القوقاز.. جغرافيته وتاريخه وأهميته عبر العصور

القوقاز.. جغرافيته وتاريخه وأهميته عبر العصور

القوقاز .. جغرافيته وتاريخه وأهميته عبر العصور

بقلم عاطف معتمد
مارس 2002

يُعنى هذا المقال بالتعريف بمنطقة من أهم مناطق الصراع الدولي، وتتداخل فيها اعتبارات عديدة جغرافية سياسية، وثقافية واجتماعية، تؤثر بعمق في العالم الإسلامي، سواء لأن بعض أطرافها مسلمون، أو لأنها تؤثر في مناطق إسلامية مجاورة، هذه المنطقة هي القوقاز.


القوقاز.. المكان والسكان

القوقاز إقليمٌ جبليٌّ يقع بين البحر الأسود في الغرب وبحر قزوين في الشرق، وتتقاسم الإقليم أربع دول هي: روسيا، وجورجيا، وأذربيجان، وأرمينيا.

والقوقاز هو الاسم الشائع للمصطلح الروسي "القفقاس Kaвkaz"، وكلاهما من الأصل اللاتيني "قوقاسوس".

ويميل بعض الباحثين إلى الاعتقاد بأن لفظ القوقاز جاء من كاز-كاز، وهى التسمية التي أطلقها الحيثيون على سكان الساحل الجنوبي للبحر الأسود.

وقد صار الإقليم عبر العصور مسارًا هامًّا لانتقال الثقافات من الجنوب، حيث حضارات الهلال الخصيب إلى الشمال (الحضارة الروسية)، وإلى الغرب (حضارات شرق أوربا)، وكذلك إلى الشرق (آسيا الوسطى).

ورغم أن الإقليم بموقعه هذا يمثل حضارة أورو-آسيوية، فإن التأثير الثقافي الآسيوي أكثر وضوحًا فيه.

وتمتد جبال القوقاز بصفة عامة من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي، مؤلفة من سلسلتي جبال القوقاز الكبرى في الشمال، والقوقاز الصغرى في الجنوب.

ويعتبر جبل البروز Elbrus في القوقاز الكبرى أعلى القمم الجبلية في المنطقة، وواحدًا من أعلى الجبال في غرب آسيا (5642 مترًا).

ومناخ القوقاز انتقالي بين المعتدل والمداري.

ويتسم القوقاز بتنوع عرقي كبير، وهو أمر راجع إلى كون الإقليم معبرًا أرضيا مرت عبره موجات بشرية عديدة تحركت بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.. واستتبع ذلك التنوع العرقي تنوعًا لغويًّا شديدًا، يندر أن نجد له مثيلاً في بقعة من الأرض لها تلك المساحة الصغيرة.

ويقطن القوقاز أكثر من 50 شعبًا يتحدثون بلغات مختلفة ولهجات متنوعة، وقد أصاب كثير من الرحالة العرب -الذين جابوا الإقليم ودونوا كثيرًا من المعلومات التي عرفها العالم عن القوقاز فيما بعد- حينما أطلقوا على الإقليم مسمى "جبل الألسن" في إشارة بليغة إلى التنوع الكبير في لغات الإقليم.

وتمثل سواحل البحر الأسود وسهول الأودية أكثر مناطق التركز السكاني، بسبب النشاط الزراعي الكثيف، كما أن سفوح الجبال تحوي هي الأخرى أعداداً كبيرة من السكان.. وعلى النقيض تشهد الأقاليم الألبية المرتفعة تبعثرًا سكانيًّا.




الاهتمام الروسي بالقوقاز

من بين خمس عشرة جمهورية كانت تشكل الاتحاد السوفيتي السابق، أبدت روسيا -وما زالت تبدي- اهتماماً أكثر بالقوقاز، عسكريًّا، وسياسيًّا، واقتصاديًّا.

ورغم الفكرة الشائعة القائلة بأن روسيا يسكنها "الروس" فإن واقع الأمر يبين أن روسيا مكونة من أكثر من 70 قومية.

وتشكل القوميتان التترية والبشكيرية اثنتين من أكبر القوميات التي تقطن روسيا، ويضيف الإسلام إلى خصوصيتهما أهمية كبيرة تحسب لها روسيا حسابًا خاصًّا في مركب القوميات الذي يؤلف الدولة.

