قزوين.. الثروة والدين

قزوين.. الثروة والدين

قزوين.. الثروة والدين

بقلم عاطف معتمد
يوليو 2003


حمل بحر قزوين (الخزر)** من الشهرة أكثر مما حملت بقعة اقتصادية أخرى في العقد الأخير، ربما لظهوره على خريطة العالم بعد انقشاع الخطر الشيوعي الذي كان يهدد الغرب  حتى مطلع التسعينيات، وربما أيضا للتحرك الأمريكي وبناء القواعد العسكرية حول البحر في ظل إيمان الكثيرين بالأطماع الغربية في ثروات الشعوب الفقيرة.



كما أن هذا البحر ربما يضم إلى قائمة دول أوبك دولاً جديدة مثل أذربيجان وتركمنستان وأوزبكستان وكازاخستان، فضلاً عن إيران العضو القديم في هذه المنظمة.

ولعلّ أهمية المنطقة تنبع من اشتعال التمردات السياسية والحركات الاستقلالية على شواطئه، وهو ما يلخصه البعض بالقول: "قزوين: بحر من الدين فوق بحر من الثروة".

ولا ينفي أحد أن هناك ارتياحا كبيرا لدى دول أوبك في الوضع الحالي لبحر قزوين الذي ما زال إنتاجه أقل بكثير من التوقعات المثارة حوله، ورغم هذا لا يزيد إجمالي إنتاج بحر قزوين من النفط عن 1.3 مليون برميل يوميا وهو رقم هزيل لا يتناسب مع الشهرة التي تخص هذا البحر.

غير أن احتياطي قزوين من النفط ربما يفسر شهرته كمنطقة مهمة ذات مستقبل في الاستخراج النفطي، ويعول عليها الغرب في تنويع مصادر الطاقة وعدم تركيزها في الشرق الأوسط والتوجه نحو خفض الأسعار. وما زالت أرقام الاحتياطي حتى اللحظة متضاربة بين أرقام يمكن تخيلها لا تزيد عن 18 بليون برميل، وأرقام فلكية تصل إلى 300 بليون برميل.

قزوين.. معلومات أساسية

الموقع والأهمية:

بحر قزوين مسطح مائي مغلق، يقع شمال غرب آسيا، محصور بين أذربيجان وإيران وكازاخستان وتركمنستان وروسيا. يبلغ امتداده من الشمال للجنوب نحو 1200 كم، وتبلغ مساحته نحو 370.000 كم2، ومنسوب مياهه -28 مترًا، وتصل أعماقه إلى أكثر من 2000 متر.

وتأتي أهمية المنطقة في أن جزءاً كبيراً من مخزون النفط لم تمتد إليه الأيدي بعد، مما يجعل المنطقة محط تنافسات شديدة بين شركات الاستثمار العالمية لبسط النفوذ، وفى ذات الوقت يتعرض البحر لتنافس قوى جيوسياسية عظمى تمثلها الولايات المتحدة وروسيا، وقوتان أقل حجماً هما تركيا وإيران.

التاريخ:

منذ عشرينيات القرن الماضي وحتى 1970 اعتبر بحر قزوين بحرًا سوفيتيًّا - إيرانيًّا خالصاً.. ومنذ مطلع السبعينيات تم تقسيم بحر قزوين إلى قطاعات تخص كل جمهورية من الجمهوريات السوفيتية المطلة عليه، والتي صارت تشكل دول آسيا الوسطى وأذربيجان بعد تفكك الاتحاد السوفيتي. ففي عام 1970 قامت وزارة النفط السوفيتية بتقسيم "القطاع السوفيتي" لبحر قزوين على قطاعات بين جمهوريات روسيا السوفيتية، أذربيجان وتركمنستان وكازاخستان. وفى أثناء ذلك اتخذ خط التوسيط البحري أساسا للتقسيم، وهو الأسلوب الشائع اتباعه في الممارسات الدولية عند تعيين الحدود على البحيرات الدولية.

