الجغرافيا والجندر في حركة المهاجرين الألبان إلى اليونان

الجغرافيا والجندر في حركة المهاجرين الألبان إلى اليونان

الجغرافيا والجندر في حركة المهاجرين الألبان إلى اليونان

تأليف: رسل كنج، أدريانا كاستالدون، و يوليا فولنتالري
عرض وقراءة: عاطف معتمد

" المصدر الأصلي للمقال منشور في دورية الجغرافيا الاقتصادية عدد أكتوبر 2011 :
"Russell King, Adriana Castaldo & Julie Vullnetari (2011) Gendered Relations and Filial Duties along the Greek-Albanian Remittance Corridor. Economic Geography, vol. 87 No. 4

تمثل تحويلات العاملين في الخارج محور أغلب النقاشات المتعلقة بالهجرة. ورغم أنها تحظى بشكل عام باهتمام كبير من زوايا مالية واقتصادية، إلا أنها تعاني من إغفال واضح لأبعاد أخرى متعلقة بالنوع الاجتماعي Gender (أي مكانة المرأة في السياق الاجتماعي والثقافي) والبنية الأسرية الأبوية.

ويهدف المقال الحالي إلى تصحيح هذه النظرة من خلال تحليل تدفق تحويلات المهاجرين الألبان إلى اليونان المجاورة. وقد اعتمد البحث هنا على مسح مفصل لـ 350 فردا من متلقي التحويلات في القرى الريفية بجنوب شرق ألبانيا إضافة الى استبيان مع 45 من مرسلي التحويلات في مدينة سالونيك باليونان.

التغيرات الهيكلية المرتبطة بالهجرة

تأتي أهمية الدراسة من أنه مع التغيرات السياسية التي مرت بالمنطقة خلال العقدين الماضيين اضطر 20 % من المواطنين الألبان للهجرة والعمل في اليونان المجاورة. وفي الوقت الذي تهتم فيه دراسات تحويلات المهاجرين في عديد من المجتمعات بمدى ما تسهم به المرأة من تحويلات إلى ذويها في بلد الموطن، إلا ان الطبيعة "الشرقية" للمجتمع الألباني لا تجعل المرأة تسهم بقدر كبير في ذلك، إذ هي دوما تبقى لترعى الأسرة في الوطن الأم و"تستقبل" تحويلات الذكور المهاجرين. وفي حالة سفرها مع زوجها المهاجر في اليونان فإنها لا تسهم بقدر ملحوظ في تحويلات العاملين إلى بلادها أخذا في الاعتبار التقاليد الألبانية التي تستنكر أن ترسل المرأة إعانات مالية لذويها من الرجال. وهذا هو حال كافة المجتمعات "الأبوية" (البطريركية Patriarchal).

وقد عاشت ألبانيا لنحو نصف قرن في عزلة عن العالم بسبب النظام الشيوعي الذي كان يحكمها، وحين تفكك هذا النظام عانت الدولة فجأة من أوضاع غير مستقرة تسببت في ارتفاع كبير في نسبة البطالة وحالة تقترب من المجاعة، واضطراب سياسي، كما أهملت أحلام شريحة سكانية كبيرة من الشباب وعانوا من ضعف الحركة والانتقال.

وكان انهيار الشيوعية في ألبانيا مطلع تسعينيات القرن العشرين مصحوبا بحالة كبيرة من الهجرة الداخلية والخارجية، وبدا وكأن سكان الدولة بأسرها قد هاجروا أو انتقلوا من مكان لآخر. وقد أشارت الإحصاءات إلى أن أكثر من مليون ألباني (ثلث إجمالي السكان) يعيشون خارج أوطانهم بعد أن هاجروا للعمل، وكان 60 % منهم قد هاجروا إلى اليونان و 30 % إلى إيطاليا.

تعويذة التنمية

تسارعت في السنوات الأخيرة وتيرة البحث في العلاقة بين الهجرة والتنمية، خاصة مع اعتبار التحويلات سياسة للخروج من الفقر. وقد أكد تقرير التنمية البشرية لعام 2009 (الصادر عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة UNDP) على إزالة الحواجز أمام الحراك البشري كوسيلة للإسهام في التنمية، سواء في الجهات المقصد او الجهات المصدر.

