"الليل..سؤال جديد في الجغرافيا"

"الليل..سؤال جديد في الجغرافيا"

عرض لمقالة "الليل..سؤال جديد في الجغرافيا"
La Nuit, Une Nouvelle Question pour la geographie

بقلم تشاليت صمويل: مجلة رابطة الجغرافيين الفرنسين
عرض: د. عاطف معتمد

تلقي هذه المقالة إطلاله فكرية وفلسفية على جانب غير مطروق في الدراسات الجغرافية يعنى بالتغيرات التي طرأت على الحياة الإنسانية في بعد زمني (الليل) ومكاني (مدينة ما بعد الحداثة). ويتناول الموضوع التأثيرات المختلفة للأضواء الليلية على التغيرات السلبية التي أصابت النظام الإيكولوجي والبيئي في المدينة، ويعرج على مفاهيم ذات علاقة بالاقتصاد البيئي وعلاقة ذلك بالأضرار الصحية والبيئية لأضواء المدينة فضلا عن تدهور ـ وربما إنهيار ـ القدرة على الوصول الى السماء المرصعة بالنجوم، نتيجة معدلات التلوث الضوئي التي تعيق رؤية وتتبع أجرام السماء وما لذلك من أبعاد بالغة الأهمية على تراجع صحة الإنسان النفسية والعقلية بل وتراجع نضجه الثقافي والحضاري. وفي ظل تلك الأهمية تتصاعد مطالبات بعض المؤسسات والتنظيمات لدعم ما صار يعرف باسم "حماية الليل" و"إنقاذ بيئة العتمة".

فمع حلول الليل يتوقف 80 % من العمال والموظفين عن نشاطهم، وتصبح بيئة المدينة ملائمة لنوبة أخرى من النشاط الإنساني النوعي والأقل كثافة، يقوم به الموسيقيون والرسامون والكتاب والمصورون وصناع السينما والذين يبحثون عن وحي وإلهام في بيئة السكون والعتمة وهدوء وحكمة الليل حيث أجواء تبعث على إحياء المشاعر والعواطف والإثارة الحسية، وفي بعض الأحيان تكون بيئة لإثارة الخوف وربما العنف. فالليل مسكون أيضا بكثير من البشر الخائفين والحيوانات المترقبة التي تنتابها هواجس القلق والخوف، فيما يعطي الليل وصفا أقرب الى "فولكلور الخوف" ويخلق طقسا مناسبا لحياكة قصص وأساطير وسرديات شعبية تصلح دوما لكتابة أدب الأطفال. 

أما علماء الفلك ـ الذين لم يملوا من مراقبة سماء الليل ـ والذين يتخذون من أطراف المدن مراكز لممارسة عملهم، فقد دهمهم الزحف العمراني الذي تم بكثافة خلال عقدي سبعينيات وثمانينات القرن العشرين فلامس مواقع رصدهم العلمي. وكان لأضواء المدينة وما تشكله من "تلوث ضوئي" إعاقة بالغة لممارسة عملهم من متابعة السماء بنجومها وأفلاكها، سواء كانوا فلكيين هواة أو محترفين.

فالإضاءة الاصطناعية التي ترسلها المدينة في الليل أدت الى تراجع "التباين الطبيعي" الذي كان يتشكل من التقاء عتمة الليل مع إضاءة السماء، ومع تدهور هذا التباين لم يعد ممكنا لهم مراقبة عملهم بشكل جيد سواء لمتابعة المجرات أو النجوم أو الممجوعات النجمية أوغيرها من الأجسام الفلكية، ومن ث تراجع قدرتهم على تقدير تركيب وحجم ومسافة وسرعة تلك الأجسام البعيدة.

وبعيدا عن حرمان الفلكيين من متابعة عملهم بالشكل الكاف، فإن سكان المدن الصناعية محرومون بشكل كبير من الاستمتاع بجغرافية الليل ورؤية السماء التي تعج بعوالم التأمل والتعلم. ولا يجب أن نستخف بأهمية سماء الليل كمصدر للأساطير، والحكايات، والمعتقدات، وهي مصدر أيضا لتاريخ طويل من المفاهيم الفلسسفية والعلمية عن الحياة والكون الذي تطور فيه الإنسان، وهذه السماء هي التي ساهمت في تكوين شخصية فردية قوية تفكر في أسئلة هوية الفرد والجماعة والكون. وسماء الليل هي أيضا واحدة من كبري بوابات الثقافة العلمية لإكمال نضج الشخصية الإنسانية وتكوين الإنسان المتحضر الرشيد.

وقد بدأت الكلفة البيئية للأضواء الاصطناعية تلفت الانتباه منذ ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين. فقد أظهر الإيكولوجيون كيف أن الضوء  الليلي يؤدي إلى "هياج" انواع حيوانية بعينها من تلك المعادية للضوء، وبعضها (من الحشرات والهائمات الطائرة) ممن يجذبه الضوء يظل هائما حتى الاستنزاف والموت. ولأن اليوم بأكمله أصبح مضيئا (نهارا وليلا) يختل النظام السلوكي للكائنات الأحيائية الليلية التي لا تجد فرصة للنوم أو الراحة أو التوالد، ومن ثم تتعرض للانقراض واختلال النظام الإيكولجي لحياتها، ولذلك تداعيات سلبية لاحقة على حياة الإنسان نفسه.  وتصل بعض الأبحاث الى ان ثمة علاقة بين التعرض للضوء في الليل والإصابة ببعض الأمراض من بينها السرطان.

وإزاء ذلك تصعد الآن حركة تسمى "إنقاذ الليل" تسعى الى إقناع الجهات والمؤسسات المسؤلة عن الإضاءة الصناعية للمدن في الليل بالحد من تلك الإضاءة و"إعادة تأهيل العتمة" التي تضررت من الإضاءة الاصناعية وأفسدت النظام البيئي، ومما يبشر بامل في هذا الصدد، أن ثمة إمكانية لتوحيد الجهود مع الجماعات الساعية الى توفير الطاقة وصون البيئة.