ومنذ ذلك التاريخ صار لكل جمهورية من الجمهوريات السوفيتية الأربعة المطلة على قزوين قطاع على هذا البحر، ذلك القطاع الذي أصبح -بعد تحول الحدود الإدارية إلى حدود دولية (بسقوط الاتحاد السوفيتي)- قطاعا يخص هذه الدولة المستقلة.

احتياطي النفط والغاز:

يحوي بحر قزوين 4 أحواض ترسيبية رئيسية للهيدروكربون، تحوي معظمها خزانات للنفط والغاز الطبيعي، ولا تزال غالبية هذه الأحواض (وخاصة البعيدة منها عن خط الساحل وفى قاع البحر) دون الاستغلال لأسباب تقنية وخلافات بين الدول المشاطئة للبحر. وتعطي هيئة EIA (إدارة معلومات الطاقة الأمريكية Energy Information Administration) حتى يوليو 2002 تقديرات دقيقة عن الاحتياطي المؤكد تتراوح بين 18 و34 بليون برميل، بينما تصل تقديراتها للاحتياطي المحتمل Estimated Reserve إلى 250-270 بليون برميل. وتمثل هذه التقديرات ثلث احتياطي بترول الشرق الأوسط، وتتفوق بنحو الضعف على الاحتياطي المؤكد لبترول بحر الشمال البالغ 17 بليون برميل، كما تفوق الاحتياطي المؤكد للولايات المتحدة البالغ 22 بليون برميل.

وفيما يخص الغاز الطبيعي فيبلغ الاحتياطي المؤكد نحو 170 تريليون قدم مكعب، ومن الاحتياطي المحتمل بين 243 و 248 تريليون قدم مكعب. ولدى أوزبكستان (وإن كانت غير مشاطئة للبحر، ولكنها على مقربة منه) 66 تريليونا من الاحتياطي المؤكد للغاز الطبيعي.

والجدول التالي يوضح بيانات تفصيلية لاحتياطي النفط والغاز في دول قزوين:

احتياطي النفط والغاز في دول بحر قزوين (النفط بليون برميل، الغاز تريليون قدم مكعب)

إجمالي احتياطي الغاز

احتياطي الغاز المحتمل

احتياطي الغاز المؤكد

إجمالي الاحتياطي

احتياطي النفط المحتمل

احتياطي النفط المؤكد

الدولة

39.4

35

4.4

33.2

32

1.2

أذربيجان

11

11

0

15.1

15

0.1

القطاع القزويني لإيران

153

88

65

97.4

92

5.4

كازاخستان

لا توجد بيانات

لا توجد بيانات

لا توجد بيانات

16.7

14

2.7

القطاع القزويني لروسيا

260

159

101

80.6

80

0.6

تركمنستان

463.4

293

170.4

243

233

10

الإجمالي

المصدر: :2002 Energy Information Administration

إنتاج النفط:

ما زال الإنتاج النفطي في بحر قزوين محدودًا؛ إذ لا يتخطى حسب إحصاءات 2001 نحو 1.3 مليون برميل يوميًّا (بما لا يزيد عن ثلث إنتاج دولة مثل العراق قبل عام 1991). ويتوقع أن يصل هذا الإنتاج لنحو 4 ملايين برميل يوميًّا في سنة 2010. وفى الوقت الذي لا توجد فيه أرقام حول الإنتاج الإيراني يلاحظ أن كازاخستان هي أولى الدول المنتجة والأكثر حظًّا في توقعات المستقبل بإنتاج يبلغ نحو 62% من إجمالي الإنتاج الحالي، وينتظر أن تحافظ على حصتها في السنوات السبع المقبلة.

وبنفس الأهمية تأتي كازاخستان كأولى دول قزوين في التصدير الذي يمثل نحو ثلثي الإنتاج في عديد من الدول المشاطئة للبحر. ويوضح الجدول التالي تفصيل الإنتاج والتصدير على مدى 20 عاما (1990-2010).