وتحتل تحويلات العاملين بالخارج مكانة اقتصادية كبيرة خاصة أن هذه التحويلات تجاوزت عالميا 440 بليون دولار في عام 2010 ، ذهب منها 325 بليون دولار للدول النامية. ومن المعتقد أنها تركت آثارا إيجابية بالغة على اقتصاديات دول الأصل التي وفد منها المهاجرون كما ساهمت في تقليل فجوة الفقر نظرا لتدفقها إلى الأسر الفقيرة. حتى أصبحت هذه التحويلات تعرف باسم "تعويذة التنمية الجديدة New Development Mantra " خلال العقد الفائت، رغم تصاعد أصوات تنتقد هذا المذهب وتشكك فيه.

وتعتبر تحويلات المهاجرين الألبان ذات أهمية رمزية كبيرة نظرا للدور الإيجابي الذي لعبته بعد انهيار الشيوعية وحالة الفوضى التي سادت تلك الدولة في مطلع تسعينيات القرن العشرين، بعد عقود طويلة من العزلة. قبل أن تصبح ألبانيا الآن واحدة من أعلى دول العالم في تحويلات العاملين في الخارج إسهاما في الاقتصاد القومي.

وتتناقض النتائج الي أجراها عديد من الدراسات بشأن مدى إسهام تحويلات النساء العاملات في الخارج مقارنة بنسبة إسهام الذكور. فبعض الدراسات خلص إلى أن النساء أكثر إرسالا من الرجال نظرا لطبيعة "الإيثار" التي تتتمع بها النساء مقارنة بالرجال وتضحيتهن بمدخراتهن لصالح عائلاتهن في الوطن الأم بدرجة أكبر مما يفعله الرجال الذين "يبددون" قدرا أكبر من المدخرات في حياتهم اليومية، وإن كانت هناك دراسات أخرى قد وصلت إلى نتائج عكسية. وبصفة عامة، فإن النتائج متناقضة فيما يتعلق بمقارنة حجم التحويلات من قبل النساء والرجال العاملين خارج أوطانهم.

وفي هذا الصدد وجد أن تحويلات النساء تميل الى التركيز على الاستثمار في رأس المال البشري (الطعام، الملبس، والتعليم) بينما تميل تحويلات الرجال الى الاستثمار في رأس المال المادي (الأرض – العقارات – وأدوات الإنتاج). وحتى في حالة تركيز النساء والرجال على الاستثمار الزراعي فإن تحويلات النساء تميل الى الاستثمار في شراء الارض الزراعية وتأمين موارد الغذاء والمحاصيل المعيشية بينما تميل تحويلات الرجال الى الانتقال بالنظام الزراعي من النظام المعيشي الى النظام التجاري أو شراء الميكنة الزراعية وتعظيم الزراعة النقدية.

على هذا الأساس يمكننا النظر الى الممر الألباني – اليوناني (بين ريف ألبانيا وحضر اليونان) كمحور عابر للحدود تنتقل خلاله التحويلات وتتدفق معه التغيرات الاجتماعية والاقتصادية. حيث لا يقتصر "التحويل" على البعد المادي فقط بل هناك تدفق للعادات والقيم والسلوكيات.

خصائص المهاجرين الألبان إلى اليونان

هناك ثلاثة أنواع من المهاجرين الألبان إلى اليونان:

  • أعزب يرسل الأموال لوالديه.
  • متزوج، وقد هاجر للعمل بمفرده، ومن ثم يرسل مدخراته لزوجته.
  • أسرة نووية مهاجرة (الزوج والزوجة والأبناء الصغار) ويكون التحويل للآباء.

وخلال المسح للعائلات المتلقية للتحويلات تم تجميع معلومات عنهم تشمل الخصائص التالية:

  • خصائص ديموغرافية تشمل بيانات عن العمر والنوع والتعليم والحالة الاجتماعية والوظيفة وفترة الهجرة في الخارج والتكوين العائلي للمتلقين للتحويلات.
  • الحالة الأسرية لمتلقي التحويلات تشمل بيانات عن ملكية الأسرة وموقعها ومدى وصولها للمياه والكهرباء والهواتف والإنترنت.
  • معلومات عن مقدار التحويلات المالية من حيث الحجم والتكرارية وقنوات الإرسال ونسبة ما تسهم به هذه التحويلات من الدخل الإجمالي للأسرة.
  • بيانات عن بقية الجوانب المالية الأخرى للأسرة مثل الدخل الأسري بدون الاعتماد على التحويلات واستخدام التحويلات، ومدى اعتماد الأسرة على القروض أو الحسابات البنكية.

