الجغرافيا السياسية للقوقاز

الجغرافيا السياسية للقوقاز

الجغرافيا السياسية للقوقاز

 

* لغة الكتاب : الروسية 
* تأليف: جاد جييف 
* الناشر : ( دار العلاقات الدولية موسكو) 
* عرض : د.عاطف معتمد 
ديسمبر 2003



المؤلف في سطور 
جاد جييف 
يعتبر أحد أشهر علماء السياسة الروس في العقدين الأخيرين. ينسب له الفضل مع ثلة من الجغرافيين في بعث علم الجيوبوليتيك الروسي من مرقده بعدان كان قد حجب عن البحث لقرابة خمسة عقود سوفيتية بسبب التوظيف السيئ للجغرافيا السياسية في ألمانيا الهتلرية قبيل وأثناء الحرب العالمية الثانية. 
وتناول جادحييف أساليب حديثة في البحث الجغرافي السياسي، ولجادجييف عشرات المؤلفات في استراتيجية روسيا وسياستها الخارجية. فضلا عن ابحاث عالجت الاهمية السياسية لنفط وغاز بحر قزوين ، والامن القومي الروسي، وعلاقة روسيا بدول الجوارعلى المحور الجنوبي (تركيا وايران، واذربيجان) كما اولى عناية لدراسة الاسلام السياسي في روسيا والقوقاز . 
أبى القرن العشرون ان يمضي دون ان يترك الناس شهداء على احداث وتغيرات عظمى متواترة. يصلح كل حدث منها ان يسمى حدث العصر. وتجد روسيا نفسها عقب سقوط عالم القطبين ملزمة ان تعيد حساباتها فيما يمس مكانتها في مركب القوى الجيوبوليتيكية في عصر اليوم. بل وتعيش روسيا الآن في اضغاث احلام من تهديد ببلقنة أراضيها. وصار الحفاظ على وحدة اطراف الثوب الروسي أحد المشاغل الرئيسية التي تبات روسيا مهمومة بها. 
وفي مجمل الامر يظل اقليم القوقازرغم الهدوء الظاهري واحدامن النقاط الساخنة في آسيا والعالم بأسره وتترك المشكلات السابقة آثارا وخيمة على مستقبل إقليم لم ينعم منذ قرون بالهدوء والاستقرار. ومن الاسئلة المطروحة بقوة ما إذا كانت روسيا ما زالت دولة عظمى قادرة على المنافسة على الساحة الدولية؟ وما هو مستقبلها وماهي توجهاتها؟ وهل يمكن ان يكون انفصال جمهوريات القوقاز بداية لمسلسل متتابع الحلقات تعلن فيه جمهورية بعد أخرى انفصالها لتتلاشى روسيا الكبرى. 
خاصرة آسيا 
بموقع جغرافي لا يتكرر، يتوسط القوقاز خاصرة آسيا بين بحر قزوين والبحر الأسود. وبعدحروب وصراعات لقرون متتابعة اقتسمت الاقليم اربع دول متناحرة هي:روسيا وأذربيجان وأرمينيا وجورجيا. والقطاع القوقازي الذي تسيطر عليه روسيا يسمى بالقوقاز الشمالي (ويضم سبع جمهوريات ضمن الاتحاد تقع في اقصى الطرف الجنوبي لروسيا) أما ثلاثية دول اذربيجان وجورجيا وأرمينيا فتسمى معا بالقوقاز الجنوبي. ولقد نقل العالم الاوروبي عن الرحالة العربي الشهير ابن فضلان مشاهداته عن القوقاز في اثناء حمله لرسالة الاسلام الى البلغار والصقالبة والتي حملها اياه الخليفة العباسي المقتدر بالله في مطلع القرن الرابع الهجري. 
ويمثل الاقليم لكونه حلقة وصل بين الشرق والغرب والشمال والجنوب حضارة أورو آسيوية إلا أن التأثيرالثقافي الآسيوي أكثر وضوحا. 
ويقطن القوقاز أكثر من 50 شعبا يتحدثون بلغات مختلفة ولهجات متنوعة. وقد أصاب ابن فضلان حينما أطلق على الإقليم مسمى «جبل الألسن» في إشارة بليغة إلى التنوع الكبير في لغات الإقليم. وتاريخيا خضع القوقاز للتنافس الفارسي التركيالروسي (ومن ثم المسيحيالاسلامي). وكان القرن السادس عشر مسرحا زمنيا لتصادم القوى التي دهست الاقليم تحت سنابك خيولها. وكان لروسيا نصيب الاسد في السيطرة على الاقليم لتبدأ حلقة دامية لم تنته حتى الآن. 
وداعاً روسيا 
ضربت العولمة أو بالاحرى الأمركة محاولات روسيا للافاقة من زلازل تفكك الاتحاد السوفيتي الذي ضرب العالم في 1991 وتلقت روسيا ضربات موجعة بهذا التفكك وباتت غير قادرة على مواجهة الافلاس الايديولوجي في بلد بحجم قارة يحاول ألا يواجه مشكلات الحداثة بعقلية عتيقة تتحرر ببطء من مفاهيم الحرب الباردة. 
وتواجه روسيا خطرا ايديولوجيا يتمثل في الوقوع بين شقي رحى، حافتها العليا الافلاس القومي في معتقدات متهاوية كالقيصرية والامبراطورية او الشيوعية بحيث تزعزع ايمان ابناء هذه الدولة بدور ومكان بلدهم على المسرح الدولي. بل ان قطاعا مهما منهم يتساءل: وماذا تعني مكانة رفيعة على الساحة الدولية لبلدلا يزيد متوسط الدخل الشهري فيه عن 300 دولار (قطاع مهم من السكان وهم فئة كبار السن لا يحصلون على 100 دولار شهريا) أما الحافة السفلى لهذه الرحى فهي الفسيفاء العرقية المؤلفة منها هذه الدولة بحيث تتهدد روسيا مخاطر انقسامها الى دويلات على اسس قومية او عرقية او دينية. 