إنتاج النفط في دول بحر قزوين (ألف برميل في اليوم)

التصدير المتوقع لسنة 2010

التصدير سنة 2001

التصدير سنة 1990

الإنتاج المتوقع 2010

الإنتاج سنة 2001

الإنتاج سنة 1990

الدولة

1.000

175

77

1.200

311

259

أذربيجان

1.700

631

109

2.000

811

602

كازاخستان

0

0

0

0

0

0

القطاع القزويني لإيران

300

7

0

300

11

144

القطاع القزويني لروسيا

150

107

69

200

159

125

تركمنستان

3.150

920

255

3.700

1.292.3

1.130

الإجمالي

المصدر: 2002 : Energy Information Administration

وفيما يخص الغاز:

إنتاج الغاز في دول بحر قزوين (بليون قدم مكعب في السنة)

التصدير المتوقع لسنة 2010

التصدير سنة 2000

التصدير سنة 1990

الإنتاج المتوقع 2010

الإنتاج سنة 2000

الإنتاج سنة 1990

الدولة

500

0

-272

1.100

200

350

أذربيجان

350

-176.6

-257

1.100

314.3

251

كازاخستان

0

0

0

0

0

0

القطاع القزويني لإيران

لا توجد بيانات

لا توجد بيانات

لا توجد بيانات

لا توجد بيانات

30

219

القطاع القزويني لروسيا

3.300

1.381

2.539

3.900

1.642

3.100

تركمنستان

4.150

1.204.4

2.010

6.100

2.072

3.92

الإجمالي

المصدر :2002 : Energy Information Administration

 

حرب الأنانبيب في بحر قزوين

تتنافس دول المنطقة في الفوز بأكبر حصة من تصدير نفط قزوين عبر أراضيها، وأهم هذه الدول روسيا وجورجيا وتركيا وإيران وأفغانستان، ومن خلال المراجعة التفصيلية لمصادر روسية وغربية فإن الخطوط المقترحة للنقل هي:

أولاً: عبر روسيا:

1- خط أتيراو - سماراAtyrau-Samara

قبل تفكك الاتحاد السوفيتي كان هناك خط رئيسي واحد لنقل البترول الخام من كازاخستان إلى روسيا، حيث شبكة من خطوط الأنابيب التي تنقل بترول روسيا إلى السوق العالمي (بطاقة مقدارها 200 ألف برميل/ يوم). وفي ظل التنافسات التي تجرى في المنطقة لجأت روسيا إلى:

- رفع كمية النفط الذي تضخه كازاخستان عبر هذا الخط، وقدمت روسيا لكازاخستان تسهيلات كبيرة على رأسها خفض تعريفة النقل.

- رفع الطاقة الاستيعابية لخط أتيراو- سمارا من 200 ألف برميل/ اليوم إلى 300 ألف برميل/ اليوم. واستفادت كازاخستان بالفعل من ذلك عندما رفعت من كمية الضخ إلى 290 ألف برميل/ اليوم حسب تقديرات نوفمبر- 2000.

2- خط باكو- نوفارايسيسك Baku-Novorossiisk

يمثل ميناء نوفارايسيسك (الميناء الروسي على البحر الأسود) محطة طرفية للخط الشمالي الذي يضخ بترول أذربيجان بطاقة بلغت في نهاية التسعينيات 40 ألف برميل/ يوميًّا.

ويمر هذا الخط من باكو في أذربيجان إلى نوفارايسيسك عبر الأراضي الشيشانية - الداغستانية. وتُضخ عبر هذا الخط كميات أقل من طاقته الاستيعابية، ويرجع ذلك لعدة أسباب أهمها:

- عدم الاتفاق بين الدول المعنية فيما يخص أسعار النفط

- تدمير بعض الجماعات المسلحة في الشيشان لأجزاء من الخط

- إعلان الجهات الروسية عن "قرصنة" شيشانية لكميات من البترول المنقول عبر الخط

- اندلاع الحرب الشيشانية الأخيرة

وهو الأمر الذي أدى إلى انخفاض كمية التصدير المنقولة عبر هذا الخط من أذربيجان إلى 10 آلاف برميل/ اليوم (بعدما كانت 40 ألف برميل/ اليوم)

ولتقليل الخطر الشيشاني قامت روسيا بإيقاف ضخ البترول عبر الأراضي الشيشانية واستبدلت بذلك نقله بالسكك الحديدية عبر داغستان إلى ستافروبول ومنها إلى نوفارايسيسك. كما أعربت روسيا عن استعدادها لخفض رسوم المرور ليصل إلى نفس الحد الذي أغرت به تركيا أذربيجان لإتمام مشروع باكو - جيهان.

