نزوعا إلى السلام في القضية الشيشانية قبل عقد من الآن على أقل تقدير. وربما ليست مصادفة أن يعلن الرئيس الشيشاني أصلان مسخادوف عن ترتيبه لشن هجمات ضد روسيا لـ20 سنة مقبلة.


الأمن في مقابل الاستقلال

من جانبهم يقدم المنظرون الشيشانيون وثيقة "الأمن في مقابل الاستقلال" كخطة طريق للتفاهم مع روسيا يكفون بموجبها عن ترويع آمنيها إذا ما اتفق على إعلان الاستقلال، وذلك من خلال المراحل التالية:

1. توقف روسيا عن حربها الدامية فى الشيشان، يتم بعدها الرجوع إلى اتفاقية السلام والتعاون المشترك التي وقعها الرئيس يلتسين والرئيس الشيشاني مسخادوف في 12 مايو/ أيار 1997 كنقطة بداية لتنظيم العلاقة بين الجانبين.

2. إنشاء منظمة للأمن والتعاون القوقازي تضم الشيشان وروسيا وجورجيا وأرمينيا وأذربيجان وبمراقبة منظمة الأمن والتعاون الأوروبي والولايات المتحدة.

3. إنشاء قوات حفظ سلام من الدول الأعضاء فى منظمة الأمن والتعاون القوقازي.

4. تشكيل مجلس مراقبة دولي تسهم منظمة المؤتمر الإسلامي فى تكوينه إضافة إلى مراقبين من مجلس التعاون والأمن الأوروبي والولايات المتحدة ومجلس التعاون القوقازي.

ولا تعول الخطة على الاعتماد على الأمم المتحدة ضمن مجلس المراقبة لمكانتها المهتزة ودورها المشكوك في فاعليته، رغم إشارة الخطة في موضع آخر إلى أن الدول الأوروبية والولايات المتحدة وإن لم تشارك في الهجوم على الشيشان فإنها ساعدت روسيا في احتلال الأرض وقتل الشعب بسكوتها عما تفعله وعدم رفع إصبع واحد أمامها اعتراضا.

ولم توجه الخطة أية إشارة لطبيعة دور منظمة المؤتمر الإسلامي التي لديها عشرات من مشكلات الأقليات الإسلامية في العالم ولم تشارك حتى الآن في مواقع أخف سخونة وأقل تعقيدا. ففي القوقاز مثلا لم تزد مشاركتها في الأزمة بين أرمينيا وأذربيجان حول مرتفعات كاراباخ عن دعوة كل الأطراف التي تسببت في احتلال أراضى أذربيجان المسلمة لسحب قواتها من الأراضي المحتلة.

5. تكوين منطقة تخوم عازلة حول حدود الشيشان بما يتراوح بين 50 و100 كم يرصد فيها المراقبون خروقات الاتفاق من كلا الجانبين. إضافة إلى ضرورة تفكيك القاعدة العسكرية الروسية فى موزدوك بأنغوشيا.

وبتحقيق الاستقلال للشيشان ستنعم روسيا وحلفاؤها الغربيون بالأمن -تقول الخطة- وستكون الشيشان تجربة سلمية يمكن تطبيقها في بقية أنحاء القوقاز المشتعل، سواء في جورجيا أم في أرمينيا وأذربيجان.

وتختتم خطة السلام الشيشانية بالآية 216 من سورة البقرة التي تدعو المؤمنين بالاستعداد للقتال وإن كرهته أنفسهم فقد يكون فيه خير لهم. وهي إشارة تترجم ما ألحت عليه الخطة من أن الجهاد سيظل الحل البديل لزعزعة الأمن كوسيلة للوصول إلى الاستقلال.

وفي النهاية فما دامت الشيشان تقابل الولع الروسي بالاستعمار بولع عرقي وديني للتحرير فيجب ألا نتوقع إلا استمرار مسوغات الحرب وغياب بشائر السلام.