أرواح في خطر

أرواح في خطر

أرواح في خطر

الصحة العامة في مصر القرن التاسع عشر

تأليف: لافيرنكونكه

ترجمة: أحمد زكي أحمد

مراجعة وتقديم: أحمد زكريا الشلق

إصدار: دار الكتب والوثائق القوميةـ مركز تاريخ مصر المعاصر،

مصر النهضة، عدد 94، 2013

أعد هذا العرض : ياسر سيد معوض

يقع الكتاب في 299 صفحة، يتألف من تسعة فصول يسبقهم تميد وينتهي بملحقين.

التمهيد: مفاهيم جديدة عن المرض والطب

الفصل الأول: محمد علي والمصريون.

الفصل الثاني: رد الفعل: تأسيس مدرسة الطب المصرية.

الفصل الثالث: الكوليرا.

الفصل الرابع: الطاعون.

الفصل الخامس: مجلس الكورنتينة الدولي.

الفصل السادس: الجدري.

الفصل السابع: الحكيمات "الضابطات الصحيات".

الفصل الثامن: البرامج الصحية في الريف والحضر.

الفصل التاسع: الارتقاء المستمر لمفهوم المرض ومفهوم الطب.

ملحق1: مؤسسة الصحة العامة في مصر من 1825 إلى 1850.

ملحق 2: القوى البشرية الطبية والصيدلية في نظام خدمات الصحة العامة المصري.

التمهيد: مفاهيم جديدة عن المرض والطب.

قبل أن تبدأ الباحثة في تناولها للصحة العامة في عصر محمد علي قامت في هذا التمهيد بوضعنا في إطار جولة تاريخية تناولت وجهات النظر المتباينة حول المرض، حيث يرجعها البعض إلى وصفه عنصرًا أجنبيًا خارجيًا يغزو الجسد، وآخرون يرجعونها إلى المفهوم الفسيولوجي للمرض، بمعنى أن المرض ناتج عن خلل في القوى الطبيعية داخل وخارج جسم المريض. وخلال هذه الجولة نكتشف حجم الجهود التي مرت حتى يضمن المرضى عناية من قبل الدولة باعتبار الصحة العامة من واجباتها، بل إنه ليهولنا حجم المفاجئة من أن كثير من الأطباء في أوربا كانوا يخشون ألا تجد عوائلهم المال اللازم لدفنهم.

وكان تبني الدولة للإشراف الطبي على سكانها سواء في الحضر أو الريف، قدانعكس أثره بقوة على قوة الدولة من خلال توفير أفراد قادرين على القيام بأعباء الوظائف المختلفة، سواء في المزارع أو المصانع، والأهم في ذلك حالة الجيوش المقاتلة، وقد كانت جيوش فرنسا نابليون على سبيل المثال نموذجا دالا على مدى تأثير الدولة في اهتمامها بصحة القسم العسكري من السكان، فقد كان إنشاء سلاح الخدمات الطبية واهتمامه الواعي والقصدي بقضية الإمداد بمياه الشرب، والنظافة الشخصية، والصرف الصحي، والتبني الفوري للتطعيم، أن ساهم بدرجة لها وزنها في قدرة نابليون على توسيع حجم الحرب البرية.

ولما كان محمد علي يسعى لاستغلال موارد الدولة الزراعية والصناعية والتجارية، كي يحقق طموحه العسكري وبراجماتيته السياسية، فإنه اتجه بقوة إلى الاهتمام بإدخال المؤسسات الطبية وتكنولوجيا الطب الوقائي، وذلك ضمانا لمواجهة الأمراض التي تفتك بشعب ولايته، خاصة الفلاحين، الذي شكلوا قوة العمل لبرامج التصنيع والتطوير الزراعي، وكذلك حماية للقوات المسلحة التي كانت إحدى أدوات تنفيذ سياساته، وقضاءً على خرافة أن مصر بلد تتوطن فيه الأمراض، وهكذا أصبحت مصر منذ أوائل القرن التاسع عشر بؤرة واعدة لأي استكشاف أو فحص للتقنية الطبية والتحول المؤسسي، وقد استطاع محمد علي بتلك الإجراءات أن يخفف ويقضى على كثير من الأمراض المتفشية في مصر مثل الكوليرا والطاعون والجدري والدوسنتاريا والربو.

الفصل الأول: محمد علي والمصريون

وتم فيه تقديم وصف لسكان مصر الذين كانوا ينتشرون في مساحة 4% من الدولة، مصورة لمنطقة التركز السكاني هذه بشكل النخلة، يعيشون في نحو 3000 قرية بين الصعيد والدلتا. استطاع محمد علي، ذلك التاجر الألباني، أن يرج بنيانهم الاجتماعي والاقتصادي من خلال رغبته وطموحه من أجل الاستقلال الذاتي عن الدولة العثمانية. حقق محمد علي بالفعل العديد من الإنجازات، فقد ارتفعت إيرادات مصر عام 1840 من 10 مليون دولار إلى 95 مليون دولار، واستطاع أن يبني جيشًا يتألف من 200 ألف رجل، وأسطول يتكون من 30 سفينة و 18ألف جندي بحري، كذلك استطاع أن يحول نظام الري في البلاد من الري الحوضي إلى الري الدائم، وشق العديد من القنوات فتوفرت المياه معظم شهور العام، فزرعت الأرض ثلاث وأربع مرات في العام الواحد.

