الجغرافيا في خدمة الحرب والاستعمار .. كيف سعت النازية لتوظيف نظرية المكان المركزي

الجغرافيا في خدمة الحرب والاستعمار .. كيف سعت النازية لتوظيف نظرية المكان المركزي

الجغرافيا في خدمة الحرب والاستعمار .. كيف سعت النازية لتوظيف نظرية المكان المركزي

بقلم: تريفر بارنيس
عرض وقراءة: عاطف معتمد
"المصدر الأصلي للمقال منشور في دورية الجغرافيا الاقتصادية عدد يناير 2012 :
Trevor J.Barnes (2012) Notes from the Underground: Why the History of Geography Matters: the Case of Central Place theory. Economic Geography, vol. 88 No. 1"

يعاني التخصص العلمي الأنجلو أمريكي من تقديمه عناية قليلة للغاية بتاريخ تطور أفكاره ونظرياته. ويميل ممارسو هذا العلم إلى المبدأ القائل "لا تنشغل بغير ما في يديك  Just do it " والذي يكون فيه الاهتمام باللحظة الحالية في الجغرافيا الاقتصادية قد أخضع وغلب كل ما سواه.

لكن إن أردنا فهما أعمق لطبيعة التخصص العلمي للجغرافيا الاقتصادية فعلينا الرجوع الى لحظات فارقة من تاريخ هذا العلم. فالمعرفة التاريخية عن تخصصنا العلمي تمكننا من إدراك أننا كثيرا ما نكون "عبيدا لأحد الرواد القدامى في الجغرافيا الاقتصادية slaves of defunct  وهو ما يعني أننا لا نستطيع الفرار من جغرافيتنا ولا من تاريخنا المتخللان داخل أعماق أفكارنا التي نعتقها، وأن كافة التضمينات الفكرية للجغرافيا الاقتصادية تكون في بعض الأحيان خفية (مختبأة) عمدا، بل وسرية، وتنكشف فقط فيما بعد عبر البحث التاريخي الاستقصائي.

لكن هذه المهمة ليست هينة، فغالبا ما تكون الجغرافيا الاقتصادية ممانعة للالتفات إلى ماضيها. فموقفها من التاريخ يعبر عنه أحد دارسيها وهو هنري فورد الذي قال عام 1916  " نرغب في أن نعيش في الحاضر، وأن التاريخ الذي قد يستحق منا اهتماما عابرا هو التاريخ الذي نصنعه اليوم". أما جورج سانتيانا، الفيلسوف البراغماتي الشهير في جامعة هارفارد فيقول "إن أولئك غير القادرين على تذكر الماضي محكوم عليهم بأن يكرروه مرة أخرى".

أهمية الأرشيف

تقول الباحثة الشهير ة ستولير Stoler  "إن الأرشيف ترسانة من الأسلحة"، لما يحتويه من أسرار تفتح على مزيد من المعارف المهملة في كثير من القضايا. وقد علق الجغرافي الأمريكي إدوارد أولمان في عام 1941 قائلا "يبدو أن نظرية المكان المركزي مليئة بالديناميت". وذلك في إشارة الى التاريخ الخفي لهذه النظرية الذي يكشف عن كثير من المفاجآت. ويتسق ذلك مع ما ذهب إليه الفيلسوف الألماني الشهير فريدريك نيتشه بقوله "انا لست إنسانا ...أنا ديناميت" Nietzsche 1979 (1888) داعيا الناس إلى قراءته بمحتوى البركان الذي يعتمل داخله. لا مفر إذن من أن سبيلنا في الوصول إلى معلومات وأفكار جديدة هو البحث في أرشيف الأفكار والملاحظات المدفونة والمختبئة.

ومنذ الإضافة التي قدمها الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في 1972 كتب كثير من الفلاسفة عن الأرشيف وعلاقته بالتاريخ فيما يعرف الأن باسم التحول الأرشيفي Archival Turn على نحو ما تقول ستولر Stoler, 2009 . وبينما يبدو الأرشيف جافا ومتربا، ويتحول في بعض الأحيان إلى تراب وغبار، فإن محتوياته يمكن أن تكون دافقة نابضة ومملؤة بالحياة بشكل مذهل. ولا يجب أن نظن أن ما "يتبقى" في الأرشيف ليس هو ما "تخلف وترسب" أو أصبح "مهجورا ومتروكا" أو بطل استعماله Obsolote، ففي كثير من الأحيان يكون ما تبقى في الأرشيف مليئا بالكنوز المعرفية. وقد تحدثت ستولر Stoler 2009 عن ما أسمته فعلا "نبض الأرشيف the Pulse of Archive وكانت تقصد ما بهذا الأرشيف من حيوية وقدرة وإمكانات حياة مكنونة بداخله.