وتم تسجيل جميع المقابلات في ملفات صوتية رقمية وتم تفريغها لاحقا.

ويتسم المهاجرون الألبان بأنهم من الشباب غير المتزوجين وتنوعت في السنوات الأخيرة حالتهم الاجتماعية والنوعية (ذكور/إناث) والتعليمية والحرفية وخلفياتهم الثقافية وحالتهم السكنية الريفية أو الحضرية ودوافعهم للهجرة.

وتبين من التحليل الإحصائي للبيانات التي جمعت في هذه الدراسة وجود علاقة ارتباط قوية بين عمر المهاجر وحجم ما يرسله من تحويل فيما يعرف باسم علاقة حرف يو U-shaped relationship بمعنى أن طرفي الخط (الأعمار الأصغر والأكبر) يرسلان أموالا أكثر مقارنة بمن هم في منتصف الشكل (الأعمار الوسطى) وذلك لأن الأعمار الأصغر يعملون أكثر ويربحون بشكل واضح، والأعمار الأكبر بقيت لسنوات طويلة في اليونان ومن ثم أرباحها أكبر. أما الأعمار الوسطى فهي من الأسر النووية التي اصطحب فيها الرجل زوجته وأبنائه ومن ثم تبقى تحويلاته إلى ألبانيا في أضيق حدودها.

وتبين أيضا وجود علاقة إيجابية بين مستوى تعليم المهاجرين وإجمالي الأموال التي يحولونها، وقد يعني ذلك أن المحولين يرسلون أموالا كبيرة إلى الوالدين لتعويض ما أنفقوه على أبنائهم المهاجرين في الاستثمار التعليمي. وهناك علاقة إيجابية بين فترة بقاء المهاجر وحجم الأموال المرسلة، فالمهاجرون الذين يعملون في اليونان لخمس سنوات أو اكثر يرسلون أموالا أكثر من أولئك الذين بقوا فترة أقصر من الزمن.

وبشأن الحالة الزاوجية والوضع الأسري، فإن المهاجرين غير المتزوجين يرسلون أموالا أكثر من نظرائهم المتزوجين. فهؤلاء المهاجرون الشبان يرسون أموالا اكثر لتحقيق هدفين مزدوجين: مساعدة الأباء والأخوة الصغار، وإدخار بعض من المال لتكوين أسرة جديدة في المستقبل المنظور.

الجندر والهجرة

حتى تاريخ 2001 كانت المرأة تشكل 40 % من حجم المهاجرين الألبان إلى إيطاليا واليونان، عبر عملية لم شمل الأسرة في المهجر وهو ما يسهم في إطالة أمد بقاء المهاجرين خارج أوطانهم. أما هجرة المرأة بمفردها من الريف الألباني فنادرة للغاية وتقتصر على فرص الدراسة والتعليم الجامعي في الخارج.

وللهجرة من هذا النوع تداعيات اجتماعية واقتصادية كبيرة. إذ تسهم تحويلات العاملين في الخارج، بنحو 10 إلى 20 % من إجمالي الناتج الكلي منذ عام 1992 وساهمت في استقرار حالة الاقتصاد الكلي أمام حالة العجز الكيرة في الميزان التجاري، وارتفع حجم مساهمة هذه التحويلات بشكل كبير من 275 مليون دولار عام 1993 لتصل الى 1.3 بليون دولار عام 2007 قبل أن تهبط مرة أخرى في العامين الأخيرين بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية والتي عانتها اليونان بشكل خاص.

وعلى المستوى المحلي تمثل التحويلات أهمية كبيرة إذ تعتمد عليها أسر بأسرها في حياتها الاقتصادية. وتلبية الحاجات الأساسية لهذه الأسر من الطعام وتوفير المأوى والسكن ودفع كلفة الخدمات الصحية والتعليمية، كما تعتمد كثير من الأعمال التجارية عل هذه التحويلات كمصدر لتوفير رأس المال الاستثماري خاصة في مراحل التأسييس. ومعظم هذه الأعمال التجارية صغيرة وتديرها الأسر بنفسها خاصة في قطاع تجارة التجزئة والمطاعم والمقاهي والنقل وتسهيلات البناء والتشييد.