ونظرًا لافتقار مصر للمواد الخام اندفع محمد علي للاستيلاء على سوريا، وقد مثلت جهوده التجارية من خلال نظام الاحتكار للمواد الزراعية والصناعية والتجارية، فرصة جيدة لتحقيق طموحاته السياسية والعسكرية، ولكن ضربة التحالف الأوربي عام 1841 قد قضت على تلك البنية التحتية للمؤسسات الخدمية التي أقامتها الدولة لخدمة البيروقراطية العسكرية، ولمعالجة الآثار المترتبة على القضاء على الاحتكار منح الوالي إقطاعيات ضخمة لملاك أفراد، كان لها أثرها السلبي في ظهور طبقة كبار ملاك الأراضي الزراعية، الذين لم يهتموا بعملية التصنيع، بل وقاوموا أي خطط للإصلاح الزراعية في المستقبل. وكان لتكون تلك الحالة أثرها السلبي على جانب الرعاية الصحية إذ لم تنشأ وتتطور طبقة وسطى حضرية لها حجمها خلال القرن التاسع عشر تخلق نوعًا من الطلب على الرعاية الصحية والطبية التي يقدمها طبيب القطاع الخاص، الأمر الثاني عدم وجود النقابات، التي قضى عليها محمد علي من قبل لبناء مشروعه الاحتكار الصناعي والتجاري، لم تمكن من نشوء المساعدة التعاونية أو منظمات المساعدة الأخوية التي ترعاها تلك النقابات، والتي تتطور مع نمو الطبقات العاملة نحو برامج التأمين ضد المرض والعجز على نحو ما حدث في أوربا.

وخلال هذا الفصل تتبدى صورة المصريين لدرجة لا تقف أمامها إلا مشدوهًا معجبًا بها في جوانب ومشمئزًا منها في جوانب أخرى، ولكن لا شك أن هذا كان شأنا عاما، فدائمًا ما تجد هنات هنا وهناك، وكانت الحياة الصحية للمصريين، جزءا من هذه الصورة، والتي تبدو أنها لم تكن سيئة، وفي نفس الوقت لم تكن جيدة مقارنة بالمستوى الذي يمكن النظر إليه من خلال الطب الحديث، فتشير الكاتبة إلى أن عدد الحمامات العامة كان كبيرًا خاصة في القاهرة، مع حرص على استخدامها من قبل سكانهامرة على الأقل كل أسبوع، ناهيك عن الحمامات الخاصة للطبقات الثرية، بل إن القاهرة كانت تتفوق على معظم المدن الأوربية في عدد الحمامات العمومية، وقد تم تسجيل قرابة 100 حمام في عهد الحملة الفرنسية، وهو جزء يسير من نحو 1170 حمام كانت قائمة في القرن الخامس عشر.

أما عن مصادر الطب في تلك الفترة فقد كانت هناك مصادر ثلاثة متداخلة، الأول يتمثل في الطب الفرعوني الذي استمر من خلال الأقباط، والثاني الطب النبوي، والثالث الطب الجالينوسي من خلال كتاب بن سينا. ولكن أن تكون قادرًا على الحصول على قدر جيد من الطب لممارسة المهنة، فإن هذا أمر لم يكن متوفرًا، لذا وجدنا حسن العطار، معلم رفاعة الطهطاوي، يغادر إلى اسطنبول في عام 1801 لتعلم الطب، ولم يمنع هذا من وجود أطباء، طبقًا لملاحظات أعضاء حملة نابليون والأطباء الأوربيون الذين زاروا مصر حوالي عام 1825، وكان تدريب هؤلاء الأطباء يتكون من نسخ الأعمال الكبرى المعترف بها خصوصًا كتابي القانون والمذكرات لابن سينا، مرة بعد أخرى حتى يحفظونها عن ظهر قلب، ويقومون ببيع النسخ الزائدة إلى المجموعة التالية التي تطمح في أن يكونوا أطباء. لا شك أنها كانت طريقة بسيطة وعقيمة ولكنها محافظة في نفس الوقت على وجود مداوين وحكماء متعلمين.

ومشيرة إلى أن حالة الصرف الصحي، خاصة في مدينة القاهرة ذات الربع مليون نسمة، فتؤكد على أنها لم تكن بأفضل حالًا مما كان عليه الوضع في لندن وباريس، إلا أن طرق التخلص من القمامة كانت تتم بشكل سيء لا يختلف عن القرون الوسطى، الأمر الذي أدى إلى كثرة الناموس، الذي اشتكى منه العديد من الرحالة الأوربيين، وكذلك الذباب والذي سبب كثيرًا من النكد والهم طوال القرن التاسع عشر للمجتمعات المستقرة، خاصة التي تعتمد على الانتقال عن طريق الحيوانات.

وفي تلك الفترة الزمنية التي كانت إحدى مشاكلها تظهر في صورة نقص الوقود، استطاع المصريون أن يضبطوا طعامهم مع واقع نقص الوقود، فكانت المطابخ تستخدم حرارة المستوقد التي تسخن مياه الحمامات العمومية في طهي الفول المدمس والبازلاء المدمسة، وكلاهما كان يمثل الأطعمة الأساسية للشعب المصري، فيما عدا الطبقات الثرية التي امتازت بالاستهلاك الفاحش، وقد تعجب كثير من الأوربيين من إمكانية المصري في أن يجهز وجبة من "الخس الروماني، والخيار والبطيخ". وفي ظل تلك الظروف المعيشية المتقشفة فإن البعض من رجال الطب اعتبر أنها كانت أحد العوامل الإيجابية التي ساهمت في الصحة الجيدة في عموم أرجاء البلاد.

وكان كلوت بك، أكبر مساهم في إدخال الطب الغربي إلى مصر، وأحد هؤلاء الذين أكدوا على أن مصر أحسن صحة من أوربا، ويرجع ذلك في رأيه إلى المزيج المنسجم من المناخ الطيب، والاعتدال في المأكل والمشرب، وعادة أخذ حمامات ساخنة بشكل متكرر. كذلك لاحظ دومينك لاري، جراح الحملة الفرنسية، أن مناخ وادي النيل الجاف المشمس مفيد جدا، وأن الجراح تلتئم في مصر أسرع، وقد رأى كذلك أن الجرب والنقرس والأوجاع الأخرى الشائعة في فرنسا تختفي وسط القوات الفرنسية في مصر، بل إن الطاعون كان أقل تفشيَا في قوات الحملة المصرية بنسبة أكبر مقارنة منه في أي جيش فرنسي في أوربا".