ومن المهم الانتباه إلى أنه ليس هناك أرشيفا مفصلا بشكل كامل، ولا يتسم بالشمولية، وليس هناك أرشيفا واضحا بلا غموض. فمحتويات الأرشيف المتلعثمة والمشوشة تتسم بالتبعثر والتجزؤ وعرضه لأن تفسر تفسيرات متناقضة. كما أن الأرشيف موضعا يمكن أن نرى فيه العالم وهو يغير من سرعاته وتوجهاته. وحين ننظر إلى الأرشيف لابد أن نبحث عن الجديد، فالوصول إلى نتيجة مفادها أن حاصل ضرب اثنين في اثنين يساوي أربعة ليست بشيء جديد ...بل هي بداية الموت.

وتعتني هذه  المقالة بالبحث في أرشيف نظرية المكان المركزي وهي أشهر النظريات الجغرافية في القرن العشرين وتطورت على يد إثنين من علماء الجغرافيا الاقتصادية وهما الألماني: فالتر كريستللر Walter Christaller (1893-1976) والأمريكي إدوارد أولمانEdward Ulman (1912-1976).

ولنحو 15 عاما انشغل كاتب هذا المقال بتذكر ماضي الجغرافيا الاقتصادية. وقد بدأ مسيرته في ذلك بتسجيل 36 تاريخا شفهيا مستقلا لعلماء في الجغرافيا الاقتصادية على مدى أكثر من 5 سنوات، بداية من عام 1997.

الجغرافيا والحرب

 تمثل الحرب والجوانب العسكرية إحدى المجالات الخفية في علم الجغرافيا. فقد تم استخدام المعرفة البحثية من قبل الجيوش لخوض الحروب واحتلال الفضاءات المكانية للعدو. فأرشميدس في عام 200 ق.م استخدم في سيراكوزا Syracuse معارفه في الرياضيات والفيزياء والهندسة لخلق أشعة حارقة تحول سفن العدو إلى حطام متفحم.

واستمرت مثل هذه الوسائل لألفي سنة تالية حين تم استخدام المعرفة لتيسيير قهر الأعداء ودحرهم. وبلغ هذا التطور ذروته في الحرب العالمية الثانية فيما عرف باسم مشروع منهاتن Manhattan Project الذي طور السلاح المهلك المتمثل في القنبلة النووية التي يمكن أن تنهي الحياة على الأرض.

وبدهي أن بناء القنبلة النووية تطلب مصادر فكرية متعددة، جمعت ما توصلت إليه القوة العقلية لرواد علم الفيزياء عبر العالم. ومن ثم كانت الحرب العالمية الثانية تعرف بأنها حرب "الفيزيائيين"، وقبلها عرفت الحرب العالمية الأولى بأنها حرب "الكيمائيين" نظرا لما طوره هذا التخصص العلمي من أسلحة الموت وخاصة الغازات السامة ومختلف أنواع المتفجرات.

لم تكن العلوم الفيزيائية (الطبيعية) هي التي دخلت الحرب وحدها. فقد كانت العلوم البشرية أيضا، بما فيها الجغرافيا البشرية. فقد أسهم في هذه المسيرة الأكاديميون الجغرافيون منذ لحظة تأسيس تخصصهم العلمي، وكان أول إسهام واضح ذلك الذي ظهر مع نهاية الحرب الفرنسية – البروسية عام 1871، حين أدرك الناس على نحو ما يعبر تشارلز دالي Charles Daly رئيس الجمعية الجغرافية الأمريكية في نهاية القرن التاسع عشر، بأن " خوض الحروب كان يعتمد على الخرائط بنفس قدر  اعتماده على البارود".