3- خط تنجيز - نوفارايسيسك Tengiz - Novorossiisk

ينتقل بترول حقل تنجيز الواقع غرب كازاخستان إلى ميناء نوفارايسيسك عبر السكك الحديدية بنسبة 70% وعبر خط أنابيب أتيراو- سمارا بنسبة 30%. ومن ثم تبدو الحاجة ماسة لتلبية الضخ المتزايد من كازاخستان عبر إنشاء خط أنابيب من تنجيز إلى نوفارايسيسك شمال منطقة القوقاز.

والطاقة الأولية للخط تبلغ نحو 600 ألف برميل/ اليوم، بطاقة قصوى تصل في نهاية عام 2015 إلى 1.35 مليون برميل/ اليوم. وسيحقق هذا الخط –على مدى الأربعين سنة التالية- عائدًا مقداره 150 مليار دولار لكل من كازاخستان وروسيا.

ومن جانبها أشارت تركيا إلى أنها سترفع من الرسوم المفروضة عبر مضيق البسفور باعتبار أن المضيق لن يستطيع ملاحقة التدفق الضخم للمشروع الكازاخي – الروسي، وقد يتعرض لكوارث بيئية نتيجة احتمال التدفق البترولي الناجم عن كثافة الحركة المنتظرة.

وإن كان التدفق الفعلي للنفط قد تعرض للتوقف أكثر من مرة لوجود مشكلات فنية بين كازاخستان وروسيا تتعلق باختلاف درجة جودة البترول المضخ من كازاخستان بنظيره الروسي ومرور الاثنين معًا مخلوطين في أنابيب النقل.

4- بحر قزوين - البحر البلطي

تستطيع روسيا أن تكون بوابة لتصدير بترول بحر قزوين عبر أراضيها بربط بترول المنطقة بشبكة أنابيبها الواصلة إلى الأسواق الأوروبية من خلال نافذتها على البحر البلطي، خاصة أن هناك تجارب سابقة منها تصدير كازاخستان لبترولها عبر ليتوانيا إبان العهد السوفيتي. وفي هذا الصدد يمكن لروسيا ودول البلطيق أن تستفيد من تصدير البترول الكازاخي.

5- خط الأنابيب روسيا- بلغاريا- اليونان

وفي سعيها لكي لا يسحب البساط من تحت قدميها، باعتبارها قوة إقليمية ولاعبًا أساسيا في إقليم آسيا الوسطى والقوقاز، اتجهت روسيا بالتعاون مع اليونان وبلغاريا نحو الشروع في مد خط الأنابيب نوفارايسيسك – بورجس - أليكساندربوليس Burgas-Alexandropolis (برجاء مراجعة الخريطة المرفقة). والهدف الأساسي من هذا المشروع هو تطويق البسفور والدردنيل، ومن ثَم التخلص من القيود التي تفرضها تركيا على مرور ناقلات البترول الكبرى عبر مضيق البسفور، والاستبدال بذلك تصدير البترول من الميناء الروسي نوفارايسيسك بالناقلات عبر البحر الأسود إلى ميناء بورجس البلغاري، ومن هناك يضخ في أنابيب عبر الأراضي اليونانية إلى ميناء أليكساندروبوليس.

وتؤكد كل من روسيا وبلغاريا واليونان أن هذا الخط سيقلل من تكلفة نقل البترول بنحو 10 مرات مقارنة بنقله عبر الأراضي التركية.