وقد لاحظ أطباء الحملة الفرنسية مهارات عملية لعديد من المداوين الشعبيين، مع رفضهم في الوقت ذاته لهم بوصفهم دجالين، وحلاقي الصحة ، الذين كانوا يقومون إلى جانب وظيفتهم الأصلية، بعمليات الطهارة، والحجامة، والتشريط، والتكبيس بكاسات الهواء، وخلع الأسنان، وفتح الخراريج، والجبائر وتطبيب الجروح والكدمات، والتدليك في الحمامات العمومية. الأمر الذي جعل كلوت بك، كجراح يصرح بكلام طيب عن حلاقي الصحة، رغم عدم امتلاكهم لأي فكرة علمية ترشدهم في عملهم، فإنه راقبهم وزميل له يجرون بعض العمليات الجراحية مثل إزالة المياه البيضاء من العين وإزالة الحصوات من المسالك البولية ببعض النجاح.

وفي سبيل القيام بوظيفتهم الطبية هذه اعتمد المداوون وحلاقو الصحة على العديد من الأدوية والعقاقير، والتي أكدت على أن المصريين قد اكتسبوا فهمًا فعالًا للمعرفة المتوارثة عن العقاقير القائمة على الاعتياد والألفة مع نظام جالينوس للأمزجة، وقد أكد تلك الحقيقة أحد صيادلة جيش الحملة الفرنسية، ومن خلال التركيز على ثلاثة أشكال جوهرية تسبب الخلل في الأمزجة وهي إفراز المرارة، والبرد والسخونة، ركز المصريون على ثلاثة أصناف من الأدوية: المطهرات، والمحفزات النفسية التي تسبب البهجة، والمواد المنشطة جنسيًا. وكان الاستنقاذ، والذي كان شائعًا في الوقت نفسه في أوربا، أحد أقوى المطهرات المعوية. وكانت معدلات الوفيات المرتفعة بين الأطفال دون الثلاث سنوات تمثل نسبة كبيرة تصل إلى 60%، وكان السبب المباشر لتلك الوفيات هو ضعف التغذية لكل من الأم والطفل، وشيوع متلازمة التهابات الجهاز الهضمي والجدري وسوء التغذية المألوفة عند فقراء المدن في أوائل القرن التاسع عشر، ولم تكن تلك الصورة تختلف عما هو سائد عند فقراء لندن وباريس في ذلك الوقت.

ويبدو أنه كان هناك إجماع بين رجال مهنة الطب وغير المتخصصين الذين زاروا مصر في أثناء القرن التاسع عشر على أن الأمراض المتوطنة في مصر هي الرمد والدوسنتاريا والطاعون، ومن المدهش أن أول طبيب مصري حصل على الدكتوراه في الطب من جامعة باريس عام 1833 كان عنوان رسالته "الأمراض الثلاث الرئيسية المتوطنة في مصر: الرمد والدوسنتاريا والطاعون"، وإن أضاف إليها كلوت بك الجذام، والأمراض التناسلية بين كل الطبقات، والجدري الذي يحصد نسبة ليست بالضئيلة من أرواح الأطفال، وكذلك مرض فقر الدم والهزال، الذي كان يعاني منه نحو ثلث المجندين في الجيش المصري.

وتنهي كونكه الفصل بالحديث عن حظوظ محمد علي بأن استغنت الرجعية في أوربا ما بعد نابليون عن العديد من الأطباء والجراحين الذين وجدوا في الحاكم المصري استمرارًا لواجبهم العسكري، ورغم كثرة الأسماء الفرنسية إلا أنه كان هناك عدد من الإيطاليين والبريطانيين والألمان والإسبان كذلك في سلاح الخدمة الطبية بجيش محمد علي، والذين أصبحوا كذلك أعضاء في هيئة تدريس مدرسة الطب المصرية، أول مدرسة طبية مصرية على الطراز الطبي الغربي والتي تأسست عام 1827.

الفصل الثاني: رد الفعل: تأسيس مدرسة الطب المصرية

وفيه تؤكد المؤلفة على أن مدرسة الطب المصرية التي أنشأها كلوت بك عام 1827 كانت على نسق مدارس الطب الموجودة في أوربا فيثلاثينيات القرن التاسع عشر، وأنها لم تكن مجرد مدرسة بل كانت بمثابة مؤسسة الجيش الطبية النموذجية، وكانت تبعد بنحو 15ميل عن القاهرة فيما بين الخانكة وأبي زعبل. ولعل صفات كلوت بك هي التي مكنته من أن يقوم بتلك المهمة التي هي بكل المقاييس أمر كبير في مصر في تلك الأوقات، فقد كان عبقريا في التنظيم الإداري، وذا معرفة دقيقة بالاختراعات الناجحة للكتيبة الطبية العسكرية الفرنسية، كما أنه حصل على الدكتوراه في كل منالطب والجراحة في أقدم مدرسة فرنسية للطب بمونبلييه، ناهيك عن كونه ابنا لأحد المحاربين المخضرمين في جيش نابليون في إيطاليا. وقد تمكن كلوت بك من تجنيد العديد من الأطباء الإيطاليين الذين كانوا ينتشرون في وحدات جيش محمد علي للعمل في تلك المدرسة.

