المكان والمعرفة والسلطة .. ميشيل فوكو والجغرافيا

المكان والمعرفة والسلطة .. ميشيل فوكو والجغرافيا

المكان والمعرفة والسلطة .. ميشيل فوكو والجغرافيا

 

قراءة وتعليق: د. كرم عباس عرفة
مراجعة: د.عاطف معتمد

 

تجتهد الجغرافيا التقليدية في تقديم الإجابات. وتجتهد الفلسفة منذ القدم في طرح التساؤلات.. فهل يمكن الجمع بينهما على طريقة وضع سؤال لإجابة أو وضع إجابة لسؤال.. أم أن الميزة التي يمكن أن تقدمها الفلسفة للجغرافيا هي أن تساعدها في تدشين التساؤلات والقضايا والموضوعات الجغرافية برؤى فلسفية تجريدية تتطلب أن تتخلى الجغرافيا الراديكالية عن إعلان كونها علمًا بالمعنى الصارم التقليدي. وما هو الفرق بين المعرفة والعلم؟ ومتى تصير المعرفة الجغرافية علمًا؟ وما هي حدود أو عتبة العلم بشكل عام؟ ألا يمكن للحفاظ على حدود العلم بمعناه الصارم أن يقف حائلاً أمام التوسع في مجالات أكثر حداثة وثراء؟

تلك هي التساؤلات الضمنية التي تخفت وراء أربعة أسئلة طرحها "ميشيل فوكو" مثلت محور هذا الكتاب، وهي:

  • ما العلاقة بين المعرفة والحرب والسلطة؟
  • ما الذي نقصده حين نقول عن المعرفة بالفضاء المكاني أنها علم؟
  • ما الذي يفهمه الجغرافيون من مصطلح السلطة؟
  • هل يمكن قيام ما يسمى بجغرافيات المنشآت الطبية؟

يزخر المشروع الفكري لـ "فوكو" بكم هائل من التضمينات والرؤى المتعلقة بالفضاء المكاني. وهناك بعض الفلاسفة وعلماء الاجتماع الذين استخدموا تلك التضمينات في مشاريع خاصة بهم سواء بالتعمق فيما قدمه من تحليلات أو بنقل تلك الرؤى إلى مجالات أخرى جديدة. ومع ذلك فإنه يمكن القول أن ذلك البعد المكاني في فلسفة "فوكو" لم يحظ بالاهتمام الكافي.

 وقد شملت أعمال "فوكو" على مخططات للمدن وجغرافية الملاجئ والمستشفيات ودور الرعاية والسجون والمكتبات، بل وحتى الحمامات وبيوت الدعارة. ويظهر البعد المكاني في مشروع فوكو أيضًا في معالجته لعزل مرضى البرص والجزام والحجر الصحي وعزل المدن المصابة بالطاعون، فضلاً عن تدشينه لمصطلح "الهيتروتوبيا" وهو المصطلح الذي استعاره من علم الطب ليعارض به مصطلح اليوتيبيا التقليدي. فإذا كانت اليوتوبيا هي محض تصور في ذهن المثاليين فإن الهيتروتوبيا تشير إلى ما هو موجود بالفعل، فالمكان عند فوكو إنما يتميز من خلال علاقته بغيره من الأماكن، وخاصة الأماكن المناقضة له، والتي قد تعبر بشكل أو بآخر عن مراحل حياة الإنسان بدءًا من أماكن التعليم من مدارس وجامعات وغيرها مرورًا بفنادق شهر العسل أو السجون وحتى المستشفيات ودور الرعاية الصحية، وكلها أماكن وجغرافيات تتواكب مع المراحل التي تمر بها الحياة الإنسانية.

وبالنسبة لـ "فوكو" فإن العلاقة بين السلطة والمعرفة والمكان هي علاقة لا تقبل الفصل بأي شكل من الأشكال، فمن العبث في وجهة نظره أن نحاول الفصل بين ممارسات الحرية التي يمارسها الناس في أفعالهم، وبين ممارسة العلاقات الاجتماعية من جانب آخر، وكذلك بين التوزيعات المكانية من جانب ثالث. ومحاولة دراسة أيًا منهم بشكل منفصل لا تفض إلى أي نوع من أنواع الفهم الدقيق. وهذا ما يؤكد على أن فكرة المكان في فكر "فوكو" ليست موضوعًا قائمًا بذاته، بقدر ما هي أداة أساسية من أدوات التحليل تتخلل كل موضوعاته الأخرى.