 

ثانيًا: عبر جورجيا (باكو - سوبسا)

تمثل جورجيا موقعًا انتقاليًّا بين دول الإنتاج الحبيسة في الشرق والبحر الأسود، ومن ثَم البحر المتوسط، في الغرب ولدى جورجيا إمكانات النقل عبر مد خط أنابيب من باكو في أذربيجان إلى الميناء الجورجي سوبسا (شمال الميناء الشهير باتومي) على البحر الأسود بطاقة استيعابية مقدارها 100 ألف برميل/ اليوم. ويمكن للخط أن يتطور لتصل طاقته الاستيعابية إلى 300 ألف، تزداد في المستقبل إلى 600 ألف برميل/ اليوم، برسوم مقدارها 18 سنتًا للبرميل.

وهناك خيار مشابه لنقل البترول الأذربيجاني عبر السكك الحديدية إلى ميناء باتومي الجورجي بطاقة استيعابية قصوى مقدارها 200 ألف برميل/ اليوم. ويتزايد الدور الجورجي يومًا بعد يوم، فقد وصل معدل النقل في عام 2000 إلى 70 ألف برميل يوميًّا من البترول الأذربيجاني والكازاخي بعدما كان 50 ألف برميل في العام السابق له مباشرة.

وتبذل جورجيا جهودًا حثيثة لتطوير موانئ ومصافي البترول في كل من بوتي وباتومي بهدف تحقيق 120 ألف برميل/ اليوم. ويحد من الآمال الجورجية عدم الاستقرار السياسي الذي تعيشه جورجيا في ظل المشكلات الداخلية والصراع في إقليم أبخازيا الانفصالي، وما يمكن أن يمثله من تهديد لأنابيب النفط. وإن كان وصول القوات الأمريكية مؤخرًا بدعوى مطاردة الفارين من تنظيم القاعدة في جبال القوقاز يرفع من أسهم الخيار الجورجي بوضع أنابيب النفط تحت أعين النسر الأمريكي.

ثالثًا: عبر تركيا:

وقّعت كلّ من أذربيجان وجورجيا وأذربيجان في عام 1999 اتفاقًا على مد خط من الأنابيب ينقل البترول الآذري إلى الأراضي التركية مارًّا بالأراضي الجورجية لينتهي الخط عند الميناء التركي جيهان Ceyhan عند منطقة الإسكندرونة. وهو خط يفوق طوله 1700 كم، بطاقة استيعابية ضخمة تبلغ مليون برميل/ اليوم، وستبلغ تكلفته نحو ثلاثة مليارات دولار. وهذه الطاقة الاستيعابية الضخمة لن تحمل فقط النفط الأذربيجاني بل ونظيره الكازاخي، وإن كانت كازاخستان لم تحسم موقفها بعد بسبب تشابك علاقتها مع روسيا.

والنقطة الجدلية الرئيسية هي أن مد خطوط الأنابيب عبر الأراضي التركية الجبلية سيتطلب الحفاظ على تقنية ضخ البترول في الأنابيب بالدفع المستمر، مما يجعل كل كيلومتر من هذا الخط أكثر تكلفة بعدة مرات من الخيارات الأخرى، والتي على رأسها الخيار الروسي- اليوناني، وسيمر الخط التركي بالأجزاء الشرقية من تركيا، حيث المقاتلون الأكراد الداعون إلى إقامة كردستان المستقلة عن الجسد التركي.

رابعًا: عبر إيران:

تمثل إيران أحد الخيارات الهامة لنقل بترول بحر قزوين إلى السوق العالمية وخاصة إلى السوق الآسيوية التي يتوقع أن تكون أسعارها أفضل في ظل وفرة في الخيارات الأخرى التي تنقل البترول إلى غرب أوروبا عبر البحر المتوسط من بحر قزوين. ويبدو الخيار الإيراني الأقصر طولاً والأقل تكلفة حسبما تعلن إيران مرارًا.

ويمكن أن تنقل إيران بترول بحر قزوين بطريقتين:

- بالنقل المباشر عبر الأنابيب إلى الخليج العربي

1- خط تنجيز – أنزيلي - Enzeili تبريز بطول 1500 كم وبطاقة نقل مقدارها مليون برميل/ اليوم. ويمكن لأذربيجان أن تنقل بترولها عبر هذا الخط بنقله أولاً من الغرب إلى الشرق عبر مياه بحر قزوين إلى ميناء تركمينباشي ليلحق بنظيره الكازاخي عبر الأنابيب.