والمعضلة الأخيرة تؤثر بالدرجةالاولى على«مشاغلة» روسيا وانكفائها على شؤون داخلية تعطل جزئيا من تفرغها للسعي نحو مكان مهم تحت الشمس الدولية. ولعل احد اهم المظاهر التي يقارن بهاالروس انفسهم بالولايات المتحدة اضافة الى الدخل الفردي الانفاق العسكري على مستوى الدولة والذي يقل عن نظيره في الولايات المتحدة بنحو 25 مرة. 
ويتزايد يوما بعد يوم الاعتقاد بأن روسيا بمفردها لا يمكنها ان تقف في وجه الولايات المتحدة ولابد للعودة لنموذج الاتحاد ولكن ليس السوفيتي هذه المرة. 
تسعى روسيا لعقد تحالفات شراكة مع دول مهمة في اوربا مثل فرنسا والمانيا وفي آسيا مثل التحالف مع الصين والهند. ويساعد روسيا على ذلك موقعها الجغرافي الاوراسيوي. كما تمد روسيا ذراعها الى القوى المؤثرة في العالم الاسلامي وعلى رأسها ايران. 
ورأي روسيا في ذلك أن النظام العالمي الحالي يناسبه حضور خمس أو ست دول عظمى ووصيفات عدة من الدول متوسطة وقليلة الاهمية والمتمتعة بشكل او آخر من الاستقلالية السياسية. فالعلاقات السياسية اليوم تعتمد هكذا ترى روسيا على الديناميكية على خلاف حالة الثبات التي كانت تتميز بها العلاقات الدولية سلفا والتي كان دخول طرف ما في أي من الكتلتين يعني نهاية اللعبة . 
اما اليوم فان اللعبة متعددة الاوجه وقد لا تستمر دولة ما في مسار بعينه الى ما لانهاية . فالتغير وحده هو الحقيقة الثابتة. 
القابض على الجمر 
على عاتق القوقاز الشمالي (الخاضع للسيطرة الروسية) يقع جزء مهم من الحيرة التي تعيشها روسيا في اختيار طريقها الدولي، بحيث ان اية دعاوى للاستقلال او تفعيل العلاقة مع السلطة المركزية ستصطدم حتما بدولة تعيد بناء بيتها المتهدم ولا وقت لديها للسماح بانتقاص جزء من الهيبة الدولية المهددة لدولة لم تتعود على طعم الهزيمة. وتعتبر روسيا اكبر اتحاد فيدرالي في العالم. فهي تتكون من 2491 وحدة إدارية. وتنتمي هذه الوحدات الى خمسة مستويات إدارية كبرى كالتالي: 
(أ) الجمهوريات: وعددها 21 جمهورية. 
(ب) الأقاليم (Oblast orregion ): وعددها 49. 
(ج) المناطق (Krai or territories ): وعددها 6. 
(د) مدينتان ذواتا استقلالية فيدرالية خاصة وهما موسكو وسان بترسبرج. 
(هـ) إقليم حكم ذاتي: إقليم الحكم الذاتي اليهودي في أقصى شرق روسيا على الحدود الصينية. 
(و) مقاطعات الحكم الذاتي: وعددها 10 . 
ومن الناحية النظرية فإن الجمهوريات ووحدات الحكم الذاتي قد بنيت على أسس إثنية لغوية وباقي الوحدات الإدارية بنيت على أسس تنظيمية مكانية. ويشمل اقليم القوقاز سبع جمهوريات من الجمهوريات الاحدى وعشرين التي تتألف منها الدولة. وهذه الجمهوريات السبع هي: الشيشان، انجوشيا، وداغستان. وأوسيتيا الشمالية، وقبردين بلقاريا، وقارتشي، شيركيسيا، والأديغة والجمهوريات السبع تسكنها أغلبية اسلامية. 
وقد شهد القرنان السابع عشر والثامن عشر معارك دامية لضم روسيا الاراضي التي تشملها اليوم هذه الجمهوريات. وخرج للدفاع عن الارض مجاهدون كبار أمثال الإمام غازي محمد والإمام منصور اضافة الى الإمام شامل ذائع الصيت. ولم يكن انتهاء كفاح الإمام شامل في عام 1864 إلا بداية لدخول مرحلة جديدة من الصراع مع السلطة القيصرية ومن بعدها السوفيتية التي جرمت اية محاولات للاستقلال واحاطتها بالحديد والنار من 1917 الى 1991. 
ومع انفراط عقد الاتحاد السوفيتي ظنت الشعوب الاسلامية في القوقاز ان روسيا الجديدة يمكنها ان تقبل بانفصالها عنها واعلنت الشيشان رسميا عن الاستقلال من جانب واحد في نفس العام (1991). 
غير ان شيئا كثيرا لم يتغير ونشبت حرب ضروس بلغت ذروتها في حرب الشيشان الاولى 19941996 وحرب الشيشان الثانية 1999 2002. ولم تتمكن الشيشان من الاستقلال وتعرضت لخسائر فادحة. وكان الدرس واضحا لباقي جمهوريات القوقاز السبع. ورغم ان الدستور الرسمي لروسيا مبني على مبدأ الفيدرالية (الاسم الرسمي لروسيا : الاتحاد الفيدرالى الروسي) الا ان هناك عدم اتفاق حول مفاهيم الفيدرالية بين المركز في موسكو ومناطق الأطراف في الدولة . وعلى رأسها الجمهوريات الإسلامية في القوقاز. 
المكتوي بالرمضاء 
