الحسن الوزان الفاسي

الحسن الوزان الفاسي

الحسن الوزان الفاسي (ليو أفريكانوس)
قصة مثيرة لجغرافي عربي إفريقي

 

تأليف :
ر. دبليو بوفيل
ترجمة
عزت زيان - عاطف معتمد

 

"بالإضافة إلى رحلاته العظيمة جدا والمؤثرة ... فإنني أتعجب كثيرا من عدد المرات التي أفلت فيها من المخاطر الرهيبة. ... وكم عدد المرات التي تعرض فيها لخطر الأسر، أو التعرض لقطع عنقه على يد البدو الرحل، والمغاربة المتوحشين؟ وكم عدد المرات التي أفلت فيها في اللحظة الأخيرة من أفواه الأسود الشرسة، وأنياب التماسيح المفترسة؟"

نقلا عن : جون بوري John Pory.

يتمتع ليو بخصائص حميدة كثيرة ليس أقلها الصراحة. حيث كتب: "من جانبي، عندما أسمع الحديث عن الأفارقة بالسوء، فإنني أؤكد أنني من غرناطة، وعندما أدرك أن أمة غرناطة لا تحظى بالإعجاب، فإنني أعتبر نفسي أفريقيا".

ولد ليو في غرناطة ربما في سنة 1494/1495 م. حيث أطلق عليه أبواه المغربيان اللذان لا نعرف عنهما الكثير اسم الحسن بن محمد. ومن الواضح أن أباه شغل منصبا مرموقا كان يضمن تحقيق الثروة في ذلك الوقت، وكان عمه على قدر كبير من الأهمية لدرجة أن سلطان فاس أرسله في بعثة دبلوماسية إلى السودان. ويكتمل سجل العائلة بذكر أحد أقاربه في فاس، والذي عالما في الكيمياء ولقي حتفه خلال تجاربها.

وتعتمد معرفتنا بحياة ليو أساسا على تلميحات عابرة عن نفسه في عمله العظيم "تاريخ ووصف أفريقيا The History and Description of Africa(1) وتكتمل بعض معارفنا عن ليو عبر الإشارات العارضة لدى الكتَّاب الذين عاصروه.

وقد خضعت غرناطة لفرديناند وإيزابيلا قبل مولد ليو بفترة. واضطر والداه بعد سقوط غرناطة إلى العودة إلى أفريقيا. واستقرت الأسرة في جوار فاس، حيث استمرت هناك في التمتع بمزايا مكانتها الاجتماعية.


غلاف النسخة الإنجليزية المترجمة عن الإيطالية من كتاب الحسن الوزان الفاسي
 (ليو الأفريقي)

وفي ذلك الوقت، كانت المغرب في وضع غير مستقر سياسيا، وكانت متأثرة بالاقتراب المتزايد باستمرار من البرتغاليين الذين كانوا يحتلون جزء كبيرا من الساحل. ومع ذلك، استمرت الحياة الفكرية في فاس ومراكش بدون أن تتأثر بالاضطرابات في العالم الخارجي، وظلت مكتباتهما ملاذ الدارسين العرب الأكثر براعة في ذلك الوقت.

وفي الواقع، كان خروج الكثيرين من المغاربة المتعلمين والأثرياء من أسبانيا يميل إلى تحفيز المراكز الأفريقية للتعليم الإسلامي. ولذلك فإن فاس وفرت لهذا الصبي فرصا لا تعوض للتعليم الذي استفاد منه كثيرا. حيث درس البلاغة والفلسفة وغيرهما من العلوم التقليدية، ومنها الشريعة الإسلامية.

وانطلق ليو في وقت مبكر من عمره إلى العالم ليجرب حظه. وبينما كان ينتقل من مدينة لأخرى، كانت معرفته بالشريعة والقانون تجلب له الكثير من العمل. وعندما كان في الرابعة عشر أو الخامسة عشر من عمره، كان يستدعى للعمل قاضيا، وهي الوظيفة التي شغلها كثيرا بعد ذلك. ولكن يبدو أن وظائفه الأساسية كانت مع التجار أو رجال الحكم الذين كان يعمل لديهم موظفا أو كاتب عدل. وكان يتاجر أحيانا لحسابه الخاص. وفي بعض الأحيان كان يخدم السلطان في البعثات الدبلوماسية أو يعمل جنديا في الجيش. وقد عرضه أسلوبه في الحياة للمغامرات وطاف به في شتى الأنحاء. وجعلته الرحلات البحرية والبرية الكثيرة بصحبة التجار مطلعا على جميع أنحاء بلاد البربر.