2- باكو – تبريز، بطاقة نقل تتراوح بين 200 ألف إلى 400 ألف برميل/ اليوم.

- بالنقل التبادلي Oil Swaps

ويقصد بالنقل التبادلي أن تتلقى إيران نفط بحر قزوين من أذربيجان وتركمنستان وكازاخستان في مينائها "نيكا" في بحر قزوين وتنقل من هذا الميناء عبر الأنابيب أو السكك الحديدية إلى مصافي البترول في شمال البلاد. وفي المقابل تقوم إيران بضخ كمية مماثلة من النفط في شبكة أنابيبها إلى الخليج العربي في صورة نفط خام.

ويعيب الخيار الإيراني، من وجهة نظر القوى الغربية، الجوانب التالية:

1- أن نقل البترول عبر إيران يقدم مزيدًا من التركيز للبترول في منطقة الخليج العربي، وهو ما يزيد من تكلفة التعرض للمخاطر، ويحفظ للمواقع الجيوإستراتيجية القديمة فاعليتها. بينما الهدف الرئيس هو التنويع في مصادر البترول ومسارات نقله.

2- العقوبات الاقتصادية التي تفرضها الولايات المتحدة على إيران ومنع الشركات الاستثمارية من العمل بها بميزانات ضخمة كتلك التي يتطلبها القطاع النفطي. كما أن هناك مشكلات سياسية أخرى تظهر حالة العداء بين الدولتين لعل آخرها ما أعلنته الولايات عن "محور الشر" والذي صنفت فيه إيران والعراق وكوريا الشمالية كدول متوقع تلقيها ضربات عسكرية ضمن الحملة الأمريكية على ما يسمى بالإرهاب الدولي.

خامسًا: عبر أفغانستان

الخيار الأفغاني مطروح وحتى قبل الأزمة الأفغانية الأخيرة. ففي أكتوبر 1997 كانت تركمانستان قد وقعت مذكرة تفاهم مع حكومة طالبان وباكستان لمد خط أنابيب طاقته مليون برميل/ اليوم لنقل البترول إلى باكستان والهند والسوق العالمية في شرق آسيا.

ولم يكن يعيب هذا الخيار قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر سوى وجود حكومة طالبان التي تعاديها الولايات المتحدة. وقد أفضت الأحداث الجارية إلى تغير يمكن وصفه بأنه تغيير جوهري في البناء السياسي لأفغانستان، وقد تكون الفرصة قد صارت مواتية لتحقيق الخيار الأفغاني الذي يحقق للقوى الغربية الأهداف التالية:

1- الحد من استعادة روسيا لتوازنها في المنطقة

2- حرمان إيران من مزيد من الثروات

3- التنويع في مسارات خطوط الأنابيب

إذا ما تحقق السيناريو المنتظر بالقضاء على الأصولية في أفغانستان فإن الخيار الأفغاني سيكون الأقل، إذا ما قورن بالمشكلة الكردية التي تهدد الخيار التركي، والشيشانية التي تهدد الخيار القوقازي، والأبخازية التي تهدد الخيار الجورجي، والأيديولوجية التي تكتنف الخيار الإيراني.

 

أذربيجان.. الكويت الجديدة!

شبّه بعض الاقتصاديين الغربيين بحر قزوين بالخليج العربي الجديد (الخليج الفارسي في المفهوم الغربي)، كما يعتبر كثير من المتابعين أن أذربيجان هي الكويت الجديدة بمستقبلها النفطي.

ورغم أن أذربيجان لا تنتج سوى 0.3 مليون برميل يوميًّا فإن احتياطي النفط بها يتراوح بين 1 إلى 30 بليون برميل (تباين كبير في التقديرات) وهو ما ينتظر أن يصل باستكمال الاستكشافات إلى إنتاج يومي ربما يبلغ في 2010 نحو 1.2 مليون برميل (ما زالت بعيدة عن تشبيهها بالكويت التي يبلغ إنتاجها اليومي 2 مليون برميل واحتياطها من النفط 96 بليون برميل).