أذربيجان وجورجيا وأرمينيا ثلاث دول كانت حتى عهد قريب خاضعة لموسكو شكلا ومضمونا. لكن العلاقة بين موسكو وهذه الدول تعاني في العقد الأخير من مشكلةرئيسية هي «عدم الثقة». فالدول الثلاث ما زالت ترى في روسيا المستعمر القديم الذي لم يتخلص بعد من احلام السيطرة والامبراطورية. وروسيا تنظر اليها كعملاء للاستعمار الجديد والتغلغل الامريكي والاوروبي. وفي الوقت الذي تسحب فيه روسيابقايا قواعدها العسكرية من هذه الدول تزرع الولايات المتحدة قواعد بديلة تحت ذرائع لا تستطيع موسكو مناقشتها مثل محاربة الإرهاب الدولي وتنظيم القاعدة. وبهذاالشكل يمكن تخيل طبيعة العلاقات الروسية القوقازية على مدى العقد المنصرم والتالي على السواء. فجورجيا باعتزازها القومي لا ترضى بأي تغلغل جديد لموسكو بل وتعقد شراكة مع الولايات المتحدة وتفتح اراضيها لقواعدها العسكرية. 
ومن جانبها تتهم تبليس موسكو بدعم الحركات الانفصالية خاصة في جمهورية ابخازيا الواقعة على الحدود بين الدولتين. اما موسكو فلا تمل تتهم تبليس بدعم الانفصاليين في الشيشان. 
ويحتم التجاور الجغرافي للدولتين ضرورة الوصول الى حل للمشكلات السياسية والا ستحمل العقود التالية صورا مشابهة للتناحر والاتهامات المتبادلة. واذربيجان بديانتها الاسلامية وثروتها النفطية المتنامية فتحت الباب على مصارعه لشركات الاستثمار الامريكية والبريطانية وتتعاون عسكريا في المقام الاول مع تركيا العضو في حلف الناتو والشريك الدائم للولايات المتحدة منذالعهد السوفيتي. 
وروسيا من جانبها تدعم أرمينيا المسيحية في نزاعها الحدودي مع اذربيجان عسكريا وسياسيا واقتصاديا. أما أرمينيا فهي الدولة الوحيدة التي تربطها بروسيا علاقات ود ولا تنسى يرفان (عاصمة أرمينيا) لموسكو دعمها للسيطرة على اقليم ناجورنو كاراباخ وانتزاعه من السيطرة الأذربيجانية. ولا يعكر صفو علاقات الود بين موسكو ويرفان سوى تقارب الاخيرة مع واشنطن لنقل بترول بحر قزوين عبر اراضيها الى تركيا. وعلى محور متواز تتنامى العلاقات الارمينية الايرانية خاصة في تصدير النفط الايراني الى ارمينيا. وفي مجمل الامر فإن الجغرافيا السياسية للقوقاز الجنوبي تهيمن عليها تبعات الماضي واغراءات المستقبل. 
الماضي المفعم بذكريات التسلط وانعدام الثقة. والمستقبل المغري بالرفاهية الاقتصادية بالشراكة مع الغرب. 
دور الاسلام 
يجد الباحثون أنفسهم مشدودين إلى مكانة ودور الإسلام كأحد العوامل المحددة للوضع في القوقاز بعد تفكك الاتحاد السوفيتى. ويبلغ تعداد المسلمين حسب الاحصاءات الروسية نحو 15 مليون نسمة (احصاءات غير روسية تصل بالعدد الى 22 مليوناً) يعيش منهم في القوقاز نحو 6 ملايين نسمة. وبعد ما عانى الاسلام في الفترة السوفيتية من اضطهاد حاول الظهور مرة أخرى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. الا ان الافكار التي تخيف روسيا ودول القوقاز الجنوبي على السواء هي سيطرة التوجهات الاسلامية في القوقاز المدعومة بافكار داعية الى الاستقلال على اساس ديني والتخلص من التبعية «لديار حرب» وتوحيد «ديار الاسلام» القوقازية. 
ويصبح اعلان الجهاد احد اخطر القضايا التي ترفع من سخونة الاوضاع في القوقاز. وتتهم دول القوقاز الاربع بعض الدول الاسلامية بدعم الحركات الانفصالية سواء القوقاز الشمالي (الخاضع لروسيا) او الجنوبي خاصة في دولتي جورجيا واذربيجان. وبمضي الوقت يتزايد الحذر تجاه الاسلام على اصعدة مختلفة ومن بينها الخوف من التزايد العددي للمسلمين في مقابل اصحاب الديانات الاخرى في هذه الدول. وتزايد عدد الدارسين للإسلام . وان كان معظمهم يقرأ القرآن في غير نصه العربي مكتوبا بلغات محلية . وتنتشر في كل منافذ بيع الكتب مطبوعات في الأدبيات الإسلامية، وفي شوارع مدن وبلدات الجمهوريات الإسلامية يتزايد مرتدو الزي الإسلامي. ويتزايد عدد المؤمنين والساعين إلى الحج في الأماكن المقدسة، وتشير بعض البيانات أنه في داغستان وحدها زاد عدد المساجد من 27مسجداً في 1988 إلى 5000 مسجد في 1994. ومن اجل السيطرة على توجهات الحركات الاسلامية الانفصالية تسعى روسيا ودول القوقاز الى التعاون مع دول آسيا الوسطى المجاورة (كازاخستان، أوزبكستان، تركما نستان، قرغيزيا، طاجيكستان) ومع دولة عظمى اخرى يقلقها المد الاسلامي وهي الصين. 
الأحزاب القومية 
بدأت اولى الحركات السياسية على أساس قومي في القوقاز مع ظهور الأحزاب القومية في ارمينيا وجورجيا واذربيجان في عام 1887. 