وخلال الحرب العالمية الأولى، ساهم الجغرافيون الأمريكيون في اللجنة البحثية التي شكلها الرئيسي الأمريكي وودرو ويلسون، وهي منظمة تألفت من 150 عالما في تخصصات العلوم الإنسانية، وساهمت في تقديم العون للمجهود الحربي الأمريكي ومحادثات السلام فيما بعد، بما في ذلك التفكير المسبق في إعادة رسم خرائط أوروبا. وكانت هذه اللجنة العلمية تتخذ من الجمعية الجغرافية الأمريكية مقرا لها في نيويورك.  وكان من بين أعضائها البارزين إشعيا بومان المعروف باسم "جغرافيَّ الرئيس روزفلت". وفي فرنسا كانت اللجنة البحثية تقوم بعمل مشابه وفي طليعتها كان الجغرافي الرائد فيدال دي لابلاش.

على هذا النحو لم تكن المعرفة والتخصصات العلمية الأكاديمية منفصلة عن الحرب والاحتلال، فالسعي للحرب وما يتبعه من احتلال عسكري اعتمد كثيرا على أفكار صاغها أكاديميون وباحثون، ومن بينهم أولئك العاملين في العلوم الإنسانية، والجغرافيا من بينها. وكانت العميليات العسكرية ولا تزال تعتمد على المعرفة بالمكان والقدرة على إدارته واستخدامه ورسم سياسات استراتيجية للفضاء المكاني. وكانت العلاقة المحورية بين الجغرافيا والعمليات العسكرية موجودة أيضا في بعض الأفكار التي قدمها ميشيل فوكو، وذهب فوكو مثله مثل الجغرافي الفرنسي الشهير يف لاكوست (مؤسس مجلة هيرودوت الشهيرة في الفكر الجيوبوليتيكي) إلى أن الجغرافيا "تستخدم أولا وقبل كل شيء لخدمة الحرب". وكان ذلك جليا خلال الحرب العالمية الثانية، التي برزت خلالها واحدة من النظريات الجغرافية الكبرى، وهي نظرية المكان المركزي Central Place Theory

فالتر كريستللر ونظرية المكان المركزي

ليس واضحا تماما لماذا انضم كريستللر إلى النازيين، فقد كان اشتراكيا وعضوا في الحزب الشعبي الديموقراطي، بل وهرب إلى فرنسا لفترة قصيرة في عام 1934 بعد أن حظر هتلر حزبه السياسي. وبعد انتهاء الحرب مباشرة أصبح كريستللر شيوعيا، وبقي عضوا في الحزب حتى عام 1953.

لكن خلال الحرب، تحول كريستللر إلى التعاون مع النازية وانخرط بوضوح في مشروعات هدفت إلى تحقيق إمبراطورية الرايخ الثالث، بما في ذلك النظرة النازية العنصرية عن النقاء العرقي والإمبراطورية المتوسعة وفقا لمبدأ البحث عن مجال حيوي Lebensraum   وما يتضمنه ذلك من تجريد الناس من ملكياتهم وما يرتبط بذلك من وسائل الطرد والنفي والاستبعاد والإبادة.

وكان كريستللر بعد عودته من فرنسا قد وجد عرضا للعمل مع كونراد ماير Konrad Meyer أستاذ علم الأراضي والزراعة بجامعة برلين  وعضو الحزي النازي  والذي عمل بشكل مباشر تحت زعامة القيادة النازية. 

كونراد ماير والخطة العامة للشرق: The General Plan of the East

كان ماير مسؤولا عن الإدارة الأكاديمية النازية، وفي عام 1936 عين رئيسا لرابطة الرايخ لبحوث المناطق وهي الرابطة التي قدم لها كريستللر، وغيره عديدون من الجغرافيين الألمان، أبحاثهم. وقد بدأ كريستللر عمله مع هذه الإدارة بإعداد الأطلس الألماني للمجالات الحية Atlass des Deutschen Lebensraumes .

لكن الأكثر أهمية لكريستللر أن ماير كان أيضا رئيسا لقسم التخطيط والأراضي وذلك تحت لجنة الرايخ التي يقودها هيملر نفسه، تلك اللجنة المعنية بتعزيز وتدعيم السلطة والسيادة الألمانية Germandom .  