ويتألف الاتحاد الروسي-إلى جانب جمهورية روسيا ذاتها التي تسكنها القومية الروسية- من إحدى وعشرين جمهورية ذات قوميات متعددة، تتباين في أعدادها بين عدة آلاف إلى عدة ملايين. ويسود أربعًا من هذه الجمهوريات الطابعُ الإسلاميُّ؛ عقيدةً وارتباطاً، وهى: جمهورية بشكورتوستان أو بشكيريا،  وجمهورية تترستان، وجمهورية داغستان، إضافة إلى جمهورية الشيشان.. كما أن للمسلمين أهمية نسبية في جمهوريات أخرى على رأسها، أنجوشيتيا، وقبردين-بلكاريا، وارتشييف-شيركيسيا، وكذلك أوسيتيا.

وتاريخيًّا وضعت روسيا أعينها على القوقاز منذ عصر روسيا الكييفية (نسبة إلى كييف عاصمة أوكرانيا الحالية).

وفى عصر الإمارة الموسكوفية في بداية التاريخ القيصري كان محط الأنظار الروسية على الشيشان وداغستان في الأساس.

ومضى الاهتمام بهما على محورين متوازيين:

كان المحور الأول يهدف إلى التوسع التدريجي البطيء للأراضي الروسية نحو الجنوب بالاستعانة بالنشاط الفاعل لقبائل "القوزاق" الموالين لروسيا، والذين بدءوا في التوغل غير المحسوس، وبصورة بدت سلمية، على الأراضي القوقازية، وتمت عبر عدة مئات من السنين خطوة وراء خطوة.

أما المحور الثاني للتوغل الروسي على أراضي القوقاز فقد جاء مرتبطاً بجورجيا، فعندما وقعت جورجيا (المسيحية) بين مخلبي إيران وتركيا، رأت أنه لابد من الاستعانة بروسيا أثناء نزاعها المسلح مع الجيران المسلمين الأشداء (وقتما كانت جورجيا محط النزاع بين الإمبراطورية العثمانية والإمبراطورية الفارسية).

وجاء الرد الروسي سريعاً وبترحاب من دولة فتية طالما أغراها التوغل نحو الجنوب.

ومنذ القرن السادس عشر الميلادى مرت بنهر العلاقات الروسية-القوقازية مياه كثيرة، بل دعنا نقل دماءٌ كثيرة، وسالت على سفوح جبال القوقاز، وخاصة في الشيشان وداغستان، أنهر من الدم كان مدادها مئات الآلاف من المجاهدين في سبيل تحرير الأرض بمرجعية دينية - قومية.

وشهدت الجمهوريات الإسلامية خلال الحكم القيصري -ومن بعده السوفييتي- سياسات وحيدة الوجهة وإن اختلفت شكلاً، هدفها "التذويب" القسري للأعراق والديانات، ولم تكن النتيجة إيجابية بأي حال من الأحوال.


القوقاز بعد تفكك الاتحاد السوفييتي

رغم الأهمية المطلقة لإقليم القوقاز فإن الوزن النسبي لهذا الإقليم اختلف بتغير الخريطة الجغرافية - السياسية لروسيا.

ويرجع ذلك إلى الأسباب التالية:

1- أنه قبيل تفكك الاتحاد السوفيتي كانت المناطق الإسلامية في القوقاز تقع داخل "البيت الروسي" ذاته، وبعيدة نسبياً عن الحدود الروسية-التركية، والروسية-الإيرانية، بوجود كل من أرمينيا وأذربيجان وجورجيا، كمناطق تخوم داخل "البيت السوفييتي".. أما الآن فإن القوقاز الإسلامي في جنوب روسيا يمثل الحدود الدولية لروسيا مع الجيران.

2- أن التاريخ الحربي الروسي هو تاريخ مفعم بولع شديد للوصول إلى المياه المفتوحة، وعلى رأسها مياه البحر الأسود، وهو ما كان مثارًا لكثير من الحروب بين روسيا-وتركيا، وما القوقاز إلا خطوة تاقت روسيا لأن تخطوها للوصول إلى مياه المحيط الهندي (أحلام إخضاع إيران وأفغانستان للسيطرة).