وفي اثناء الثورة الروسية الاولى19051907 شهد القوقاز العديد من الأحزاب والحركات القومية سعيا للاستقلال. كما تبلورت مع الثورة البلشفية 1917 الحركات القومية لسكان الجبال (المناطق الجبليةالقوقازية) وما خرج عنها من ممثلي القوميات الجبلية لكل من الشيشان ، انجوشيا، أوسيتيا، داغستان . كبردين ، بالكاريا كوميكويا ( فلاديقفقاز ) . وقدم هؤلاء دعاوى جادة بأحقيتهم في ادارة انفسهم . وتنامى نشاط هذه الحركات بوضوح عقب ثورة 1917 فاجتمع في جورجيا مندوبون عن مختلف الحركات والمنظمات الناشطة في ذلك الوقت بهدف عدم السماح بوصول الفوضى والاستبداد البلشفي إلى الإقليم وايقاف النزاعات. ومع اندلاع الحرب الأهلية في روسيا وتهاوي السلطة القيصرية عام 1917 سرعان ما عززت مطالب الاستقلال النهائي، وشكلت حكومات مستقلة، ولم ينعم المد القومي بفترة طويلة من النجاح فسرعان ما احكم البلاشفة الامر وعادوا فضموا القوقاز برمته تحت السيطرة ولم تستطع الماركسية اللينينية ان تستسيغ الأفكار القومية والشعور بالهوية القومية فنظرت اليها كعوائق تحول دون عالمية الاشتراكية وتقف أمام البروليتاريا الدولية وشمولية الحكم . وهكذاوقفت الشيوعية مجابهة للقومية وحكمت عليها بالاختفاء تحت الأرض لسبعة قرون تالية. 
ومع 1991 انفصلت ثلاثية جمهوريات القوقاز الجنوبي (اذربيبجان جورجيا ارمينيا) مدعومة بدعاوى قومية وتاريخية وبدأت تاريخا جديدا على المسرح الدولي. وظنت جمهوريات القوقاز الشمالي السبع ان الاستقلال ممكن فظهرت عشرات الحركات القومية الدينية وبلغت ذروة نشاطها في اعلان الشيشان عن استقلالها عن روسيا في نوفمبر 1991. غير ان روسيا أبت ان تفقد مزيدا من الجمهوريات فدخلت على مدى عقد التسعينيات بأسره في اقناع القوقاز الشمالي بخليط من الترغيب والترهيب بحتمية نسيان قصة الاستقلال. ومن وجهة نظرها ترى روسيا ان الاساس القومي في الاستقلال سيضع مستقبل المنطقة تحت إمرة المغامرين. 
ومن جانبها ترى النخبة المثقفة من شعوب القوقاز ان الاساس القومي كفيل بان يضمن قدرا من الشحن العاطفي المحفز على ضمان نجاح الاستقلال. وتعاني المشاريع الاستقلالية على اسس قومية من تعثرها في معضلة الاختلاط العرقي في القوقاز. فعديد من الجمهوريات السبعة تجمع اكثر من قومية ولا توجد الغلبة لقومية واحدة سوى في الشيشان وانجوشيا. 
المنظمات الإقليمية 
تتنافس على التأثير على منطقة القوقاز مجموعة من المنظمات الاقليمية التي ترفع شعارات «التعاون» الاقتصادي والتنسيق السياسي وجعل الإقليم اكثر ارتباطاعلى المستوى المواصلاتي والنقل. 
وعلى رأس هذه المنظمات كومنولث الدول المستقلة الذي تأسس في ديسمبر 1991 وجمع غالبية الدول التي تفككت عن الاتحاد السوفيتي. وكانت أهداف هذا الاتحاد تنسيق التعامل مع الترسانة النووية الموروثة عن الاتحاد السوفيتي وتحرير الاقتصاد والتجارة والتعاون في مجالات الدفاع العسكري، وتنظيم حركة الهجرة عبر الحدود وحماية البيئة. وستة اراء أخرى لم تخرج عن هذا الاتحاد أية نتائج إيجابية لدرجة صار المتابعون يشبهون هذا الاتحاد بورقة التوت التي وارت عورة تفكيك الاتحاد السوفيتي وسقطت حينما لم تعد لها حاجة. 
وقد سمح ذلك بأن تدخل إلى إقليم القوقاز قوى عالمية وإقليمية. وتمثلت القوى العالمية في الولايات المتحدة ودول غرب أوربا وحملت هذه الدول وعودا بروابط تجارية وعسكرية. فعلى المستوى التجاري أعدت خطط ومشروعات لربط إقليم القوقاز بشرق ووسط أوروبا عبر مشروع«الترانسيسا» لنقل البضائع ومنتجات الطاقة من الإقليم الى اوروبا. اضافة الى الاستثمارات النفطية ومد خطوط الانابيب من بحر قزوين الى البحر الاسود ومنه الى اوروبا. وعلى مستوى خطير يأتي التعاون بين اقليم القوقاز وحلف الناتو في اقامة قواعد عسكرية في كل من جورجيا واذربيجان تحت دعاوى الامن العالمي ومحاربة الارهاب الدولي. 
اما الدول الإقليمية التي تتنافس في الاقليم فهي تركيا وايران واوكرانيا. وللدولتين الاولتين تاريخ حربي طويل في بسط السيطرة على الاقليم. وتبدو الغلبة لتركيا مدعومة من قبل الغرب الذي يعادي القوة الإيرانية. أما روسيا فتقف تراقب بقلق بالغ تدخل تلك القوى في إقليم ما زالت لم تنس انه مجالها الحيوي. 
رائحة النفط 
تفكك الاتحاد السوفيتي ودخل اقليم القوقاز في مرحلة جديدة تسللت عبرها شركات الاستثمار النفطية الآتية من الغرب بإمكاناتها التكنولوجية وخبراتها المتقدمة في هذا المجال. ويأتي سعي الدول الغربية الى بترول قزوين بهدف تنويع مصادرالطاقة حتى لا تتحكم فيها منطقة بعينها وتفضي إلى ارتفاع في الأسعار. كما أن بترول بحر قزوين سيضمن ظهور طرق نقل جديدة على الخريطة الاقتصادية للمنطقة. وهو ما يعني تحقيق مقدار اكبر من تأمين وصول النفط إلى الأسواق الغربية وعدم تركيزه في منطقة جغرافية بعينها كمنطقة الشرق الأوسط قليلة الاستقرار. وإحكام السيطرة على منطقة بحر قزوين يعني بالتبعية إحكام السيطرة على قلب منطقة وسط آسيا وسواحل البحر الأسود. وهو ما يجعل روسيا في موضع شديد الحساسية من التغلغل الغربي في المنطقة. ويفسر المراقبون في هذا الصدد ان دول القوقاز خرجت من التبعية الروسية لترمي نفسها في التبعية الغربية. 
