استكشاف مصر ..جغرافيا وجيولوجيا  _ رشدي سعيد

استكشاف مصر ..جغرافيا وجيولوجيا _ رشدي سعيد

استكشاف مصر ..جغرافيا وجيولوجيا  _ رشدي سعيد

تاريخ الكشف الجيولوجي لمصر(*)

تأليف: رشدي سعيد

   ترجمة مختصرة ومحررة أعدها: عاطف معتمد  

 

يمكن تتبع تطور الكشف الجيولوجي لمصر عبر ثلاث فترات:

الفترة الأولى: وتمتد من الحملة الفرنسية (1798-1801) وحتى نهاية القرن 19 وبالتحديد مع تاريخ تأسيس المساحة الجيولوجية المصرية عام 1896. وتميزت هذه الفترة بكشوف جيولوجية متناثرة قامت بها جهود فردية لرحالة وعلماء في البيئة الطبيعية، فضلا عن علماء أرسلتهم جهات بعينها، وفي بعض حالات فريدة تمت هذه الكشوف على يد مؤسسات علمية أوروبية.

 

لقد اندفع علماء وباحثو تلك الفترة بحماس البحث عن الثروة المعدنية وحضارة مصر القديمة. وقد جمع هؤلاء العلماء قدرا كبيرا من المعلومات عن التاريخ الطبيعي للبلاد، وكتبوا العديد من كتب الرحلات سجلوا فيها ما اكتشفوه وعثروا عليه.

وكان أبرز حدثين في هذه الفترة هما حملة نابليون وبعثة رولف. لقد لفتت الأولى أنظار علماء أوروبا إلى مصر خاصة بعد نشر العمل الخالد "وصف مصر" الذي يضم في كثير من أجزائه (وخاصة المجلد الثاني المنشور في 1813) فصولا عديدة ذات أهمية بالنسبة لعلماء الجيولوجيا والمعادن. ويضم المجلد أول خريطة يمكن الاعتماد عليها للصحراء الشرقية.

وكان ما جمعته الحملة من عينات، واستقر لاحقا في باريس، مادة ذات أهمية كبيرة للدراسات التي تمت لاحقا وحتى نهاية القرن 19، وبصفة خاصة تلك الأبحاث الرائدة للتمييز بين الأحياء البحرية في البحرين الأحمر والمتوسط

أما بعثة رولف  Rohlf(1874-1875) فقد أسهمت بشكل فعال في دراسة جيولوجية مصر. فهذه البعثة التي قادها رولف وانضم إليها رجال أكفاء أمثال جوردون Jordon و زيتل Zittel ورافقها في بعض الأحيان أشيرسون  Ascherson وضعت الأساس الحديث لجيولوجية مصر، أو بالأحرى المسح العلمي الحديث للبلاد، سيما في موضوعات الحياة النباتية وأحوال الطقس في الصحراء الغربية والتاريخ الطبيعي. ولهذه البعثة أيضا الفضل في نشر أول خريطة موثوق في صحتها عن الصحاري المصرية إلى الجنوب من دائرة عرض الفيوم  (بمقياس رسم 1: 300.000) . وظلت هذه الخريطة أساسا لجيولوجية مصر حتى تاريخ نشر خريطة المساحة عام 1910.

أما أبرز الجيولوجيين في هذه الفترة فهو جيورج شفاينفورث (1836 -1925) والذي بدأ مسيرته اللامعة في مصر بنشر العمل الذي يصف فيه رحلته إلى الإقليم النائي في جبل علبة (1864) واستمرت مسيرته العلمية حتى نشوب الحرب العالمية الأولى فترك لنا أبحاثا متميزة عن مصر في الجيولوجيا والجغرافيا والأركيولوجيا والكارتوغرافيا والنبات. وبقي شفاينفورث أهم علماء التاريخ الطبيعي في مصر لأكثر من 50 عاما. وقد زود العلماء الأوروبيين بكميات هائلة من الصخور والحفريات وحافظ على مراسلات مثمرة مع العديد من العلماءالبارزين منهم. ويعود له الفضل في اكتشاف تكوينات العصر الفحمي في وادي عربة (1885) وسد الكَفْرَة الأثري في صحراء حلوان (1885) وإقليم الكريتاسي في أبو رواش (1889). والحفريات الفقارية في الفيوم (1886).