وكان المطلوب من تلك المدرسة إعداد أطباء مصريين كي يتوافروا على رعاية المؤسسة العسكرية المصرية، وكذلك رعاية الحالة الصحية للشعب المصري، ولا شك أن الصعاب كانت عديدة أمام تلك المدرسة في بدايتها، تمثلت أولى تلك الصعاب في أن الطلبة الذين سيتم الاعتماد عليهم كانوا خريجي الأزهر، وكان التعليم فيه مقتصرًا على العلوم الشرعية، الأمر الذي مثل مشكلة في كيفية تحويل هؤلاء من نمط التعليم الكلاسيكي المتوارث إلى روح البحث والنقد والتساؤل، وقد تم هذا من خلال اعتماد دراسات تمهيدية توفر للطالب هذا التحول المعرفي والعلمي قبل أن يشرع في  منهج دراسي طبي امتد لخمس سنوات، كذلك تم استدعاء الشخصيات العلمية العربية كي تكون بمثابة جسر للتواصل بين العصرين والعلمين من خلال وضع صور هؤلاء العظماء مثل بن حيان وبن البيطار على جدرانقاعة التشريح، ولم تخل تلك الفترة من نقاشات حادة حول رفض بعض جوانب الطب مثل استخدام جثث الموتى في عمليات التشريح، وقد كانت تلك العمليات تتم بشكل سري حتى عام 1829، حيث تعرض كلوت بك لهجوم من أحد الطلبة بسكين، تعامل معه كلوت بك بوصفه مقاطعة عارضة للدرس، واستمرت الدروس بعد ذلك بشكل روتيني. كما أن تعددية الآراء الطبية بين الأساتذة كانت إحدى المشاكل التي واجهت مدرسة الطب من خلال الصراع بين مذهب براون الإنجليزي ومذهب بروسيه الفرنسي، حيث يرى الأول أن المرض هو نتيجة للتوتر المفرط أو التراخي غير العادي للنظام الدوري والنظام العصبي، في حين رأى الثاني أن المرض ليس عنصرًا خارجيًا ولكنه ببساطة نتيجة لتغيير في الوظيفة.

بمجرد اجتيازه للامتحان في العام الخامس كان الطالب يلتحق بالمؤسسة العسكرية في خدمة القوات المسلحة، ويلاحظ أن من يفشل في اجتياز الامتحان كان يُعين برتبة عريف في الجيش وينقل إلى وظيفة ممرض نظامي في المستشفيات، من مشاكل مدرسة الطب أنها كانت تحت إدارة مباشرة لديوان الحربية، وكان العقاب فيها هو الفلكة، وقد حاول كلوت بك جعل العقاب غرامة مالية، ولكنه فشل في ذلك، بل إنه ما أن يتراكم حجم من تلك الأموال سرعان ما كان يتم الاستيلاء عليه. كذلك فإن من العيوب التي رافقت خريجي مدرسة الطب أن رتبتهم في الجيش ومرتبهم كان أقل من نظرائهم الأوربيين، يعينون  كأطباء ضباط برتبة ملازم ثان، ويحصلون على راتب 150 قرش مقارنة بالأوربي 350 قرش شهريًا، في حين أنه كان يحصل على 100 قرش شهريًا وهو طالب بالمدرسة. ورغم حرص كلوت بك على الحفاظ على مكانة خريج مدرسة الطب، والإصرار على ضمان تعاملهم معاملة لائقة في وحداتهم، وألا ينقص شيء من رتبهم وراتبهم، إلا أنه أصر على ألا يطلق على خريجي مدرسة الطب لقب "دكتور" واستخدم بدلا عنه "مسئول الصحة".

كان تمصير مدرسة الطب المصرية بعد عشر سنوات من إنشائها يعد من وجهة نظر العديد من الزائرين الأوربيين أمرًا مضرًا بتلك المدرسة، ولكن يبدو أن هؤلاء الزائرين نظرًا لأرستقراطيتهمالفجة، التي كانت ترى أن طالب الطب كان لزامًا عليه أن يكون مجيدًا لليونانية واللاتينية، قد أثرت على نظرتهم للمدرسة المصرية، كذلك لا يمكن إنكار ذلك التنافس الأنجلوفرنسي والميول والأهواء تجاه تجربة مصر الطبية. وقد بدأت عملية التمصير هذه بأن تم إرسال اثني عشر من خريجي المدرسة عام 1832 للحصول على درجة الدكتوراه من باريس، وذلك في مجالات الطب المختلفة، بحيث تخصص كل اثنين في مجال من الطب.

وتطورت حركة ترجمة الكتب والمراجع الطبية إلى اللغة العربية خاصة بعد عام 1836 في كافة التخصصات سواء كانت علم وظائف الأعضاء والتشريح، والطب الباطني، والجراحة، وقد يرجع ذلك إلى عودة خمسة من المبتعثين السابقين، وبانضمامهم إلى هيئة التدريس، أصبح التعليم في المدرسة منذ عام 1839 جميعه باللغة العربية، وكان لانتقال المدرسة من أبي زعبل بعد انتهاء حملة سوريا، واستقرارها في قصر العيني أن جعلها أول مستشفى مدني في القاهرة منذ 400 عام.

وعلى الرغم من مستوى النقد الذي تعرض له خريجومدرسة الطب والتعليم فيها الذي أصبح باللغة العربية، إلا أنه يمكن القول إن هؤلاء الأزاهرة قد تمكنوا من إتقان اللغة الفرنسية ونقلوا قدرًا لا بأس به من الكتب الأجنبية إلى العربية، كذلك فإن مستوى المعرفة الذي كان في أوربا في مجال الطب، على سبيل المثال، لم يكن من الضخامة الذي يمنع المتعلم الأزهري من استقبال واستيعاب تلك المعرفة، خاصة وأن العلوم الطبيعية، ما قبل الميكروسكوب، كانت لا تزال تقوم على التصنيف إلىحد كبير، وأن ما كان ينقص المصريين حقيقة هو الإنسانيات الكلاسيكية، وليس الدراسات الطبيعية والتدريبات الإكلينيكية التي برعوا فيها، ناهيك عن أبحاثهم في مواضيع متعلقة بالصحة، وتحملهم لمسئوليات تدريس ومسئوليات إدارية في مدرسة الطب بعد عودتهم.