وبحر قزوين مسطح مائي مغلق يقع في شمال غرب آسيا محصور بين أذربيجان وإيران وكازاخستان وتركمنستان وروسيا. ومنذ انهيار الاتحاد السوفيتي ومنطقة بحر قزوين تجذب الاهتمام الدولي لما بها من مخزون ضخم من النفط والغاز. وتأتي أهميةالمنطقة في أن جزءا كبيرا من مخزون النفط لم تمتد إليه الأيدى بعد، مما يجعل المنطقة محط تنافسات شديدة بين شركات الاستثمار العالمية. وكذا تنافس الدول الكبرى لبسط النفوذ وتأتي على رأسها قوتان كبرتان هما الولايات المتحدة وروسيا وقوتان أقل حجما وهما تركيا وإيران. ومن بين الأفكار المطروحة عن أهمية المنطقة يرى كثيرون أن بترول بحر قزوين سيصرف الأضواء عن بترول الشرق الأوسط باحتياطي مؤكد يتراوح بين 18 و 34 بليون برميل واحتياطي متوقع يتراوح بين 250270 بليون برميل. 
وإذا كانت هذه التقديرات لا تمثل سوى ثلث احتياطي بترول الشرق الأوسط (وهي نسبة كبيرة في ذات الوقت) إلا أنها على الأقل تفوق تقديرات الاحتياطي المؤكد لبترول بحر الشمال (والبالغ 17 بليون برميل ) كما يفوق الاحتياطي المؤكد للولايات المتحدة (البالغ 22بليون برميل). ودول القوقاز التي تشرف على بحر قزوين هي روسيا واذربيجان اما الدولتان الأخرتان فستستفيدان من نفط قزوين عبر تجارة النقل بمرور انابيب النفط عبر اراضيها. 
ويكتنف الاستفادة من الثروة في المنطقة عدة مشكلات على رأسها المشكلات القانونيةالمتعلقة بطبيعة تحديد مناطق السيادة لكل دولة في التنقيب في بحر قزوين والمشكلات البيئية التي ترتبط بإنتاج البترول وما ينجم عنه من تلويث لبيئة بحرية مغلقة هي بحر قزوين وبيئة أخرى شبه مغلقة هي البحر الأسود وآثار ذلك على النواحي الإيكولوجية والاقتصادية الأخرى. وكذا هناك المشكلات الداخلية لكل دولة والآمال المعقودة على استغلال عوائد النفط في ظل عدم الاستقرار السياسي الذي تعانيه هذه الدول. كما أنه من المعضلات القائمة تلك المرتبطة بالنزاعات القائمة بين دول بحر قزوين وما نشب بها من حروب أهلية وحروب بينية. وينعكس ذلك بالطبع على مدى الأمن والاستقرار الذي يسعى إليه المستثمرون في المنطقة. 
المشكلات السياسية 
تعاني المنطقة من عدة مشكلات ذات بعد جغرافي سياسي لا تسلم منها اي دولة من دول المنطقة وعلى رأس هذه المشكلات: 
المشكلة الشيشانية: بدأت عام 1991 باعلان استقلال الشيشان من جانب واحد عن روسيا تبعه حصار روسيا للجمهورية ثم القيام بحملة عسكرية لارجاع الجمهورية«المنشقة» عن طوع السلطة في موسكو تمخضت عن نشوب حرب عام 1994 وما تلاها من مآس للشعب الشيشاني وسقوط آلاف من الجنود الروس. وبعد عقد هدنة بين الجانبين عاد الاشتعال الى المسرح لاسباب متباينة اقتحمت على اثرها القوات الروسية الشيشان وطردت حكومتها بقيادة اصلان مسخادوف في عام 1999 وما زالت بقايا المقاومة قائمة الى الان. 
والتناحر قائم بين روسيا وجورجيا لاتهام الاولى للثانية بدعم المقاومة الشيشانية كرد فعل على اتهام جورجيا لروسيا بدعم الانفصاليين الابخاز في شمال غربي جورجيا على الحدود مع روسيا. 
مشكلة ناجورنو كاراباخ: ظهرت في عام 1992 حينما أعلن الانفصاليون في إقليم «كاراباخ» الاستقلال عن أذربيجان، ورفض الانضمام إلى أرمينيا. ومدت أرمينيا مقاتلي «كاراباخ» بالسلاح والرجال، بل توغلت قواتها داخل أذربيجان. واحتلت20% من إجمالي أراضيها في منتصف 1993. وكانت النتيجة أن فر مئات الآلاف من السكان الأذربيين هربا من القوات الأرمينية الغازية. وانتقل اللاجئون إلى معسكرات كثير منها حول العاصمة الأذربيجانية باكو يعيشون فيها دون خط الفقر. حسب شهادات وكالات «غوث» اللاجئين. 
وفي مايو 1994 قبلت جميع الأطراف بما فيها أذربيجان المحتلة أراضيها اتفاقاً لوقف إطلاق النار. والاحتكام إلى المفاوضات السلمية، حقنا للدماء. وكان الوسيط الرئيسي في المفاوضات هو الاتحاد الأوروبي الذي فوض مجموعة من الدول برئاسة فرنسا والولايات المتحدة وروسيا للاجتماع في مينسك عاصمة بيلاروسيا لبدء التفاوض الذي ما زال لم يصل الى نتيجة حتى اليوم. 
واضافة الى المشكلات السابقة تعاني جورجيا من نزعات انفصالية في كل من اوسيتيا الجنوبية ، وابخازيا، وآجارا ( جورجيا).