وعمل كريستللر في قسم تخطيط الأراضي في المكتب الرئيسي الذي كان ماير يعمل فيه في برلين. وساعد في تخطيط الأراضي الجديدة التي سيطرت عليها ألمانيا والمعروفة باسم المقاطعات الشرقية، وبلغ التعاون ذروته في المشروع الذي عرف باسم الخطة العامة للشرق Generalplan Osten

وكان ماير هو المخطط الأول في الخطة العامة للشرق، وهي خطة بالغة السرية، انتجها وأشرف عليها الحزب النازي، وإن كان معظم وثائقها قد تعرض للتدمير قبيل نهاية الحرب وذلك بسبب ما تحتويه من أدلة جنائية تدين واضعيها ومخططيها.

وفي ربيع 1941 كان مكتب ماير يخطط الأراضي البولندية التي استولت عليها ألمانيا. وبعد قيام ألمانيا بغزو واحتلال بولندا في سبتمبر 1939 ـ والذي كان بمثابة شرارة الحرب العالمية الثانية  ـ تم تقسيم بولندا إلى ثلاثة أقسام: (1) غرب بولندا واستولت عليها ألمانيا وجعلتها جزء من الرايخ الثالث وضمت مقاطعات وارثيلاند Wartheland (التي عرفت لاحقا باسم وارثيجو Wartheagua) و معها منطقة وانزينج  ـ بروسيا الغربية؛ (2) وسط بولندا والتي أصبحت إقليما خاضعا للاحتلال العسكري وعرف باسم إقليم "الحكومة العامة"؛ و (3) شرق بولندا وتم تسليمه للاتحاد السوفيتي كجزء من الاتفاق السري الذي وقعه الجانبان الألماني والسوفيتي قبل أسبوع من العدوان الألماني على بولندا.

كان هيملر مسرورا بجهود ماير في الخطة البولندية، خاصة بعد ان أرسل ماير لهيملر بعد ثلاثة أسابيع من الغزو الألماني للاتحاد السوفيتي في يونيو 1941 خطة أكثر توسعا تنطبق ليس فقط على بولندا بل وكافة الأقاليم الشرقية الخاضعة لألمانيا. واعتمد هيملر الخطة وأمر في يناير 1942 بتحديد كافة الأسس القانونية والسياسية والجغرافية الضرورية والمطلوبة لإعادة بناء "الشرق" الأوربي متضمنا هذه المرة شبه جزيرة القرم ومدينة ليننجراد. وأرسل ماير هذه الأسس لهيملر كنقطة استعداد لتطبيقها.

وقد اعتمدت الخطة العامة للشرق على استراتيجيتين من الاستعمار والإجلاء، وكان الاستعمار يعني الجرمنة Germanization (صبغ الإقليم بالهوية الألمانية) من خلال جلب مواطنين ذوي أصول آرية لاستعمار الأقاليم المحتلة حديثا، وكان من المنتظر أن يأتي هؤلاء ذوي الأصول الألمانية من أقاليم مثل دول البلطيق، ورومانيا، وهولندا. ولتحقيق ذلك كان من المتوقع جلب 4.5 مليون مستعمر مُجرمن Germanized خلال فترة 30 سنة ( ورفع الرقم لاحقا الى 10 مليون).

وفي المقابل كان الإجلاء والطرد هو مصير معظم السكان المستوطنين للأقاليم الشرقية  (وجلهم من السلاف)  ممن لم يكن مرغوبا فيهم في خطة الجرمنة المطروحة. وانطوى الإجلاء على التخلص من هذه الشعوب أو استعبادهم في أعمال السخرة والعبودية والتجميع في معسكرات للموت. وكان العدد المخطط للتخلص منه تراوح بين 30 إلى 65 مليون إنسان.

حكم الخبراء The Rule of Experts   تحت الاشتراكية الوطنية

لم يكن انخراط ماير كأستاذ جامعي استثناء. فقد اعتمد المشروع الاشتراكي القومي بشكل محوري على المختصين الأكاديميين. ورغم المسيرة الجنونية لهتلر وهيملر وجوبلز وغيرهم من الزعماء النازيين، إلا أنهم كانوا كثيرا ما يستخدمون معرفة ومنطق عقلاني مستمد غالبا مما كان يقدمه مستشارون من الوسط الأكاديمي الألماني. صحيح أن بعض المشروعات الأكاديمية النازية كانت مشروعات رعناء، لكن بصفة عامة كان معظم الأعمال الأكاديمية التي يقدمها علماء وتكنوقراط وتتسم بعقلانية كبيرة، وذات توجهات تهدف إلى تحقيق الأهداق والنتائج. ولم تكن ذات دوغمائية أيديولجية أو تعصب أرعن للمعتقد الفكري، حتى لو كانت هذه الدراسات والأبحاث قد استخدمت لاحقا لتدمير ملايين البشر!