وفي 1513، عندما بلغ السابعة عشر، قام برحلته الشهيرة إلى تمبكتو والجزء الأوسط من غرب أفريقيا. حيث قام بهذه الرحلة مع عمه الذي كان يعمل مبعوث سلطان فاس إلى  آسكيا الكبير Askia the Great سلطان مملكة صنغاي. ولم يكن هناك شيء جدير بالذكر في هذه الرحلة في حد ذاتها، لأنه بالرغم من طبيعتها الشاقة، إلا أنه كان يقوم بها أعداد كبيرة من تجار السلطان. ولكنها أصبحت شهيرة بسبب المعلومات التي جمعها ليو آنذاك ثم نشرها في أنحاء العالم بعد ذلك.

ومع ذلك، لم تكن رحلات ليو قاصرة على أفريقيا. ففي وقت ما في شبابه، سافر كثيرا في آسيا حتى وصل إلى تبريز في بلاد فارس، وقام بأكثر من رحلة إلى القسطنطينية. وفي سنة 1520 تقريبا، وعند عودته من إحدى هذه الرحلات، وقع في أسر القراصنة المسيحيين قرب جزيرة جربة التونسية. وعندما اكتشف القراصنة أن أسيرهم كان رجلا يتمتع ببعض المزايا، حملوه إلى روما وأهدوه إلى بابا الفاتيكان: ميديشي ليو العاشر Pope Medici Leo X، ابن لورينزو العظيم Lorenzo the Magnificent، وراعي الفنون الذي ابتهج بهذا الأسير كثير الترحال.

تبنى البابا ليو وحوله المسيحية، وعاش ليو في روما حياة سلسة، وأظهر قبوله للمسيحية مدفوعا باعتبارات مصلحته الشخصية. وقد منحه البابا الذي كان أباه بالمعمودية اسم جيوفاني ليوني Giovanni Leone. وقضى سنوات عديدة في روما يتمتع بمجتمع الرفاق المفكرين وحرية الوصول إلى المكتبات العظيمة. حيث كتب باللغة الإيطالية عمله الشهير عن أفريقيا. وكان يعكس عقلية يقظة وفطنة كبيرة.

ولكننا لا نعرف الكثير عن هذه السنوات التي قضاها في روما، ولا عن حياته بعد ذلك. وهناك سبب يدعو للاعتقاد بأنه كان يحمل نية صريحة للعودة إلى أفريقيا، والثابت أنه مات في تونس في سنة 1552 بعد تحوله إلى عقيدته الإسلامية من جديد.

وفي عصر ليو، كانت التجارة بين البربر والسودان نشطة بصورة غير عادية. وتدفعنا إشاراته المتكررة إلى تجار البربر الذين يحملون ""تجارة عظيمة إلى أرض الزنوج" إلى الاعتقاد بأنه كان مهتما بالسودان بصورة خاصة. وقد تحقق ذلك بفضل بسط سلطة صنغاي الاستقرار على مساحة واسعة من حوض نهر النيجر، وأدى هذا تلقائيا إلى تحفيز تجارة القوافل. وأغرى تزايد الأمن فيما وراء الصحراء أعدادا كبيرة من تجار البربر بالمغامرة بعبور الصحراء الخطرة بحثا عن العوائد الكبيرة التي ارتبطت بتجارة الزنوج. ومع ذلك، يشكو ليو من أن الزنوج "غير مهرة تماما في تجارة السلع، ويفتقرون إلى المصرفيين ومن يقومون بتبديل العملات: حيث لا يستطيع التاجر القيام بأي شيء في حالة غيابهم، ويضطر إلى الذهاب بنفسه مع بضائعه حيثما ذهبت".(2)