 

التنافس الروسي الأمريكي في جورجيا .. إعادة رسم الخريطة



حينما خرجت كبريات الصحف الروسية بعناوين "الحرب الباردة تعود من جديد" و"القوات الروسية في جورجيا على خط النار" كان ذلك ترجمة للقلق الروسي تجاه الحضور الأميركي المتنامي في جورجيا، الذي أكدته زيارة وزير الدفاع الأميركي دونالد رمسفيلد إلى العاصمة الجورجية تبليسي في الخامس من ديسمبر/ كانون الأول الجاري. وبين قلق روسي وتحالف أميركي جورجي تشكلت مواقف الأطراف الثلاثة. وفي ما يلي محاولة لقراءة موقف كل طرف.

الهيمنة الروسية على جورجيا



ظلت جورجيا تحت الهيمنة الروسية 190 عاما (من 1801 إلى 1991)، ورغم استقلالها الرسمي عن الاتحاد السوفياتي في 9 أبريل/ نيسان 1991 لا يبدو أنها نعمت بهذا الاستقلال بعد، فمشاريع الانفصال العرقية والدينية يدعمها الوجود العسكري الروسي في أهم المدن، كما هو مبين في الخريطة.وإضافة إلى القواعد الروسية السابقة، هناك قوات أجنبية على أراضي جورجيا تحت مسمى قوات لحفظ السلام أتت من ثلاثة مصادر، الأمم المتحدة ومنظمة الأمن والتعاون الأوروبي وكومنولث الدول المستقلة.

وتعمل هذه القوات للفصل بين الأطراف آلتي تحاربت خلال عقد التسعينيات وحماية اللاجئين في أوسيتيا الجنوبية ولمراقبة وقف إطلاق النار في أبخازيا.وثمة نوعان من القوى هيمنتا على بناء الدولة الجورجية خلال العقد الأخير، وهما قوى الطرد المركزية ممثلة في انفصال  الأقاليم تحت شعارات عرقية أو دينية أو حزبية، وتتجسد هذه  المشاريع لدى الأقلية الأبخازية والأوسيتية والأدجارية والأرمنية والأذرية وحركة المعارضة الزيادية (نسبة إلى زياد جامسخورديا الرئيس الجورجي السابق).

وتعد القواعد الروسية إحدى قوى الطرد التي تشجع الأقاليم على الانفصال، فقاعدة أخالاكالاكي تقع بأهم مدن الأقلية الأرمينية، وقاعدة باتومي في أهم مدن الأقلية الأدجارية، كما كانت قاعدة جوداتي كذلك في أبخازيا، وهناك قوات روسية تحت أسماء مختلفة في منطقة الانفصال الأوسيتي. وإذا ما تحققت المشاريع الانفصالية تتحول جورجيا إلى إمارات صغيرة كالتي عاشت في العصور الوسطى.

والقوى الثانية هي قوى الجذب المتمثلة في خصوصية الموقع الجغرافي المتمتع بتقاطع  الثروات ونقلها وأهمية المكان الإستراتيجية في خاصرة آسيا ومحور اتصالها بالغرب وقربها من قلب العالم الإسلامي، وهو ما يضفي على جورجيا إغراء بالجذب من قبل دول الجوار مثل روسيا وتركيا وإيران والقوى العظمى البعيدة كالولايات المتحدة ودول غرب أوروبا.
تهدف دول الغرب إلى مساعدة جورجيا واستغلالها في آن واحد؛ المساعدة في التخلص من مشاريع الانفصال والنفوذ الروسي، والاستغلال بإقامة قواعد عسكرية لخدمة أهداف جيوإستراتيجية لحلف الناتو.ومن جانبها تقبل القيادة الجورجية الجديدة بهذا الوضع كمخطط مرحلي أملا في أن تتخطاه لتتغلب بعده على قوى الطرد بمناطق الانفصال لتصل إلى توحيد جورجيا تحت قيادة تبليسي.

أما الولايات المتحدة فقد بات جليا أن جرأتها في خلق حضور عسكري على الحدود الروسية، والذي بدأ عقب أحداث سبتمبر/ أيلول 2001، ترمي إلى مقصدين:
الأول: خلق نموذج جديد في تلك المنطقة الحساسة من العالم أقل تكلفة وأكثر نجاحا من النموذج العراقي، مع تأمين تصدير النفط القز ويني بشركات أميركية وتضييع الفرصة على البديل الروسي باكو-نوفارايسيسك-أليكساندروبولس الأسرع تنفيذا والأقل كلفة، كما سيتاح لها تشجيع مشروع التراسيسا لضمان تدفق أسرع للسلع من الغرب إلى الشرق.
والثاني: إكمال المشروع الطموح بإمبراطورية القواعد العسكرية بديلا عن المشروع الكولونيا لي وفي الوقت نفسه الضغط على روسيا من الجبهة الجنوبية بعد أن أكمل الناتو الضغط عليها من الجبهة الغربية في اجتماع براغ في نوفمبر/ تشرين الثاني 2002 الذي أقر ضم رومانيا وبلغاريا وسلوفاكيا وسلوفينيا إضافة إلى دول البلطيق الثلاث. والهدف تفويت الفرصة على روسيا من خلق عالم ثنائي القطب وحصرها في مساحة جغرافية لم تعرفها منذ القرن الثامن عشر، فضلا عن كبح جماح قوى إقليمية متنامبة مثل الصين وإيران، إضافة إلى تقويض البنى التحتية للمشروعات الإسلامية الحالمة بالإمساك بزمام السلطة في فضاء جغرافي أفلست فيه الأيديولوجية المادية.
وقد أرسلت الولايات المتحدة جنودها لأول مرة إلى جورجيا في نهاية فبراير/ شباط 2002 تحت عنوان تدريب القوات الجورجية لمحاربة الإرهابيين الفارين من أفغانستان أو من المقاتلين الشيشان الذين تسللوا إلى جورجيا من وادي بنكيسي على الحدود الروسية. والرقم المعلن للقوات الأميركية في جورجيا يتراوح بين 500 و1000 خبير عسكري.

 

جورجيا .. مسرح الحرب الباردة
بدهي أن المقارنة بين طموحات روسيا والولايات المتحدة في جورجيا غير متكافئة، فاقتصاديا تنفق الولايات المتحدة على مشروعاتها العسكرية سبعة أمثال ما تنفقه روسيا، وإستراتيجيا تغلق روسيا قواعدها العسكرية في فيتنام وجورجيا وكوبا بينما تبني الولايات المتحدة قواعد جديدة في جنوب شرق آسيا وأفغانستان وآسيا الوسطى ودول الخليج والعراق.