وقد قدم بولييه Burleigh (1988) دراسة حالة رائدة عن الأكاديميين الألمان الذين ساهموا بأبحاثهم خلال فترة الحرب مشيرا إلى كريستللر . وقد تناولت دراسة بولييه الأبحاث التي قدمت عن المناطق المستعمرة حديثا في الأقاليم "الشرقية" (فيما عرف باسم البحث الشرقي Ostforschung) خاصة عن بولندا وتشيكوسلوفاكيا ولاحقا عن الاتحاد السوفيتي. وكان "البحث الشرقي" بهدف إلى بناء "قاعدة معلومات" تشمل إحصاءات وخرائط عن الشعوب المستعمرة من أجل إخضاعها والسيطرة عليها. ولم تكن عمليات الطرد والإبعاد والإبادة والإجلاء والتهجير تأتي بقرار نازي علوي بل بناء على أبحاث العلماء الأكاديميين المدعومة بخرائط وأشكال ورسومات من خلال أبحاث تلقت دعما ماليا سخيا.

على هذا النحو لم يكن كريستللر أكثر من مجرد باحث من باحثين الشرق Ostforcher الذين وضعوا معارفهم طواعية وبحماس تحت تصرف النظام النازي. وكان كريستللر بخرائطه وأشكاله البيانية مهتما بغرب بولند، أو على الأقل بالجزء الغربي الخاضع للاحتلال النازي من بولندا، بحيث سعى لأن تطبق عليه نظريته عن المكان المركزي. ومن ثم كانت بحوث كريستللر عن الشرق تسهم بشكل مباشر في تسهيل تطبيق سياسة البحث عن المجال الحيوي الألماني من ناحية، ودعم السياسة الألمانية تحت قيادة هيملر من ناحية ثانية.

كريستللر باحث في الشرق  

قد يعتقد البعض أنه لم يكن أمام كريستللر من خيار إلا أن يصبح باحثا في مشروع الشرق. فالتهديد بالسجن والعنف كان قريبا من كل فرد، وكان موظفو الدولة مطالبين بأن يكونوا أعضاء في الحزب النازي. لكن علينا هنا أن نتذكر أن كريستللر اختار طواعية أن يعود إلى ألمانيا النازية بعد فراره إلى فرنسا في 1934. بل إنه لم يعد إلى ألمانيا شخصا مجهولا يندس تحت الأرض، بل عاد ليعمل في قلب الأحداث مع ماير والحزب النازي. وفي المقابل يمكننا أن نقارنه بأوغسط لوش August Losch، المنظر الآخر لنظرية المكان المركزي، والذي تمكن من العمل في معهد حكومي طوال فترة الحرب العالمية الثانية لكنه لم يلتحق بالحزب النازي ولا أسهم في مشروع "الزحف نحو الشرق" Drang Nach Osten. وهنا تظهر أطروحتان: الأولى مفادها أن النازيين استخدموا العلماء لإضفاء الصبغة العلمية علىى مشروعاتهم الاستعمارية، والثانية أن العلماء استخدموا القرب من صناع القرار النازيين في ضمان تدفق دعم مالي كاف لتمويل أبحاثهم، أو أن الطرفين استفاد كل منهما من الآخر.

وينطبق ذلك على حالة كريستللر الذي لم تكن أطروحته للدكتوراه تلقى اهتماما من الاقتصاديين، كما لم يعره الجغرافيون في عصره بالا، لاهتمامهم آنذاك بالجغرافيا الإقليمية. ولم يكن محتوى دكتوراه كريستللر بما تضمنه من قوانين، وتنظيمات وأبعاد رياضية وحسابية مثيرا لهم. إذ كان التراث الفكري الجغرافي آنذاك قد عبر عنه هارتسهورن (1939) في عمله "طبيعة الجغرافيا". وجعل هارتسهورن من التراث الإقليمي الألماني بمثابة النسخة الزرقاء (البروفة) العلمية للجغرافيا الأمريكية لاحقا.