وكان من الطبيعي أن تتعرض مدرسة الطب كغيرها من مشاريع محمد علي لانتكاسة بسبب اختفاء ذلك العاهل، ولم يقتصر الأمر على ذلك بل إن التغيرات التي تتابعت على إدارة المدرسة أثرت فيها كثيرًا، ويرى البعض أن ضعف الإدارة الإيطالية والألمانية يرجع إلى ضعف قناصل ممثلي هؤلاء في مصر مقارنة بالفرنسيين والبريطانيين، وليس إلى عباس حلمي كما اصطلح المعلقون، ورغم عودة كلوت بك مرة أخرى إلا أنه سرعان ما استعفى بسبب السن، ولا شك أن المكائد السياسية كانت وراء انخفاض مستوى المدرسة، ورغم استعادة المدرسة لمستواها السابق في عهد الخديوي إسماعيل من خلال توفير الموارد المادية والإدارية، والاهتمام بالمدارس والتعليم لتوفير ذخيرة لتلك المدرسة، وكذلك وجود مدير كفء تمثل في محمد بك البقلي الذي كان من ضمن من تم إيفادهم عام 1832 للحصول على الدكتوراه، على رأس المدرسة فيما بين عامي 1863-1876، إلا أن وفاة البقلي المفاجئة في حروب مصر بأثيوبيا قد أثرت كثيرًا مرة أخرى على أداء المدرسة. وقد ظلت كذلك حتى وضعت بريطانيا يدها على المدرسة عام 1893 الأمر الذي أصبح بمثابة إنقاذ لها.ولا شك أن مدرسة الطب وطلابها وفروا معينابشريا لسلاح الخدمات الطبية وكذلك للسكان في المدن والريف.

الفصل الثالث:الكوليرا: وباء 1831 والتفشيات التالية له

تناولت فيه المؤلفة الحديث باختصار ثلاثة من ضمن عشرة اجتياحات لوباء الكوليرا الذي ضرب مصر في الفترة ما بين 1831-1903، وهي أوبئة عام 1831، و 1848، و 1865، وقد أصبح خطر الكوليرا على مصر شديدًا مع تزايد حركة مرور الحجاج عبر مصر سواء بحرًا أو برًا، ولم يتم إدراك أن نصف اجتياحات الكوليرا التي تعرضت لها كان بسبب الحجيج إلا في عام 1865، وقد ساهم اعتماد مصر على مصدر واحد للمياه في زيادة وباء الكوليرا خاصة في موسم انحسار المياه وتزايد الملوثات. وفي مصر كما الدول الأوربية، كان ثمة ارتباط بين الفقر والكوليرا، خاصة وأن مواجهة هذا الوباء كان يتحتم النظافة. وأمر الحصول على المياه لدى تلك الطبقات الفقيرة من الأمور الصعبة. وفي ظل عدم توافر التدابير الملائمة لمواجهة الكوليرا كان الاكتفاء بعمليات توعية الجماهير لمواجهة تلك الأخطار من خلال الجيش ومن خلال صحيفة الوقائع الرسمية.

وباء الكوليرا عام 1831 كان أكثر الأوبئة فتكًا بمصر، جاء على غير توقع ودون أن يكون هناك استعداد، كانت البداية من مدينة مسعد بعمان حيث تجريدة عسكرية قادمة من الهند عام 1821، امتد منها إلى العراق والحجاز والشام، كان من المعتقد أن الوباء انتهى إلى أن ضرب ضربته بشدة في يونيو عام 1831، وقد كان لحشود الحجيج في هذا العام وما تعرضوا له من مشاكل تمثلت في نقص المياه والسيول التي ضربت خيامهم على جبل عرفات، وآلاف الأغنام التي تمت التضحية بها كل ذلك كان سببًا في تكرار الوباء، وعلى الرغم من محاولات حجز قافلة الحجيج في القصير والسويس إلا أنها عادت ودخلت مدينة القاهرة، الأمر الذي أدى إلى اجتياح الوباء لسكانها.

عجزت جهود محمد علي عن محاصرة الوباء، لدرجة فرار كثير من الأطباء والقائمين على أمور الصحة خوفًا من الهلاك، وتقدر أرقام الحكومة أن حجم الوفيات بلغ نحو 32ألفا في القاهرة، وفقدت رشيد نحو 4آلاف من حجم سكانها البالغ 15 ألف، وكذلك دمياط فقدت من 5-6آلاف من نحو 15 ألف، وهلك جميع سكان فوه، وفقدت أبو زعبل نصف سكانها من نحو 2000 نسمة، وفقدت الإسكندرية نحو 4000 آلاف من سكانها، ولكن تقديرات القناصل الأوربيين تشير إلى أن الأرقام أكبر من ذلك، لذا فإنهم يقدرون أن البلاد فقدت ما يتراوح بين 150-190 ألف من إجمالي ثلاثة ملايين ونصف، ورغم معدلات الوفيات الضخمة تلك،فإن معدلات الوفيات في صفوف الجيش كانت محدودة، الأمر الذي يظهر مدى الحرص الذي اتبع في الحفاظ على أفراده، خاصة في ظل التجهيز لحملة سوريا، وكان من المتوقع أن تتعافى مصر ببطء بعد تلك المعدلات المرتفعة من الوفيات، ولكن لوحظ أن البلاد والعباد استردوا عافيتهم في غضون أربعين يومًا، وفاق محصول القطن التوقعات وأعقبه الازدهار.

ضرب وباء الكوليرا مرة أخرى بشدة في عام 1848، وعلى الرغم من أن اجتياحا أقل حدة قد ضرب الإسكندرية عام 1841 فإن الترتيبات التي تم اتخاذها من قبل الكورنتينة واللائحة الصحية التي تم تطبيقها قد حد من أثر ذلك الوباء، والذي قضى على قرابة 30 ألف من سكان مصر. ورغم مرور حجاج 1847 دون وجود دلائل على المرض فإن الوباء ضرب البلاد عام 1848 بشدة، ولا يمكن مقارنة وباء 1848 بما حدث في عام 1831، ويرجع ذلك للعديد من الأسباب، منها أن الجزء الأكبر من أفرادسلاح الخدمة الطبية قد تم تسريحه بعد أزمة محمد علي السياسية، وتم توجيه جهودها نحو الصحة العامة للبلاد، كذلك فإن محمد علي اهتم بترقية الحالة الصحية في مصر، من أجل أن يعطي الفرصة لمنتجاته أن يتم تسويقها في أوربا بسهولة ويسر، ودون أن يتم احتجازها في الحجر الصحي لفترات طويلة.