وبطبيعة الحال لا يمكن الفصل بين ذلك البعد المكاني في فكر "فوكو" كأداة أساسية للتحليل وبين أفكاره السياسية؛ وكما عُرف فوكو باعتباره فيلسوف ومؤرخ وناقد فإنه معروف أيضًا بوصفه من أنصار الانهزامية السياسية، وأحد النقاط الهامة في هذا الكتاب هو مراجعة ذلك التصور عن "فوكو". فالحريات والتحرر بالنسبة له أمران مرغوبان وقابلان للتحقق، غير أنهما لا يتحققان عبر سن محض قوانين أو مجرد منح حقوق. فالحرية في ذاتها هي ممارسة مستدامة، ممارسة للفرد وللجماعة، وهنا لا يغيب مفهوم المكان أيضًا، لأن ممارسة الحريات مثلها مثل أية ممارسات أو أفعال فردية أو جماعية إنما تحدث في الزمان والمكان.

لقد طرح "فوكو" تساؤلاته على الجغرافيين بعد مقابلة له مع مجلة "هيرودوت" الفرنسية عام 1976 مؤكدًا منذ البداية أن تلك التساؤلات لا تمثل مجرد أسئلة تحتاج إلى محض إجابات، بل أنها طرح لقضايا وإشكالات يطرحها على نفسه كما يطرحها على الآخرين، وأنه في حاجة لأن يشاركه الجغرافي تعزيز ذلك الطرح. وقد عرض أسئلته عليهم كما يلي:

  1. يعد مفهوم "الإستراتيجية" مفهوم جوهري حين يريد المرء إجراء تحليل للمعرفة Savior وعلاقتها بالسلطة. فهل يتضمن ذلك بالضرورة أنه في سبيل المعرفة لابد أن يخوض المرء حربًا؟ ألا تسمح الإستراتيجية بتحليل علاقات السلطة كآليات للسيطرة؟ أو أننا يجب أن نقول أن السيطرة هي شكل مستدام من أشكال الحرب؟ أو بديلاً عن ذلك، ما المجال الذي تفترضه لمفهوم الإستراتيجية؟
  2. أزعم أن الجغرافي يهدف إلى تأسيس معرفة دقيقة بالمكان، ولو كان زعمي صحيح فمن الهام بالنسبة إليك أن تتشكل تلك المعرفة كعلم قائم بذاته؟ أو أنك ترى أنه من المسموح أن نقول أن عتبة العلم إنما تعني فقط عدم أهلية بعض المعارف، وعدم استحقاقها للفحص والاختبار؟. هل التمييز بين المعرفة العلمية والمعرفة غير العلمية هو محض تأثير للسلطة مرتبط بمؤسساتية المعارف في الجامعات والمراكز البحثية وخلافه؟
  3. يبدو أنك تربط تحليلات المكان أو الأماكن بممارسة السلطة أكثر من ربطها بالانتاج والموارد، فهل يمكن أن تقدم فهمك لمعنى السلطة من خلال علاقتها بالدولة وأجهزتها وعلاقتها بالنظام الطبقي في المجتمع؟ وهل يمكن أن تعتقد بأن تحليل السلطة وميكانيزماتها ومجال فعلها لا يزال في بداياته، وأنه من المبكر جدًا أن نقدم تعريفات عامة؟ وهناك سؤال خاص، هل تعتقد أنه يمكن الإجابة على سؤال: من يملك السلطة؟
  4. هل تعتقد أنه من الممكن قيام جغرافيا أو جغرافيات للطب، لا فيما يتعلق بالأمراض ولكن فيما يتعلق بالمنشآت الطبية وأماكنها وطريقة عملها؟

وتتمثل أحد التساؤلات الرئيسة التي يقدمها الكتاب فيما إذا كانت تلك التساؤلات التي طرحها فوكو قد أحدثت ثورة في الجغرافيا أم أنها مجرد مراجعات ونقد خفي لطريقة التفكير الجغرافي. وإذا كان فوكو في نظر البعض قد أحدث ثورة في مجال الدراسات التاريخية، فهل أحدث نفس الثورة في مجال الدراسات الجغرافية؟ 