ومن الجدير بالذكر أن المرأة الألبانية قد لاقت اهتماما خلال الفترة الشيوعية، فأدرجت في قوة العمل، وتحسنت حالتها التعليمية وشغلت 30 % من مقاعد مجلس الشعب خلال الفترة من 1997 وحتىى 1990. ولكن بعد انهيار الشيوعية تراجع نصيب المرأة في العمل والدخل والتمثيل السياسي وزادت "ذكورية" المجتمع الألباني.

ومع ذلك ظل النظام الأبوي مسيطرا ولم تتغير كثيرا الحياة الخاصة للأسرة التقليدية، وظلت المرأة تضطلع بمعظم، إن لم يكن كل، المسؤوليات، وفي مقدمتها رعاية الاطفال ورعاية البيت وكبار السن وأداء الأعمال المنزلية.

ويمكن اعتبار أبوية المجتمع الألباني هي المفسر الأساسي لانخفاض نسبة المهاجرات إلى الخارج أخذا في الاعتبار خوف الآباء والأزواج والأبناء من أن إرسال نسائهم إلى الخارج سيفقدهم السيطرة علي حركتهن وعلى "عفتهن" الجنسية. وإضافة إلى ذلك فإن قطاعا من الهجرة الألبانية إلى الخارج يتم بصورة غير قانونية وهي مخاطرة لا يقوى على تحملها سوى الذكور، خاصة عبر تلك المسارات الجبلية الوعرة التي تميز إقليم البلقان.

وبخصوص الحالة العملية للذين يقومون بتحويل الأموال إلى ذويهم في ألبانيا فإنهم يشتغلون في مجال التشييد والبناء ( بنسبة 66%) والزراعة (28 %) وأنشطة أخرى متنوعة (12%) تشمل إدارة الألات والمضخات والمطاهي والمخابز والنجارة.أما النساء الألبانيات المهاجرات فيعملن في الخدمات وتجارة التجزئة.

ونظرا لقرب الموقع الجغرافي فإن الفترة التي يبقى فيها المهاجر الألباني في اليونان تتراوح بين ستة أشهر وعامين. وعادة ما تتراوح نسبة التحويلات الشهرية بين 200 إلى 250دولار. ومتوسط عمر المهاجر 34 سنة، أما المهاجر المتزوج فأكبر عمرا (75 % منهم يزيد عمرهم عن 36 سنة).  ولا ينتوي كثير من المهاجرين الألبان البقاء في اليونان، فنصفهم فقط هو الذي اصطحب معه أسرته النووية.

وبخصوص الدخل السنوي للأسر المتلقية للتحويلات من الخارج، فإن ثلث هذه الأسر يبلغ متوسط دخلها السنوي ألف دولار، ونسبة أخرى مماثلة تتلقى دخلا سنويا ما بين 1000 إلى 2000 دولار، وكانت الأموال المحولة من المهاجرين تشكل أكثر من 50 % من قيمة الدخل السنوي لنحو نصف الأسر التي تتلقى التحويلات.

 أما النساء المهاجرات او المرافقات لأزواجهن فلا يحولن أموالا كثيرة، وتعرف هذه الأموال اصطلاحا باسم "من أجل شراء القهوة Just for Coffee "، وهنا تلعب العادات دورا مهما في ذلك حيث لا يجوز "للرجال ذوي الشوارب" أن يتلقوا أموالا من بناتهن المتزوجات في الخارج لأن ذلك لا يعني فقط فشل الأب في توفير احتياجاته بل فشل الأبناء الذكور في توفير احتياجات الآباء واعتمادهم على أخواتهم المتزوجات في الخارج، وهو ما يعد عارا في هذا المجتمع. وتتركز أغلب أشكال مساعدات النساء المتزوجات أو العاملات في الخارج في صورة مساعدات عينية (هدايا) أو رمزية من المرأة لأختها أو أمها.

وبخصوص أوجه إنفاق الأموال التي يتم تحويلها فإن أكثر من 50 % منها يوجه نحو بناء البيت أو تجديده أو شراء الأثاث أو بناء بيت جديد، ويوجه نحو 33 % لتغطية نفقات الإعاشة، و10 % توجه لسداد ديون الهجرة التي اقترضها المهاجر قبل سفره لتغطية رحلة البحث عن عمل في الخارج، والنسبة المتبقية (7%) تحفظ في شكل مدخرات.