ويستوقفنا هنا أن قائمة المراجع الموسوعية التي عاد إليها هارتسهورن في عمله "طبيعة الجغرافية" عام 1939 (وكان كثير منها بالألمانية) لم تضم أية إشارة لنظرية المكان المركزي في ألمانيا الجنوبية التي قدمها كريستللر في أطروحته للدكتوراه، رغم أن الجامعة التي كان يحاضر فيها هارتسهورن (جامعة ويسكنسون) كان بها نسخة من كتاب كريستللر.

على هذا النحو لم تكن هناك سوى جماعة واحدة أبدت اهتماما بكريستللر، واعترفت هذه الجماعة بالقدرات الإمكانية لنظرية المكان المركزي، ومن ثم احتفت بها، وقدمت لها الفرصة لأن تكون "على صلة relevant “ بالأحداث والوقائع، وأن تكون قريبة من الحدث الجلل آنذاك، فتتخذ من أوربا الشرقية مجالا لتطبيق النظرية، وكانت هذه الجماعة هي فريق كونراد ماير والنازيون.

جذبت نظرية المكان المركزي ماير والنازيين، لأنها تحتوي في بنيتها الداخلية على الثنائية الاشتراكية القومية المتناقضة Oxymoranic من العقلاينة واللاعقلاينة (والتي أسماها جيفري هيرف G. Herf في 1984  "الحداثة الرجعية Reactionary Modernism  " النازية). ورغم أن الأهداف الكبرى للنازية كانت عدوانية بشكل مرعب ومبنية على تاريخ أسطوري ووجودية ثقافية ودوغمائية وتطرف، إلا أنها سعت إلى تحقيق تلك الغايات الشريرة من خلال تطبيق العلم والعقلانية، والتكنولوجيا الجديدة، والإدارة الحاسمة، والدعم اللوجيستي والتنظيمي وآليات التخطيط. وكان لدى نظرية المكان المركزي القدرة على توطين هاتين المتناقضتين معاـ ولو بشكل جزئي، وهو ما جعلها محل اهتمام من قبل المشروع النازي لإعادة بناء "الشرق". فقد كانت نظرية المكان المركزي عقلانية من زاوية أنها تحدثت بلغة القوانين والمنطق والاستنتاج والتدخلات الحسابية. فقد خرج كريستللر في رسالته للدكتوراه إلى القول: إنني لست معنيا "بالعبارات الوصفية" بل بـ "نظرية كلية واستدلالية. وفي هذه النظرية طور ثلاثة مبادئ تخطيطية للتنظيم الحضري وهي:

ك = 3 التسويق

ك = 4 النقل

ك = 7 الإدارة

وأثبتت هذه المبادئ، أن نظرية المكان المركزي هي نظرية علمية، ومحققة بشكل متفاوت لإدارة سياسة رشيدة، وإنتاجية اقتصادية متعاظمة في مجال الخدمات والانتاج الصناعي والزراعي، وتحقيق نقل فعال.

وفي المقابل تقبل نظرية المكان المركزي ان تُسحب تجاه السياسات الرجعية وبالتحديد تجاه الانحراف السياسي التي أعطاها لها كريستللر لتخطيط الأقاليم استنادا على أسس من المزاعم. وهذا التأكيد يبدو محوريا لأنه سمح لنظرية المكان المركزي لأن ترتبط بشكل مباشر مع الريف ومن ثم مع الأيديولوجية النازية الرجعية عن التراثية الشعبية Volk الساعية إلى "ابتلاع الفرد والتضحية بالذات في سبيل الحركة الحزبية.  

تطبيق النظرية في غرب بولندا

تم اختيار إقليم وارثيجو في غرب بولندا ليكون حقل تجارب للمخططات النازية لأقاليم الشرق، وورشة عمل لتنفيذ نظرية المكان المركزي. وبعد تدمير النظام السياسي في بولندا ودمج غرب البلاد في الإمبراطورية الألمانية سعى كريستللر إلى خلق وحدات مساحية (جغرافية) جديدة في فترة وجيزة من الزمن.