جدير بالذكر أن أذربيجان كانت من أولى دول العالم التي بدأ فيها ضخ النفط في مطلع القرن العشرين، ووصل إنتاج النفط بها في أربعينيات الفترة السوفيتية إلى 0.5 مليون برميل يوميًّا.

ومع ما تتسم به ظروف استخراج النفط الأذربيجاني من صعوبة ومخاطر -بما يرفع من تكلفة الإنتاج- اتجهت آلة النفط السوفيتية إلى سيبيريا وشمال غرب روسيا، فهبط الإنتاج الأذري بشكل مفاجئ.

ولم يكن الإنتاج يزيد في بداية الاستقلال عن الاتحاد السوفيتي عن 260 ألف برميل، أي نحو نصف ما كانت عليه في الأربعينيات. وبمجرد استقلالها عن الاتحاد السوفيتي في عام 1991 سارعت أذربيجان في عهد الرئيس مطالبوف إلى توقيع عقود الاستكشافات النفطية مع الشركات الغربية وعلى رأسها "بريتيش بيتروليوم" و"أموكو".

 

الشراكة مع الغرب

ومع استقلال أذربيجان عن الاتحاد السوفيتي (أغسطس 1991) قاد الرئيس "التشيبي" توجه الابتعاد عن موسكو ، فازدادت الشراكة مع الغرب في القطاع النفطي، وتأكد هذا التوجه مع وصول الرئيس الحالي حيدر علييف إلى سدة الحكم في عام 1993. ووقعت في عام 1994 عقود نفطية بين وزارة النفط الأذرية و12 شركة أوروبية اعتبرها المراقبون "صفقة القرن".

وحصلت الشركات الأمريكية على مدى عقد التسعينيات وحتى عام 1998 على 38% من قيمة العقود ومثلتها شركات: رامكو، أموكو، يونوكال، بنزأويل، وإيكسون. وحصلت الشركة البريطانية "بريتيش بيتروليوم" على 17% من قيمة العقود، بينما بلغت حصة كبرى الشركات الروسية "لوك أويل" على 10% ونحو 8% كانت للشركة النرويجية "ستات أويل"، والنسب الباقية كانت لشركات دولية أخرى كشركة تباو التركية ووايتوتشو اليابانية ودلتا السعودية، وستستمر هذه العقود حتى 2025. وتخطط هذه الشركات لاستخراج 500 مليون طن وبرأس مال 8 مليار دولار.

شركة لوك أويل

ورغم ما يثار من أن أذربيجان تقفل الباب أمام روسيا في استثمار ثروتها البترولية وحالة التوتر الظاهرة بين البلدين بسبب اتهامات متبادلة، فإن شركة لوك أويل الروسية تجد طريقها للعمل في الحقول النفطية الأذرية، ولكن مع تحجيم باكو لنسبتها في حدود 10% من إجمالي العقود.

وفي المقابل لا تقل حصة الشركات الأمريكية والبريطانية مجتمعة عن 50%. والباقي لشركات متنوعة إيطالية ونرويجية ويابانية وفرنسية. غير أن روسيا لا تفرق بين اليابان وفرنسا والولايات المتحدة، فالكل عندها "غرب" أو الكل عندها "ليس روسيًّا"، كما أنها لا تفرق بين حضور الشركات الغربية على الأراضي الأذرية والحضور الجيوسياسي للدول الغربية على عتبات بيتها لإزاحة روسيا من فضاء جغرافي اعتبرته لقرون "حقًّا مكتسبًا". كما أن روسيا لا تزال غير قادرة على القبول بسيطرة أسطولها الحربي على مياه قزوين ووجود هامشي لشركة لوك أويل في هذا البحر.