ما علاقة ميشيل فوكو بالجغرافيا؟ أو بالأحرى.. ما علاقة الجغرافيا بميشيل فوكو؟

والسؤال الأكثر عمومية.. ما علاقة الجغرافيا بالفلسفة؟

يركز الكتاب على علاقة ميشيل فوكو بالجغرافيا وموقعه في الإطار العام للفكر الجغرافي. ويقدم مجموعة من التحليلات ومحاولات الفهم وكذلك تحديات وانتقادات من خلال تدشين تلك العلاقة المزعومة بين فوكو والجغرافيا. ومن خلال الأوراق البحثية التي زخر بها هذا الكتاب فإن محاولة التقريب بين تساؤلات فوكو عن العلاقة بين المكان والسلطة والمعرفة من جانب والجغرافيا من جانب آخر إنما تضمنت هدفين أساسين:

يتمثل الهدف الأول في محاولة تشريح علاقة الارتباط و(الاشتباك) بين فوكو والجغرافيا. أما الهدف الثاني فيتمثل في متابعة طرح المزيد من التساؤلات والأفكار التي تفتح المجال لمزيد من الجهد البحثي في تلك العلاقة. وتلك الأسئلة التي طرحها فوكو على الجغرافيين إنما تنبع من اهتماماته الخاصة بقضايا الفضاء المكاني. وتفتح مجالاً للبحث في دلالة تلك التساؤلات، ولماذا سألها دون غيرها؟

ويهدف الكتاب إلى إلقاء الضوء على فكر فوكو نفسه، ووجهة نظره الخاصة في مفاهيم المكان والسلطة والمعرفة والحوكمة والحرب. ورغم شهرة فوكو والكم الهائل من الدراسات التي أجريت عنه فلا تزال هناك جوانب مجهولة من مشروعه الفكري، ومعظم تلك الجوانب طرحت في محاضراته التي ألقاها في "الكولدج دي فرانس" والتي تمت معالجتها في فصول هذا الكتاب فضلاً عن أعماله المعروفة والأعمال غير المترجمة إلى اللغة الإنجليزية.فلا تزال الكثير من أفكار ميشيل فوكو قيد التحجب، وذلك لأن الكثير من محاضراته وأوراقه البحثية لم تتضمنها كتاباته المنشورة رغم أن الكثير منها لا تقل أهمية عن تلك التي ترجمت إلى العديد من اللغات ونشرت على مستوى واسع.

وتدل الأوراق البحثية التي تضمنها هذا الكتاب على أن علاقة فوكو بالجغرافيا لا تزال غير واضحة حتى الوقت الراهن. ويحاول كل مشارك أن يطرح وجهة نظره الخاصة، فلم تكن الإجابات والمشاركات خاصة بالجغرافيين فحسب بل سمحت بمساهمات باحثين فلسفيين وسياسيين وعلماء اجتماع. وكل منهم يحاول أن يقدم إجاباته على تساؤلات فوكو من خلال منظوره الخاص.

 ويحاول هذا الكتاب أن يتجاوز الطرح البسيط لعلاقة ميشيل فوكو بالجغرافيا. وهو ذلك الطرح الذي يقوم باختزال تلك العلاقة في مصطلحات "الهيتروتوبيا " و"المكان النظامي". فيضع الكتاب تلك المصطلحات في سياق أعم وأشمل يتناول علاقة فوكو بالجغرافيا، وهي تلك العلاقة التي لم يصرح بها فوكو عند طرحه للأسئلة على الجغرافيين في مجلة "هيرودوت"؛ حيث أكد منذ البداية أنه لا يطرح تلك التساؤلات بأية خلفية مسبقة، وأنها ليست موضع للاختبار، فهي تساؤلات يطرحها على نفسه في المقام الأول قبل أن يطرحها على الجغرافيين الذين هم أعلم منه بإجابات تلك الأسئلة، وإذا استخدموا نفس أدواته للإجابة على تلك الأسئلة فسيكون مبتهجًا لذلك، ولكنهم لو استخدموا وسائل ومناهج أخرى مختلفة فسيكون في حاجة لمعرفتها للاستفادة منها. ويبدو هنا أن فوكو وكأنه يضع الجغرافيين في قياس إحراج يهدف من خلاله إلى مراجعة الثوابت الجغرافية من خلال تساؤلات فلسفية. 

ويتكون الكتاب من ستة أجزاء ..