على هذا الأساس تم التحضير لإعادة ترتيب البناء الهرمي (الهيراركي) الحضري لغرب بولندا طبقا لنظرية المكان المركزي. وفيه بدت هناك ضرورة لإنشاء بلدة جديدة تسع لعدد سكاني حجمه 25 ألف نسمة على الأقل وكانت هذه البلدة ستبنى من العدم. وكان البديل الآخر الذي قدمه كريستللر أن يتم تطوير قدرات مدينة بوسين Posen (بوزنان Poznan) لتسع 450 ألف نسمة (بدلا من حجمها آنذاك البالغ 350 ألف نسمة). كما خطط كريستللر لإنشاء 36 بلدة ريفية جديدة. وفي كل بلدة منها يتم تشييد مقر للاشتراكية القومية فضلا عن ميدان لشبيبة هتلر وميدان مركزي للاحتفالات بالانتصارات النازية.

ومن بين الجوانب التي خطط لها كريستللر في غرب بولندا كان إعادة تنظيم مدينة بوسين (شكل 1) بما تحتاجه عمليات الجرمنة وإجلاء غير الألمان منها. وكان التقدير أنه في مقابل استقدام فرد ألماني جديد للمدينة يتم إجلاء من 2 إلى 3 أفراد بولنديين منها. ورغم أن سكان المناطق التي تم الاستيلاء عليها في الإقليم بغرب بولندا والبالغ عددهم 1.1 مليون نسمة كان "مجرمنين" بالقدر الكاف لأن يبقوا في الإقليم، إلا أنه فيما يخص الترتيب الهرمي الكريستللري كان مطلوبا دفع نحو 3.4 مليون ألماني إلى هذه المناطق الجديدة وذلك من أجل إنشاء مدن جديدة بحجم دوسلدروف Dusseldorf وكولون Cologne.

ويعبر شكل (1) والذي رسمه كريستللر حين كان يعمل في مكتب ماير عن التخطيط العمراني لإقليم وارثيجو ومدينة بوسين.


شكل (1)النموذج المتروبوليتاني لدى كريستللر لمدينة بوسين في غرب وسط إقليم وارثيجو.

وتوضح الخريطة البلدات الجديدة التي يجب إنشاؤها، والتي لاحظ كريستللر إنها "ملحة ولا غنى عنها لكي نوفر للمستوطنين جذورا ليشعروا أنهم في وطنم" وفي المقابل فإن غير الألمان ( نحو 3.5 مليون من السلاف ونحو نصف مليون من اليهود) كان ينتظر تهجيرهم من الأقاليم التي استولت عليها ألمانيا ويدفع بهم إلى القسم الأوسط من بولندا (إقليم الحكومة الجديدة) ويكون مصيرهم مختلفا تماما عن الثقافة الشعبية Volkish لسكان المناطق الغربية من بولندا التي ضمت للإمبراطورية الألمانية. ولم يكن القسم الأوسط من بولندا مخططا لنظريةالمكان المركزي. بل وفقا لسياسات أخرى تقوم على العزل والمحو وما يتضمنه ذلك من نظام الجيتو في وارسو وأربع معسكرات نازية للموت.

مصير كريستللر

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية حوكم كونراد ماير بجرائم حرب في محكمة نورمبرج، وخلال الدفاع المقدم من قبل ماير حصل كريستللر على تبرئة من أية تهم. وكانت حجة الدفاع المقدمة في نورمبرج قد قامت على أن الخطة العامة للشرق لم تنفذ مطلقا. وخلص القضاة إلى أنه لم يكن هناك دليلا واحدا لدعم الاعتقاد بتهمة جرائم الحرب، فالخطة العامة للشرق كانت في نظرهم "دراسة علمية مستقلة" وبالتالي وجهت لماير أقل التهم ضررا (حكم بالسجن لفترة محدودة) وحصل في نهاية المحاكمات على البراءة لانقضاء فترة العقوبة خلال المحاكمات. وتمكن لاحقا في عام 1956 من أن يحصل على وظيفة أستاذ تخطيط الأراضي في جامعة هانوفر.

أما كريستللر فلم يحصل في المقابل على أية وظيفة أكاديمية، وفشل في أن يندمج في العالم الأكاديمي لزمن ما بعد الحرب. ولم تعط له الفرصة للظهور عل مسرح الأحداث العالمية سوى في 1960 في المؤتمر الجغرافي الدولي الذي عقد في لند Lund في السويد التي صارت منذ ذلك التاريخ قبلة لعلماء الجغرافيا البشرية.