برميل النفط.. نصف ممتلئ

ولا يخفي بعض المتابعين الروس شماتتهم من الانتكاسة التي شهدها قطاع النفط الأذري في النصف الثاني من عقد التسعينيات، حينما اكتشفت عديد من الشركات الغربية أن التنقيب عن النفط في القطاع البحري الأذري (80% من الإنتاج يأتي من الحقول البحرية) لم يؤتِ سوى 25% مما كان منتظرًا، بل إن بعض الشركات الأخرى فوجئت بارتفاع شديد في تكاليف الاستخراج فعزفت عن إكمال عمليات التنقيب (لنيزافيسيميا جازيتا 26 يناير 1999).

وهكذا وكما أعلنت وزارة النفط الأذرية في عام 2000 فإن 21 عقدًا مع 33 شركة أجنبية تمثل 15 دولة لم تحقق النجاح المطلوب والشروط المتفق عليها في العقود النفطية، فانسحبت بعض الشركات، وباع البعض حصته لشركات أخرى، وجمدت شركة أموكو الأمريكية العملاقة من استثماراتها في إنشاء خط الأنابيب باكو - جيهان.

وقد تناغم هذا مع توجهات عامة لشركات الاستثمارات الغربية التي اكتشفت أن الاستثمار القزويني ليس "صفقة موعودة" في ظل صعوبات الاستخراج في مياه البحر العميقة، فخفضت في عام 1999 ثلاث شركات كبرى عاملة في تركمنستان (القطاع الشرقي من قزوين) استثماراتها إلى الحد الأدنى.

عوائق أخرى

وعلى الرغم من الأبعاد الاقتصادية في مشكلة النفط الأذري بخصوصه والقزويني بعمومه، فإنه من الصعب فصل القضية عن عاملين رئيسين:

1- المشكلات العرقية على خريطة التنافس الغربي - الروسي على بترول قزوين، فمشكلات الانفصال العرقي - الديني في كل من الشيشان وداغستان (روسيا)، وأجاريا وأبخازيا (جورجيا)، وكاراباخ (أرمينيا وأذربيجان)، ومشروع الانفصال الكردي (تركيا)، وحركات الإسلام السياسي التي تعمل تحت الأرض (دول آسيا الوسطى شرق بحر قزوين).

2- تاريخ العلاقات بين دول بحر قزوين وروسيا والتي كانت جميعها حتى عام 1991 تخضع لسيادة موسكو، سواء في العهد القيصري أو في العهد السوفيتي (عدا إيران). ويحفل هذا التاريخ بعلاقات سيادية تحاول دول المنطقة أن تخرج من ظلالها إلى وعود بالرفاهية والاندماج في عالم الغرب.

ومن زاوية أخرى هناك التنافس الأمريكي - الروسي للسيطرة على المنطقة. ولقد فسّر البعض الحملة الأمريكية على أفغانستان بسعيها للسيطرة على نفط قزوين، وقد يكون في ذلك بعض من تفسير دوافع جزئية للحملة (ويشبه ذلك تفسير الحملة على العراق)، غير أن الثابت أن الدوافع أكبر من أن تنحصر في النفط الذي لا يمثل أكثر من محفز الحركة في بسط الهيمنة وبناء الإمبراطورية التي لا بد لحدودها أن تشمل منابع الثروة التي تقع في جزء عظيم منها تحت أعين المشروعات الإسلامية الناهضة (والمضروبة داخليًّا وخارجيًّا).

وخاتمة القول إن الركود الذي تعيشه أذربيجان وباقي دول قزوين قد لا يبدو لتغيره فجرًا قريبًا، فدول آسيا الوسطى ستظل تتمايل بين روسيا والغرب ببراجماتية معهودة عن سكان المنطقة. ودول القوقاز الثلاث لا يمكن وضعها في سلة واحدة. فجورجيا وأرمينيا لا نفط لديهم، ولن يطمعا في أكثر من نقل النفط عبر أراضيهم، أما أذربيجان فستدفع أكثر لمن يعيد إليها كاراباخ المحتلة بالجيش الأرمني ومن ينقلها إلى الغرب (ولو كعضو في الناتو ومن خلال النموذج التركي)، ويهرب بها بعيدًا عن الظل الروسي الثقيل حتى لو شبهها الروس بإسرائيل القوقاز في علاقتها الحميمة بالولايات المتحدة.