لقد كانت زيارته الرائدة لجبل علبة قد أثمرت مونوجراف عن جغرافية ونبات هذا الإقليم البعيد. وقد نتج عن رحلات شفاينفورث في المسارات غير المطروقة في الصحراء الشرقية نشر دراسة تفصيلية عن الجزء الأوسط منها وهي دراسة دعمت بخريطة رسمت على 10 لوحات فيما بين 1899 و 1910.كانت قدرات شفاينفورث التنظيمية أيضا لا نظير لها، وقد أسس الجمعية الجغرافية المصرية وكان رئيسا للمجمع العلمي المصري لسنوات عديدة.

ومن بين العلماء الذين تأثروا بشفاينفورث كل من فالتر Walther  الجيولوجي الألماني الشهير الذي درس إقليم وادي عربة (1890) والشعاب المرجانية في البحر الأحمر (1888) وجيومورفولوجية الأراضي الصحراوية.

وخلال هذه الفترة كان كل جيولوجي مرموق في أوربا قد شارك في بحث جيولوجي عن مصر بشكل أو بآخر. وهناك أسماء لعشرات منهم حققوا إنجازا علميا بفضل دراستهم للبيئة المصرية.

الفترة الثانية: من نهاية القرن 19 وحتى منتصف القرن العشرين

وضعت هذه الفترة أسس جيولوجية مصر الإقليمية من الناحية الفعلية، وبلغت هذه الفترة ذروتها في نشر خريطة مصر الجيولوجية في عام 1928 وصدور كتاب هيوم "جيولوجية مصر" (1925-1937). لقد تأسست المساحة الجيولوجية المصرية على يد ه.ج ليونز H.G. Lyons وعمل فيها رجال أكفاء ما زالت أبحاثهم تعد من بين أفضل الأعمال وأفضلها أصالة عن المسح الجيولجي لأقاليم مصر. وكانت المساحة الجيولوجية المصرية منذ تاريخ تأسيسها  وحتى عام 1925 قد عبرت عن نفسها في كتاب هيوم "جيولوجية مصر"

 

وظل هذا الكتاب هو المرجع حتى ظهور كتاب رشدي سعيد "جيولوجية مصر" عام 1971. ومن بين أهم الأعضاء الأوائل في المساحة الجيولوجية: بيدنيل، بارون، بول، هيوم، وبلانكنهورن. فيرار وستيوارت، وفورتو الذي كان نشطا في الأبحاث الباليونتولوجية. وانضم صادق إلى المساحة الجيولوجية في 1917 وأعطى جهده للتخصص الجديد في هيئة بحوث البترول التي تدعمت بتعيين مادويك ومون في نفس السنة. لم يكن صادق عالما لامعا فحسب بل كان أيضا فعالا في دفع الدراسات الجيوولجية من خلال قدراته التنفيذية الرائعة في إدارة قسم المناجم والمحاجر ثم لاحقا في المنصب الوزاري.

وخلال هذه الفترة زار مصر عدد من الجيولوجين المرموقين في العالم. ونذكر منهم أسبورن عالم باليونتولوجيا الحفريات الذي قام بمساعدة من المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي بدراسة حفريات الفيوم الفقارية. ونذكر أيضا ساندفورد وآركل واللذين جاءوا بتمويل من معهد الشرق بجامعة شيكاغو، وقدما دراستهم القمية عن عصر البلايستوسين في مصر.

ورغم أن هذه الفترة من البحث الجيولوجي قد تمخضت عن اكتشاف عدد كبير من خامات المعادن ذات الأهمية الاقتصاديةإلا أنه حدث ركود في النشاط البحثي خلال نهاية تلك الفترة، وجاء معظم الإسهام في هذه الفترة من خلال الجامعات التي كانت قد تأست في تلك الفترة. كما جاءت بعض الإسهامات من قطاع البترول والذي شهد توسعا في ثلاثينيات القفرن العشرين نتيجة إصدار قانون جديد للمناجم يشجع الاستكشاف البترولي. تم خلال هذه الفترة مسح كافة المنطقة الرسوبية تقريبا إلى الشمال من دائرة عرض 28 درجة شمالا بمقاييس رسم تراوحت ما بين 1 : 500.000 و 1:25.000 وأحيانا بمقياس أصغر من ذلك. وشهدت هذه المنطقة مسوحا جيوفيزيائية.

الفترة الثالثة: من منتصف القرن العشرين وإلى اليوم (1990)

تعتبر هذه الفترة فترة التوسع الكبير في المسح الجيولوجي. ففي عام 1962 ظهرت دراسة رشدي سعيد "جيولوجية مصر" وفيه محاولة لتنظيم المعلومات الهائلة التي تراكمت عبر السنوات التالية من خلال تصفيفها معا في إطار مفاهيمي جامع.