  • الجزء الأول يعرض التساؤلات التي طرحها ميشيل فوكو.
  • الجزء الثاني (ويشتمل على الفصول من الثاني إلى السادس) فيتناول أهم الردود المباشرة على تلك التساؤلات كردود "جان ميشيل بربانت Jean Michel Brabant" و"آلين جوكس Alain Joxe" و"جان برنار راسين Jean Bernard Racin" وغيرهم.
  • الجزء الثالث – ويتكون من الفصول السابع وحتى العاشر – على مد فلسفي لتلك التساؤلات، فيتناول الجذور الكانطية لتلك التساؤلات التي تحولت في هذا الجزء إلى إشكاليات تتطلب الكثير من القضايا والطرح وليست مجرد أسئلة تحتاج إلى ردود، ويتناول العلاقة بين الجغرافيا والنوع والسلطة، وكذلك مفهوم الغلبة بالمكان، وينتهي بالتساؤل حول موضع ميشيل فوكو بين الجغرافيين.
  • الجزء الرابع (ويشمل الفصول من الحادي عشر إلى الرابع عشر) ليبحث في سياق تلك التساؤلات وعن الثورة التي أحدثها "فوكو" في الجغرافيا من خلال تلك التساؤلات؛ فقد طرح فوكو تساؤلاته في عام 1976م وتتم الإجابة على تلك التساؤلات بعد ثلاثين عام (2006) وهو ما يؤكد على ضرورة وضع تلك التساؤلات في السياق الذي طرحت فيه، ويربط الباحثون ما طرحه من أسئلة بخريطة مؤلفاته ومنها "تاريخ الجنون" و"آركيولوجيا المعرفة" و"نظام الخطاب" وغيرها.
  • الجزء الخامس (ويشمل الفصول من الخامس عشر إلى التاسع عشر) ليقدم بعض نصوص ميشيل فوكو إلى القارئ باللغة الإنجليزية، فرغم أن معظم أعمال فوكو مترجمة إلى اللغات الأخرى فإن هناك بعض الاستثناءات، وقد ترجم عمله الأكبر "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي" في ملخص نشر عام 2005 ، وهناك أعمال مشتركة بينه وبين باحثين آخرين لم تترجم قط وهي في حاجة للمزيد من البحث والدراسة فضلاً عن الترجمة. ويقدم الكتاب ترجمة لمحاضرتين في غاية الأهمية لفوكو ألقاهما في البرازيل ونصين آخرين يطرحان تساؤلات عن المكان غير أنه يوسع من مجالهما ليشملا مفهوم المكان في الأدب والفنون المرئية. والمحاضرة الأولى كانت المحاضرة الأخيرة من ثلاثة محاضرات ألقاها في العاصمة البرازيلية وكانت عن الطب بعنوان (انخراط المستشفى في التكنولوجيا الحديثة) وفيها يوضح فوكو كيف أن هندسة المستشفيات وطريقة تشييدها وموقعها من الميكانيزمات المحورية في سياسة الصحة. وفي تلك المحاضرة يظهر مفهوم القوى الحيوية في فكر فوكو لأول مرة. ويؤكد فوكو على أن السؤال عن المستشفي في نهاية القرن الثامن عشر كان في الأساس سؤال عن المكان، فالسؤال عن الشفاء سواء للفرد أو للجماعة كان في ذلك الوقت هو سؤال عن المكان، فهو قبل أي شيء "تحليل للمكان". وبجانب "انخراط المستشفى في التكنولوجيا الحديثة" يقدم الكتاب نصوص أخرى مترجمة لا تقل أهمية ومنها: "شراك السلطة" و"قوة الطيران" و"تساؤلات في الجغرافيا".
  • ويختتم الكتاب بالجزء السادس بمحاولات مد مفاهيم فوكو الفلسفية داخل مجال الجغرافيا (ويشمل الفصول من العشرين إلى السابع والعشرين) ويحاول فيه الباحثين تدشين موضع فوكو في مجال الفكر الجغرافي عبر مفاهيم مثل "جغرافية الحوكمة" و"تاريخ الجغرافيا الطبية بعد فوكو" وعلاقته بمفاهيم "السلالة والخرائط" ويتناول كذلك تجاوز فوكو لـ "بانوبتيكون Panopticon" وهو ذلك السجن الذي وضع تصميمه الفيلسوف الإنجليزي جيرمي بنتام، حيث يشير تصميم ذلك السجن عند فوكو إلى رمزية المجتمع المعاصر. ويشمل كذلك علاقة "فوكو بالجغرافيا والجنسانية"، و"مشكلة الإمبراطورية"، وينتهي بمحاولة الدفاع عن قراءة "فوكو" الآركيولوجية للمجتمع.