تشير التقارير  إلى أن تناول الخضروات النيئة تعد أحد أسباب انتشار الكوليرا، وقد أشار غير واحد، في تهكم غالبًا، إلى أنه من الطبيعي أن يصاب المصريون بالكوليرا بعد حشر معدتهم بوجبة الإفطار، في رمضان، بالشمام والخيار، فقد كان من المعتقد أن تلك الخضروات المليئة بالمياه من الممكن أن تحوي الكثير من الجراثيم، ناهيك عن ارتفاع درجات الحرارة، الأمر الذي يسبب العفونة والروائح الفاسدة والتي تنقلها الرياح. وتضافر أكثر من عامل لحدوث وباء الكوليرا، كذلك كان تجمع ما بين 100-200 ألف زائر للسيد البدوي في بلدة طنطا التي لا يزيد سكانها عن 17 ألف، والتي تعاني من حالة صحية مزرية، ولا يوجد فيها ما يكفي حاجات كل هؤلاء من المياه، وكان من المعتاد أن يستمر المولد لأسبوع، ولكنه انفض في اليوم الرابع، وفر الجمع بعد تفشي الوباء، من الملاحظ أن قبضة محمد علي وتراخيها الواضحة للعيان كانت وراء عدم تنفيذ كثير من اللوائح الصحية، خاصة وأن إبراهيم باشا الذي تسلم السلطة في عام 1847، والذي كان حريصًا على حياته فر مع علمه بمرض الكوليرا من القاهرة إلى الإسكندرية، ثم إلى اسطنبول بعد وصوله للإسكندرية، كذلك فإن عباس حلمي لم يكن أقل حرصًا منه على حياته، بل إن القاهرة ظلت بلا محافظ بموت باجي بك.

وفي ظل تعدد الآراء المسببة للأمراض،كانت مدرسة كلوت بك ترى أن المرض لا ينتقل عن طريق الاتصال والتلامس، بينما كانت مدرسة جراتسي، كبير أطباء الكورنتينة،تؤكد على أن مرض الكوليرا مرض منقول ويمسك بالناس، نظرالتركز الوباء بالقرب من مواقع بعينها في موازاة المجاري المائية التي يتوقف عندها المسافرون، وعليه فإن ميناء بولاق عانى من الكوليرا أشد من القاهرة، كما أن القريتين اللتين جعلهما محمد علي مركزًا للفقراء عند مدخل ترعة المحمودية، ضربهما الوباء بصورة أشد من الإسكندرية.

أما طاعون عام 1865 فإنه كان أشد فتكًا من طاعون 1848 حيث قضى على نحو 60 مصري، ويقال إن هذا الطاعون قد أتى مع مسلمي جنوب شرق آسيا، وقد دار هذا الوباء دورة كاملة حول الكرة الأرضية لينتهي مرة أخرى في جزيرة جاوة حيث خرج عام 1874، وكان لإتمام خطوط السكك الحديدية التي ربطت الإسكندرية بالسويس دورهفي زيادة خطورة الوباء، أضف إلى ذلك ثبوت الرشى على قباطنة السفن التي نقلت الحجيج بأنها أعطت شهادات طبية مزورة بأن ما تحمله من حجيج لا يتفشى فيهم المرض، على الرغم من أن بعض السفن ألقت نحو 100 من حمولتها المقدرة بنحو 2000 في مياه البحر بعد وفاتهم بمرض الكوليرا.وعلى الرغم من التدابير الوقائية مثل التخلص من القاذورات خارج المدن والقرى، والحصول على المياه الجارية من الأنهار والترع وكذلك الحرص على عمليات التهوية وتدمير المساكن والأكشاك والعشش فإن الوباء كان شديدًا، لدرجة أن هروب إسماعيل باشا وحاشيته من مصر قد زاد الهلع لدى المواطنين، وأظهر عدم مسئولية من قبل الخديوي، لدرجة أنه شدد على ضرورة وجود حجر صحي على المواصلات بين الحجاز ومصر طوال فترة خديويته، ومما يذكر أن هذا الوباء كان هو الثاني في فترة توليه الخديوية التي لم يمر عليها عامان ونصف كما ذكر قنصل إنجلترا.

وتشير المؤلفة إلى أن ردود فعل المصريين تجاه الكوليرا اختلفت عن ردود فعل الأوربيين، ويرجع ذلك إلى أن المصريين قد تشكلت اتجاهات سلوكهم من خلال مواجهاتهم التاريخية ضد مرض آخر وهو الطاعون، ولكن بلا شك فإن المصريين أبدوا تصرفًا سليمًا تجاه ذلك المرض، ورغم شيوع فكرة القدرية والإيمان بأن هذه الأوبئة هي من عند الله، إلا أن فرارهم وانعزالهم داخل بيوتهم، وحرصهم على الحصول على المياه النظيفة كان محاولات من قبلهم لمواجهة ذلك المجرم القاتل. ومن الملاحظ خلال تلك الاجتياحات الثلاثة الشديدة أن الصعيد كان أكثر أمنًا وأقل فقدًا للأرواح، وقد يرجع ذلك إلى أن مجتمعاته كانت تحصل على مياهها من نهر النيل مباشرة، في حين أن القرى التي تبعد نحو نصف ميل أو حتى ربع ميل ظهر بها المرض أشد، ومثال دال على ذلك أن مدينة الأقصر كانت بها حالة وفاة واحدة، مشكوك في كونها بسبب الكوليرا، في حين أن قنا مات فيها نحو 250 حالة في يوم واحد، كذلك فإن النكوص عن تنفيذ بعض الرخص الطبية ورفضها بحجة مخالفتها للشريعة، قد تكون سببًا في انتشار الكوليرا، ومن ذلك فإن محمد علي رفض أن يدفن الوفيات الناتجة عن الكوليرا في الجير الحي للحد من خطورة انتشار الوباء، كما اقترح عليه بعض الأطباء.