وفيما بين 1954 و1976 تبنت المساحة الجيولوجية المصرية برنامجا استكشافيا مكثفا بهدف البحث عن الخامات المعدنية الاقتصادية لتحقيق الخطة الخمسية الصناعية. وشهدت المساحة الجيولوجية تغيرات كبيرة في هذه الفترة. وكان مستوى ودرجة أهمية العمل قد حقق توسعات كبرى في الكشف فزاد عدد العلماء المشاركين بدرجة غير مسبوقة، وتم تبني مناهج جديدة شملت أساليب المسح الجيوفيزيائي والجيوكيميائي فضلا عن تقنيات جديدة في الحفر وأعمال المناجم. وبعد فترة التوسع هذه أعيد تنظيم المساحة الجيولوجية في 1968 لتصبح المؤسسة المركزية للقيام بالبحوث الجيولوجية في البلاد. وتم توسعة المكتبة لتضم كل ما له علاقة بالدراسات ذات الصلة بعلوم الأرض التطبيقية في مصر. ويكن تقسيم هذه الفترة إلى فترتين فرعيتين:

  1. من 1954 وحتى 1974. وشمل البحث المعدني ثلاث مراحل متتابعة:
  • الأولى إعادة فحص الدراسات السابقة؛ وخلال هذه المرحلة تطور البحث في خامات حديد أسوان التي كانت ستستخدم من قبل مصنع صغير للحديد والصلب والذي شيد في حلوان جنوب القاهرة. وقد أدى المضي في العمل إلى الكشف عن إمكانات حديد الواحات البحرية. وقد تواكب ذلك مع الاكتشافات الحديثة في خامات فحم جبل المغارة في سيناء. كان الاستكشاف في خامات حديد البحرية قد تطور وصارت تلك الخامات المصدر الأساس لتطوير مصنع الحديد والصلب في حلوان.
  • والثانية دراسة منهجية للخامات المعدنية التي يمكن أن تستخدم كمواد خام للصناعة لتلبية متطلبات الطاقة الهيدروكهربية التي كان يتوقع إنتاجها من سد أسوان العالي والذي كان يشيد آنذاك؛ ولقد تضمنت المرحلة الثانية استكشاف المواد الخام التي كانت ستستخدم في أغراض الصناعات التعدينية، سيما خامات سينايت النيفالين nepheline syenites في جنوب شرق الصحراء الشرقية باعبتارها من الممكن أن تكون مواد خام لصناعة الألومينيوم والذي أقيم له لاحقا مصنع في نجع حمادي على نهر النيل في صعيد مصر ولكنه لم يعتمد على هذه الخامات، بل اعتمد على خامات الفوسفات في جنوب مصر كمواد خام.
  • وكانت المرحلة الثالثة القيام ببرنامج لدراسة إمكانات جزء من صخور القاعدة في صحراء مصر الشرقية، وأجريت خلالها دراسات منهجية على المركب القاعدي لوسط الصحراء الشرقية وتم رسم خرائط للمنطقة بمقياس رسم 1:40.000 كما تم تحليل آلاف العينات بطرق التحليل الجيوكيميائي. وأدى العمل إلى اكتشاف خامات منجم ذهب البرامية.
  1. من 1974 وحتى اليوم واتسمت بتنوع وزيادة أنشطة العلماء الأجانب والمؤسسات الدولية فضلا عن طفرة في أعمال الكشف عن البترول التي تضطلع بها شركات عالمية (تم اكتشاف أول بئر بترول في في جِمْسَة عام 1886). ويمكن فيها تمييز الانشطة التالية:
  • قام قطاع البترول، متبعا تقليده الطويل، بتوقيع أكثر من 100 اتفاقية مع أكثر من 40 شركة. وبلغت أعمال الحفر والتنقيب نحو 5 ملايين قدم، وهو ما يعد ضعف ما بلغته أعمال الحفر والتنقيب في المراحل السابقة. ففي عام 1982 وحده تم حفر 90 بئرا بإجمالي عمق يبلغ 300 ألف متر. واستمرت بانتظام وتقدم أعمال مسح الجاذبية والمغناطيسية خلال تلك الفترة، وتم أكثر من 50 كشفا للبترول والغاز في خليج السويس ودلتا النيل والصحراء الغربية. وزاد الاحتياطي المكتشف إلى 2.5 بليون برميل نفط وكميات هائلة من الغاز. لقد كان قطاعا الجيولوجيا والتعدين – منذ 1952 – مجالا حكرا على المؤسسات والشركات الوطنية التي لم تستعن بمساعدات خارجية سوى في إطار السياسات الوطنية وعلى أساس مبادرة هذه المؤسسات، لكن منذ عام 1976 أدى سعى عديد من المؤسسات الأكاديمية والتطبيقية الدولية للعمل في مصر إلى الاستحواذ على هذين القطاعين.
  • واصلت المساحة الجيولوجية جهودها في نشر الخريطة الجيولوجية لمصر، في نسخة أولية ظهرت في عام 1971 (مقياس 1 إلى 2 مليون) ولم تستخدم الألوان بل فقط الخطوط والرموز. وأعقب ذلك نشر خريطة للمركب القاعدي (مقياس 1 : 100 ألف) للصحراوين الشرقية والغربية. ثم ظهرت نسخة أكثر تحديثا وملونة لطبعة عام 1971 ذات المقياس 1: 2 مليون ونشرت عام 1981. ولقد نشرت خرائط جيولوجية لمنطقة أسوان قنا (مقياس 1: 500.000) وذلك في عام 1978. وصدرت في عام 1983 ثلاث لوحات من سلسلة بمقياس 1:250.000 غطت الداخلة، ووادي قنا، وجبل العُرف. 
  • وفيما بين عامي 1967 و 1984 وقعت سيناء تحت الاحتلال الإسرائيلي وأصبحت مادة دراسية لعديد من العلماء الإسرائيلين سيما بعد حرب 1973. وهناك ما يقرب من 100 منشور أعد عن جيولوجية سيناء صدر خلال فترة الاحتلال (وهناك مجموعة مختارة من الدراسات التي أعدت عن سيناء أعادت المساحة الجيولوجية الإسرائيلية نشرها فيما بين عامي 1980-1984). وهناك خريطة تفسيرية من صور جوية جيولوجية بمقياس 1:500.000 نشرت في دراسة إيال وزملاؤه Eyal et al. 1980 وقد حفر أكثر من 16 بئرا بحثا عن البترول في شمال سيناء. وكان هدف معظم هذه الأعمال دمج جيولوجية سيناء مع جيولوجية إسرائيل، وتم استخدام أسماء التكوينات الصخرية في إسرائيل وإسقاطها على خرائط التصنيفات الجيولوجية في سيناء.