وأيديولوجيا تعيش الولايات المتحدة أجواء دولة محاربة بينما تسرح روسيا ثلث عدد الجيش لتخفيض الميزانية. وفي الوقت الذي تقف فيه روسيا وحدها مرفوضة من كثير من دول الجوار (عقدة الروسوفوبيا) تلقى الولايات المتحدة ترحيبا من هذه الدول ودعما من منظمات دولية تصبغ على طموحاتها شرعية قانونية كمساندة حلف الناتو ومنظمة الأمن والتعاون الأوروبي والأمم المتحدة.

وعلى المستوى الداخلي لا تعرقل القضايا التنموية في الولايات المتحدة مسيرة سياستها الخارجية بينما تجاهد روسيا ليل نهار لتفكيك مراكز القوى، ومحاربة تمرد مناطق الأطراف على المركز، وتفشي الفساد الحكومي، وانتشار الجريمة، والانكماش الديموغرافي، وتدهور الرعاية الصحية والتعليم، بل وتشوه صورتها عالميا كدولة نامية تزور انتخاباتها البرلمانية.

وفي مجمل الأمر يبدو التنافس بين الجانبين في جورجيا أشبه بسباق في مضمار تجري فيه روسيا في سباق حواجز بينما تجري الولايات المتحدة في سباق حر.

وبالنسبة لروسيا لا يوجد سند قانوني تعتمد عليه موسكو للدفاع عن وجود قواتها في جورجيا، فالقواعد العسكرية من ميراث الاتحاد السوفياتي. والأمر مختلف عن وجودها في أرمينيا المستند على اتفاقية مارس/ آذار 1995 الموقعة بين الطرفين لإبقاء القوات الروسية على الأراضي الأرمينية لحماية حدودها مع تركيا، ويسري مفعول هذه الاتفاقية حتى العام 2020. وإذا تفككت القواعد العسكرية في جورجيا ستبقى القوات الروسية في أرمينيا منعزلة لعدم وجود اتصال جغرافي بين الأخيرة وروسيا.

وتستند روسيا على نقطة قانونية غير مقنعة لكثير من الأطراف وخاصة لحكومتي جورجيا والولايات المتحدة، وهي أن الوجود الروسي في جورجيا ضمن اتفاقية الأمن الجماعي لدول الكومنولث.

وهنا لا ينسى الباحثون أن جورجيا انضمت إلى تحالف الكومنولث تحت ضغط روسي، فحينما عصفت الحرب  الأهلية بجورجيا في مطلع التسعينيات تمكنت قوات المعارضة التابعة للرئيس المخلوع زياد جامسخورديا من حصار مدينة بوتى والتهديد بإسقاط حكومة تبليسي برئاسة شيفرنادزه، ووقتها عرضت روسيا على تبليسي القيام بعملية عسكرية توقف هذا التهديد مقابل انضمام جورجيا إلى الكومنولث والتوقيع على اتفاقية الأمن الجماعي، وحدثت المقايضة في نهاية العام 1993.

وينبع ضعف الموقف الروسي من موافقة رئيسها السابق بوريس يلتسين في نوفمبر/ تشرين الثاني 1999 في اجتماع منظمة الأمن والتعاون الأوروبي في إسطنبول على سحب الأسلحة التقليدية من شرق أوروبا، وبالتحديد تفكيك قاعدتين روسيتين في جورجيا قبل نهاية العام 2001 والبدء في التفاوض حول إغلاق القاعدتين الأخيرتين.

مع قيام روسيا بتفكيك قاعدتين في تبليسي وجاوداتي -مقابل تسهيلات اقتصادية لروسيا في السوق الأوربية والأميركية ومنحها مساعدات مالية لدعم اقتصاد السوق والديمقراطية- لم يعد أمام روسيا إلا أن تكمل ما بدأته.

وينبع ضعف حجة روسيا من إرجائها تفكيك القاعدتين الباقيتين إلى نهاية العام 2014 وهو ما لا يعني إلا أن روسيا تريد كسبا للوقت لإبقاء القاعدتين المؤلفتين من 8000 عسكري و153 دبابة و241 مركبة مدرعة و140 مدفعا.

وربما تستمر المماطلة أملا بأن تتغير توجهات الإدارة الأميركية المغرمة حاليا بالهيمنة إلى إدارة أخرى تنشغل بقضايا داخلية.

وبواقعية نادرة يقول سيرجيه كاراجانوف الخبير الإستراتيجي الروسي في حوار مع صحيفة نيزافيسميا جازيتا "يجب ألا نرى التعاون العسكري الجورجي- الأميركي دليل اتهام لعمالة الحكومة الجورجية لواشنطن، الأمر يكمن ببساطة في أن واشنطن تساعدهم بينما موسكو تخوفهم، إذا أردنا أن نؤثر في هذا البلد فلا بد أن نغير من سياستنا تجاهه. لقد آن الأوان لأن نستبدل سياسة الجلد بسياسة ناضجة تسقط السوط وتمد يد العون، حينها فقط ستكون موسكو أول قبلة لأي قائد جورجي مهما كانت توجهاته".

وإذا سمحنا لأنفسنا بتخيل سيناريو مسترشد بالمعطيات الآنية سنجد أن جورجيا يمكنها أن تستفيد كثيرا لو تم ترتيب التعاون العسكري مع الولايات المتحدة أو الناتو بحيث تشغل القوات "الصديقة" إقليم جافاخيتي ذي الأغلبية الأرمينية وهي نفس المنطقة التي سيمر بها خط الأنابيب باكو-جيهان.

فهذه المنطقة شهدت اضطرابات من قبل الأقلية الأرمينية في خريف 1998 تزامنا مع بدء العمل في هذا المشروع (إضرارا بأذربيجان المعادية لأرمينيا)، كما أن انتشار الأسلحة بين سكان الإقليم يقوي موقفهم نحو الانفصال. وهنا قد تستفيد تبليسي من القضاء على هذه التمردات بمساعدة أميركية (النموذج الفلبيني).