الفصل الرابع:الطاعون؛ وباء 1835 الخلفية عواقب الأحداث

تعرضت فيه المؤلفة لما عُرف باسم الموت الأسود، الذي كانت ترتجف منه القلوب منذ القرن الرابع عشر. سرى اعتقاد أن مصر هي موطن الطاعون كما أن الهند هي موطن الكوليرا، وقد أرجع عديد من العلماء أن الطاعون في مصر يتكرر بوتيرة مسايرة لتكرار فيضان النيل، ومع التأكيد على أن العفونة والروائح الكريهة تسبب هذا المرض، كانت الإجراءات الصحية هي الحرص على التخلص من تلك القاذورات والاهتمام بالنظافة الشخصية، وتطهير الملابس وتهوية المنازل من نوع الحرص على الحياة. وفي مصر تم التمييز بين نوعين من الطاعون الليمفاوي والرئوي. وخرج أحد العلماء الفرنسيين "باريسيه" بدراسة أكد فيها على أن المناطق المنخفضة الرطبة، والتي تمثل الدلتا نموذجا مثاليا لها، هي مراكز حدوث الطاعون، ولكن حدوث الطاعون في مرتفعات الهملايا وجبال الأكراد، ومرتفعات الجزيرة العربية ومراعي يونان الصينية، كانت دليلا مناقضا لهذا الرأي.

وإذا كان الأوربيون اتخذوا من الحيطة والكورنتينة وسيلة لمكافحة الطاعون، فإنهم رأوا في المصريين إيمانا قدريا بأن هذا المرض وباء من الله، ولم يجدوا فيهم ذلك الحرص على الحياة، ولكن الحقيقة أن المصريين كانوا قد اكتسبوا خبرة بهذا المرض وأكدوا على أنه لا ينتقل بالتلامس، ودليلهم على ذلك أن القائمين على أمر الكورنتينة المخالطين للمرضى لا يصابون، وقدأتى تقرير الأكاديمية الطبية الفرنسية عام 1846 ليؤكد على ما ذهب إليه المصريون، بأن المرض لا ينتقل بالتلامس.

تكررت حوادث وباء الطاعون في مصر، منها ما حدث أثناء الحملة الفرنسية عام 1799، وآخر عام 1801، وقد عانى المصريون كثيرًا من إجراءات الفرنسيين نحوهم، وإصرارهم على دفن الموتى خارج المساكن، وإخراجهم للمرضى للمصحات فإن شفوا عادوا لأهلهم وإن ماتوا دفنوا بملابسهم، كانت من الأمور الشديدة الوطأة على المصريين، وفي عهد محمد علي كان هناك حرص على حياته وحياة أسرته، وبلغ الخوف بهم مبلغًا عظيمًا، حتى أن محمد علي نفسه كان ينزوي في الجيزة لمدة شهرين تامين حينما يحدث الوباء، وتهرب أسرته إلى الصعيد حيث إبراهيم باشا، ويذكر أن أحد أبناء محمد طوسون مات في وباء للطاعون عام 1817.

ومن الأسباب التي كانت تؤدي إلى مرض الطاعون كثرة الفئران والبراغيث، وإن كانت تلك الناقلات والمسببات كثيرة في الموانئ مثل الإسكندرية ورشيد ودمياط، فإن حدوث الطاعون في مدينة أسيوط عام 1899، كان أمرًا غريبًا، خاصة وأنه كان هناك رأي بأن وباء الطاعون له حدود، وأنه ينحصر مع الصيف أو البرد، الأمر الذي تم إرجاع وباء أسيوط إلى عمليات الري الدائم والسدود التي وفرت ملاجئ لتلك الفئران، بل إنها تفر إلى أبراج الحمام وتسكن المنازل ذاتها، الأمر الذي جعل أسيوط في ظل موقعها ومناخها الجاف بؤرة لانطلاق هذا المرض بالصعيد. هذا ولم يكن وباء 1899 جديدًا على أسيوط، بل يذكر حسن العطار أن وقوع الطاعون في الصعيد وخاصة أسيوط عام 1801 قد أودى بحياة الكثيرين، حتى أن الناس ماتت في بيوتها ولم تجد من ينقلهم للقبور، ومات الأثرياء ولم يشيعهم أكثر من عشرة ولم يفعلوا ذلك إلا بمقابل، بل إن كثيرا من الحرفيين قد قضى نحبهم، وأنه لم يستطع العثور على حلاق ليقص له شعره على مدى شهر.

يعد وباء الطاعون الذي ضرب مصر في الفترة ما بين عامي 1834-1836 واحدا من أشد اجتياحات الطاعون التي تعرضت لها البلاد، حتى أن القنصل البريطاني يذكر في مراسلاته للندن أن البلاد كانت رسميًا في حالة وباء على مدى أربعين شهرا من يوليو 1834 حتى نوفمبر 1837، وعلى الرغم من التدابير الصحية والإجراءات الوقائية وتفعيل عمل الكورنتينة، إلا أن الوباء كان شديدًا لدرجة لم تجد معه نفعًا جميع تلك الإجراءات، ورفع الحجر الصحي عن كثير من الأماكن التي فُرض عليها، وتضاربت الأرقام الرسمية وتقديرات القناصل حول أعداد الوفيات، فقد ذكرت التقارير الرسمية أن الإسكندرية فقدت قرابة 7800 من سكانها بين يناير ويونيو من عام 1835، وفقدت القاهرة نحو 34600 بين شهري مارس ويونيو من نفس العام، ولكن البعض يشكك كالعادة في تلك الأرقام الرسمية، ويشير إلى أنها ليست سوى نصف عدد الوفيات، وأن هناك نحو 200 ألف قضوا في ذلك الوباء في جميع أرجاء البلاد، ودليل ذلك أنه في الاثنين وعشرين يومًا الأخيرة من شهر أبريل كان هناك نحو 1000 متوفي يوميًا في القاهرة، ووصل الرقم لنحو 2000 في بعض الأيام، لذا فمن المعتقد أن القاهرة بمفردها فقدت 75 ألف من سكانها في تلك الفترة.