وقد كان موقع المناطق الإسلامية في القوقاز على الخريطة السياسية للاتحاد السوفيتي أقل أهمية مما كان عليه إبان العهد القيصري، كما أن هذا الموقع اليوم يفوق بكثير أهميته التي كان عليها قبل تفكك الاتحاد السوفيتي وتكوين الجمهوريات المستقلة.

ويرجع هذا إلى أن الإطلال الروسي على المياه المفتوحة كانت تحققه أوكرانيا بسواحلها الطويلة في شمال البحر الأسود، وجورجيا بسواحلها في جنوب شرق البحر الأسود.

ومع الحرمان الروسي من النوافذ الساحلية التي فقدتها مع استقلال أوكرانيا وجورجيا وأذربيجان وأرمينيا، فإن روسيا غير مستعدة للتضحية بأي قدم بحري، حتى ولو كان على بحر مغلق كبحر قزوين، ولجمهورية فقيرة مثل جمهورية داغستان.

3- أن تدفق النفط في منطقة بحر قزوين يجعل روسيا مستعدة -في سبيل إبقاء الأراضي في الجنوب كافة تحت سيطرتها- لدفع "أي ثمن"، خاصة في ظل التوغل الأمريكي - الأوربي في القوقاز وآسيا الوسطى، تحت عباءة شركات الاستثمار البترولية.

4- أفضت أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي اتخذتها الولايات المتحدة ذريعة لحربها في أفغانستان إلى وصول القواعد العسكرية الأمريكية إلى أطراف البيت الروسي، وصار القوقاز على مرمى حجر من هذه القوات التي تتوغل رويداً رويداً في بعض جمهوريات آسيا الوسطى.

لكل هذه الأسباب تمثل منطقة القوقاز أهمية بالغة، ليس فقط لروسيا، بل وللأوضاع الجغرافية - السياسية الدولية بأسرها.

ويكفي أننا عندما نستدعى إلى الأذهان النظرية القائلة بأن لكل زعيم "حربه المقدسة"، لا ننسى أن تماسك الحكم الروسي في بداية عهد الرئيس بوتين كان مرهوناً بنجاحه في "حرب الشيشان المقدسة"، للحفاظ على وحدة البيت الروسي، والقضاء على "الأصوليين"، أو "العصابات الإرهابية" حسب التعبير المتداول في وسائل الإعلام الروسية، فى الشيشان وداغستان.

ويجب ألا ننسى أن الطرح المباشر لمفهوم "ماذا يضير روسيا لو انفصلت عنها جمهورية فقيرة مثل جمهورية داغستان أو الشيشان، وأن هذه الجمهوريات لن تكون لها مكانة على الخريطة الدولية وستعود من تلقاء نفسها طالبة الود الروسي مرة أخرى"، هو طرح ليس له مكان في مفهوم "الأمن القومي" الروسي الذي يضع الجنوب القوقازي في بؤرة اهتماماته. فاستبعاد الجنوب القوقازي من السيادة الروسية يعني إبعادها عن مناطق بالغة الأهمية في الصراع الدولي، وعلى رأسها المنطقة العربية، وجوارها التركي والإيراني، وآسيا الوسطى.

ومنذ سقوط الاتحاد السوفيتي والمشكلة الرئيسية لروسيا هي الأمن القومي الداخلي. وتحدِّد التهديدات الداخلية لأمن روسيا القومي كثيراً من المعايير الهامة لأمنها الجغرافي السياسي.

وجدير بالذكر أن الخطاب الرسمي الذي ألقاه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مايو 2001 في ذكرى الانتصار على النازية، أكد أنه إذا كانت روسيا تستحضر اليوم عظمة إنجازها في إلحاق الهزيمة بالنازية وكسر الفاشية، فإنه يستلزم عليها أن تواجه بنفس الروح والعزيمة التطرف والأصولية، في إشارة مباشرة إلى الوضع في القوقاز.

وكانت تلك الكلمات تُلقَى بينما الحرب دائرة على أشدها في جمهورية الشيشان.

ويبدو أن روسيا استبدلت الأصولية بالنازية سيراً على نهج الولايات المتحدة التي استبدلت الأصولية بالشيوعية.