وكانت البحار التي تطل عليها مصر مادة لدراسات مكثفة خلال السنوات الأخيرة. وعلى الرغم من أن تاريخ استكشاف البحر الأحمر وشرق البحر المتوسط يعود إلى نهاية القرن 19، فإن منتصف ستينيات القرن العشرين شهد الاستكشاف الحقيقي المنظم للبحرين الأحمر والمتوسط. وكان اكتشاف الطبيعة البازلتية للإخدود المحوري للبحر الأحمر قد أدى إلى الخروج بنتيجة مفادها أن البحر انفتح من خلال عملية الانفراج المحيطي. وكان الاكتشاف المهم الآخر لرواسب الخامات المعدنية - التي تغطيها محاليل ملحية حارة شديدة التركيز Hot brine في قاع المنخفضات والأعماق الواقعة عادة على طول المحور الإخدودي للبحر – قد أثار اهتماما كبيرا وأدى إلى أعمال أوقيانوغرافية نشطة من قبل اللجنة السودانية – السعودية للبحر الأحمر (6 بعثات فيما بين 1965 و1971). وقد أدى الاهتمام الدولي بالبحر الأحمر إلى إطلاق بعثات علمية عديدة: كبعثات الاتحاد السوفيتي (بعثتان في 1976 و 1980) والولايات المتحدة (ست بعثات فيما بين 1962 و 1972)، وألمانيا (بعثتان في 1965 و 1971) وانجلترا (أربع بعثات فيما بين 1963 و 1967) وفرنسا (بعثتان في 1979 و 1981). وقد ادى العمل الأوقيانوغرافي المكثف في شرق البحر المتوسط إلى نتئج بالغة الأهمية. فاكتشاف طبقة ملحية أسفل قاع البحر أدت إلى الخروج بنتيجة مفادها أن هذا البحر لابد وأنه تعرض للجفاف خلال العصر الميسيني Messinian. وأشارت نتائج الأعمال الجيوفيزيائية إلى أن القارة الإفريقية كانت قد اندست أسفل أوروبا. وكان لهذه النتائج تأثير كبير على ما تكون لدينا من فهم لتطور اللاندسكيب في أرض مصر وتطور نهر النيل.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(*) Rushdi Said.  History of Geological Research. In Said. R (ed.) (1990) The Geology of Egypt. Rotterdam, the Netherland.