وحول مدى كفاءة الكورنتينة في الوقوف في وجه انتشار مرض الطاعون، أكدت المؤلفة على التضاد والصراع بين فكرة العدوى وانتقال المرض بالتلامس وعدم صحة تلك النظرية قائمة ومحل جدل، ورغم أن كلوت بك كان يؤمن بأن فكرة انتقال المرض بالتلامس والعدوى غير صحيحة، وأنه أجرى على نفسه تجربة بحقن دم مريض بالطاعون بجسده ولم يصب بالمرض، إلا أنه كان عليه أن يطبق القرارات وخاصة الصادرة من محمد علي. وإن لوحظ أن الجهات التي طبق عليها إجراءات الحجر الصحي كانت هي التي فلتت من العدوى، لم تعط سندا قويا للقائلين بعدم العدوى. وقد طبقت إجراءات الكورنتينة بشدة على أسرة محمد علي ذاته، حتى أن زوجة ابنه سعيد باشا خضعت للكورنتينة حينما انضم للأسطول في رحلته إلى جزيرة كريت، ولم يتسامح مع الجاليات الأجنبية، حتى أنه أعطى الأوامر لاستخدام النار بعد التحذير ثلاثًا إذا لم يطيعوا أوامر نقل مرضاهم إلى الحجر الصحي. ولكن تبدي المؤلفة بعض الشكوك حول كون إجراءات العمل في الكورنتينة قد تأثرت بعوامل اقتصادية وسياسية أكثر منها جوانب فنية وإنسانية.

الفصل الخامس: مجلس الكورنتينة الدولي.

وللوقوف على هذه العوامل الاقتصادية والسياسية التي أثرت في إجراءات عمل الكورنتينة،أفردت المؤلفة هذا الفصل للحديث عن "مجلس الكورنتينة الدولي"، الذي يعد أول هيئة أوربية تم تشكيلها في مصر بموافقة الوالي محمد علي، وعلى الرغم من ذيوع فكرة خاطئة بأن الأمر كان فرضًا وإجبارًا على الوالي، حاول محمد علي من خلال تلك الكورنتينة أن يتكيف مع متطلبات العالم الغربي الذي يفرض حجرًا على الواردات القادمة إليه، لذا فإنه في سبيل أن يشجع محمد علي حركة التجارة وتصدير منتجاته من المحاصيل النقدية والمواد الخام ألزم نفسه بأن يتواءم مع متطلبات الدول الغربية الصحية.

كانت الحركة التجارية عبر القرن التاسع عشر وزيادة نشاط السفن البخارية أدت إلى زيادة حركة النقل والمسافرين، كما أن تدفق أعداد ضخمة من الحجاج من الدول الإسلامية، قد أثر على الأفكار القائلة بانتشار الأوبئة والأمراض، وكانت بريطانيا بشكل خاص تنظر إلى تجمع المسلمين في الحجاز من خلال خبرتها بالوضع في الهند، بتلك الأعداد الضخمة مع تراجع شروط الصحة والمياه النظيفة وانتشار الملوثات، دليلًا على أنها بيئة مهيأة لانتشار الأمراض خاصة الطاعون والكوليرا، وقد ربطوا بين موسم الحج والكوليرا منذ وباء عام 1831، على الرغم من أن الوباء كما قيل كان موطنه الهند. وفي محاولة للوقوف في مواجهة انتشار تلك الأوبئة تقرر عقد مؤتمرالكوليرا في اسطنبول عام 1866 لاتخاذ احترازات وإجراءات كان منها تشديد عمل الكورنتينة، ولكن اكتشف أن هذه الإجراءات كانت تصب في صالح شركات النقل البحري، التي اعتقد البعض أن شركة النقل الخديوية كانت تعامل معاملة تفضيلية، وأن صدور أوامر بحجز الحجاج في الطور، كان الغرض منه سيطرة تلك الشركة بشكل حصري على نقل الركاب.

كانت هناك محاولات جديدة من قبل دول البحر المتوسط لتصنيف السفن وحمولاتها من أجل الحد من خطر الأوبئة، ولكن وجد أن كثيرا من تلك السفن كانت تتحايل على تلك التصنيفات، بل أنها كانت تخرج إلى موانئ لا تطبق أعمال الكورنتينة في حالة ما تطلب الأمر حجزها للتأكد من خلوها من الأمراض، الأمر الذي دفع بريطانيا للتحرك بشدة خاصة وأنها مع فرنسا اتخذا موقف أن الأمراض غير معدية، مقارنة بدول حوض البحر المتوسط، وهددت السفن البريطانية أنها سوف تبتعد عن قناة السويس وتأخذ طريق رأس الرجاء الصالح في محاولة منها للحد من أعمال الكورنتينة، الأمر الذي جعل دليسبس يتحرك على المستوى الطبي للحفاظ على قناته ومكاسبه المادية، مؤكدًا على أن الانبعاثات من الروائح العفنة المحلية هي المسئولة عن انتقال الأمراض المعدية، ولكن ظلت أحكام الكورنتينة هي الوسيلة الوحيدة في ظل عدم توافر أي شيء أفضل كما أشار الدكتور فوفاف مندوب الحكومة الفرنسية في مؤتمر اسطنبول عام 1866.

وقد كان تعرض الحجاج لسوء معاملة خاصة في الطور، وتعرضهم للعزل لمدة طويلة، أن أساء إلى عمل الكورنتينة. وقد اتخذت الصحف ذات الاتجاه القومي في مصر، وكذلك الحركة الوطنية وفي مقدمتها الضباط المصريين، من هذه الإجراءات نقطة وثوب على عمل الكورنتينة باعتبارها تدخلاأجنبيا بما تحمله من مندوبين أجانب، وكانت سوابق هذه الكورنتينة تشير إلى تفضيلات وميل لمصالح دول بعينها في سبيل الحفاظ على مكاسبهم التجارية والاقتصادية، إذ كان يتم منع سفن من الدخول ووضعها في الحجر في حين يتم تسهيل سفن دولهم التي تخرج من الميناء ذاته بل وفي نفس اليوم. وقد انتهى أمر تلك الكورنتينة أن أصبحت في قبضة بريطانيا كما مصر تمامًا التي دخلت في حوزتها عام 1882.

ولقراءة باقي عرض الكتاب يمكنكم تحميل العرض كاملا بصيغة PDF