وفي المرحلة الانتقالية بين خروج القوات الروسية وزرع قوات أميركية يمكن أن تقوم واشنطن بنشر قطع بحرية قبالة السواحل الجورجية وبصفة خاصة أمام مينائي بوتي وسوبسا الحيويين.

وقد كشفت مصادر بحثية روسية مؤخرا عن وجود كتيبة بحرية جورجية في قاعدة "كوماندوز" في ميناء بوتي تتلقى تدريبات منتظمة من قبل خبراء من البنتاغون. ويحصل الضباط الجورجيون في القواعد التي يعمل بها خبراء البنتاغون على رواتب تزيد بـ 3.5 مرات قدر رواتبهم من الحكومة الجورجية.

إضافة إلى بوتي يوجد الخبراء الأميركيون في ثلاثة مواقع أخرى شرق وغرب العاصمة تبليسي.

ويمكننا أن نستبعد وقوع مواجهة روسية-أميركية في جورجيا بل الأكثر ترجيحا أن القوات الأميركية ستتحاشى شمال جورجيا الملامسة للحدود الروسية وهو ما يعني استمرار تجمد الوضع في أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا مع بقاء قوات حفظ السلام بها لأجل غير مسمى، وهو ما يمكن أن يتم بطريقة متعمدة ترضي الغرور الروسي بالوجود المقنع (قوات حفظ سلام وخبراء عسكريين واقتصاديين) في شمال الأراضي الجورجية. وبالمضي مع هذا السيناريو قد يتحقق خروج القوات الروسية من جورجيا، غير أن ذلك لن يعني بالضرورة وصول جورجيا إلى السلام قريبا.

ستظل النزاعات العرقية جاهزة لأن تؤججها قوى متعاونة مع روسيا أو طامعة في السلطة. وقد لا يغري إقليم أدجاريا -ذي الأغلبية المسلمة- الولايات المتحدة بالسعي لنشر قوات فيه، وتكفيها بقية الأراضي الجورجية بأغلبية سكانها المسيحيين.

وفي النهاية فإن الأمر أعقد مما أسمته الصحف الروسية حربا باردة، فما يحدث في القوقاز أكبر من مناورة سياسية لإثبات الهيمنة الأميركية أمام الترنح الروسي، إن هي إلا بداية لتعديل ثوابت الجغرافيا السياسية في المنطقة.

كومنولث الدول المستقلة

في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 1991 وقع قادة روسيا وأوكرانيا وروسيا البيضاء في عاصمة الأخيرة على اتفاق لتشكيل اتحاد جديد يحل محل الاتحاد السوفياتي.
وباستثناء دول البلطيق (إستونيا ولاتفيا وليتوانيا) التي أحجمت عن المشاركة، فإن بقية الجمهوريات الخمسة عشر توالت بين عامي 1991 و1994 على التوقيع على هذا الاتفاق.
واتخذ من عاصمة روسيا البيضاء منسك مركزا لهذا الاتحاد الجديد. وحمل الاتفاق اسماً روسياً مبهماً وهو "ائتلاف الدول المستقلة" ويرمز له في الكتابات الروسية بالأحرف (CHГ) في حين يعرف في الثقافة الغربية بكومنولث الدول المستقلة ويرمز إليه بالأحرف (CIS: Commonwealth of Independent States) وجاء الإعلان عن ذلك يوم 21 ديسمبر/ كانون الأول 1991 في مدينة ألماآتا بكزاخستان.

 

وبني الكومنولث على:
• تنسيق التعامل مع الترسانة النووية الموروثة عن الاتحاد السوفياتي.
• النهوض بالأحوال الاقتصادية انطلاقا من مبدأ حرية انتقال السلع والبضائع.
• الاتفاق على تدعيم العلاقات الخارجية بين الدول الأعضاء.
• التعاون في مجالات الدفاع العسكري.
• تنظيم الهجرة عبر حدود هذه الدول.
• بذل الجهود المشتركة لحماية البيئة.

وكغيره من الاتحادات هناك مجلس قمة يؤلفه رؤساء الدول الأعضاء، إضافة إلى مجلس لرؤساء الوزراء ومجلس للوزراء خاصة على مستوى وزارات الدفاع والخارجية والاقتصاد..إلخ.

وتبنى سياسة الاتحاد على التعاون مع المنظمات الدولية كمنظمة العمل الدولية، ومنظمة الصحة العالمية، ومنظمة غوث اللاجئين، والاتحاد الأوروبي.

ومنذ منتصف التسعينيات ركز الاتحاد على قضايا مكافحة الإرهاب بعد توتر الصراع الداخلي في عديد من دول الكومنولث بسبب النشاط السياسي والعسكري للحركات الإسلامية كالتي شهدتها قرغيزستان وطاجيكستان وأوزبكستان.

ومع أحداث سبتمبر/ أيلول 2001، تسيطر على اجتماعات رؤساء دول الاتحاد قضايا الأمن وبصفة خاصة بعد انتشار القوات الأميركية في وسط آسيا وجورجيا.

ويتفق فريق من الباحثين على أن قيام كومنولث الدول المستقلة كان طوق النجاة للخروج من المأزق الدرامي الذي خلفه انهيار المركب السوفياتي، وحقق ميلادا لدول عديدة مجنبا إياها آلام المخاض العسرة التي كان متوقعا حدوثها بعد ذلك الانهيار.

ولكن على الجانب الآخر لم يحمل هذا الاتحاد نقلة إيجابية إلى الأمام ولم ينتقل من كلمات على ورق إلى واقع ملموس، لدرجة دعت بعض الباحثين الغربيين إلى القول بأن قيام الكومنولث لم يكن أكثر من ورقة توت كبرى أخفت سوءة انهيار الإمبراطورية السوفياتية.

ويسود اللاتنظيم علاقات دول الاتحاد كما لم ترق العلاقات بينها بعد من علاقات بين جمهوريات في كنف الاتحاد السوفياتي إلى علاقات دول مستقلة ذات سيادة. ولا تزال كثير من دول الكومنولث تخشى أن تستغل روسيا الكومنولث كبوابة خلفية لاستعادة دورها الاستعماري القديم.