وفي كل أنحاء بلاد البربر، من ساحل الأطلنطي إلى طرابلس، كانت كل مدينة داخلية مهمة تساهم في هذه التجارة. وكان من أشهر هذه الأسواق: فاس، سجلماسا، تلمسان، وارجلا، وغدامس. وكانت السلع الرئيسة المصدرة إلى السودان تشمل: القماش الأوروبي، السكر المزروع في سوس في جنوب المغرب، الثياب، الأواني النحاسية، الخيول، والكتب. حيث كان يتم مبادلتها مقابل سلع مختلفة، كان من أهمها الذهب والرقيق وعطور مستخرجة من سنَّور الزباد Civet (نوع من القطط الأقرب إلى النمور). ويذكر ليو هدية أرسلها سلطان فاس إلى زعيم جبلي، وكانت كلها تتكون من منتجات السودان. وفيما يلي تفاصيل هذه الهدية الثمينة التي تحمل ليو مشقة تسجيلها:

"خمسة عشر رجلا من الرقيق، خمس عشرة امرأة من الإماء، جاؤوا من أرض الزنوج، عشر خصيان، اثني عشر جملا، زرافة، ستة عشر من سنور الزباد، رطل من طيب سنور الزباد، رطل من العنبر، وحوالي ستمائة من جلود غزلان المها يصنعون منها الدروع، ، وعشرين من الرقيق، وخمس عشرة امرأة من الرقيق".(3)

وبالرغم من أن تجارة الصحراء كانت ضخمة بصورة استثنائية في عصر ليو، إلا أنه لا يوجد ما يدعو إلى استنتاج أن الأوضاع كانت تختلف كثيرا عن أوضاع القرن التاسع عشر مثلا. وربما كانت الآبار أكثر انتشارا، ولكننا لا نفتقر إلى أدلة على مدى خطورة السفر في الصحراء. حيث كتب ليو في وصفه لتجاربه الخاصة فيما بين سجلماسا وتمبكتو، في أحد أشهر الدروب الصحراوية الأكثر استخداما: "في إحدى المرات التي كنا نتقرح فيها من العطش، لم نستطع العثور على نقطة ماء، وذلك لأن الدليل انحرف عن الطريق المباشر، ولأن أعداءنا قطعوا عنا طرق الوصول إلى الينابيع والآبار".(4)

واتساقا مع المصادر الأخرى، يكتفي ليو بتوضيح الطرق الرئيسة فقط لقوافل تجار السودان. حيث كان من أهمها الطريق الممتد في أقصى الغرب، والذي يمتد جنوبا من سجلماسا إلى تمبكتو. فقد كان هذا هو الطريق الذي سلكه ليو في بعثته إلى صنغاي. وكانت أهميته ترجع إلى أنه يربط المغرب بمناطق السودان الغنية بالذهب. حيث يخبرنا ليو بأنه كان هناك الكثير من الصاغة والصناع في "كل المناطق التي تقع على الطريق من تومبوكتو إلى فاس".

وكانت تجارة الذهب تشكل أهم جزء من تجارة السودان. ففي الشمال، كان يتركز في سجلماسا التي كانت ترتبط بصورة خاصة بهذه السلعة منذ عصور مبكرة. وكان تعدين العملات الذهبية والفضية يمثل صناعة محلية مهمة. وفي عصر ليو، كان هناك دار لسك العملة في فاس. وكانت هذه المدينة مشهورة بالصاغة، ويبدو أنه كان هناك نوع ما من ممارسة السيطرة الحكومية على الذهب والفضة، لأنه كان يجب دمغها كلها. وكان المسلمون ممنوعين بحكم القانون من أن يكونوا صاغة بسبب الممارسات المشينة التي أدخلوها في التجارة التي أصبحت بالتالي في أيدي اليهود غالبا.

وكان تجار السودان يسافرون من سجلماسا جنوبا، حتى يصلوا إلى مناجم ملح تغازى Taghaza بعد حوالي ثلاثة أسابيع. وقد قضى ليو ثلاثة أيام هناك، واتساقا مع الرحالة الآخرين، تأثر كثيرا بالعزلة الشديدة للمكان وبؤس سكانه الذين كانوا كما يخبرنا من العمال الأجانب المستقدمين من السودان. وكانوا يعتمدون كلية على القوافل العابرة للحصول على المواد الغذائية، فإذا تأخرت هذه القوافل في الوصول، كان يمكن أن يموت عمال المناجم من الجوع. وكما نعلم أنه في أماكن أخرى كانت المياه سيئة جدا لدرجة أن الناس كانوا لا يعيشون طويلا في مناجم الملح.

وفيما وراء تغازى، كانت هناك منطقة شاسعة في عزلة شديدة لا يمكن النجاة منها إلا بالوصول إلى والاتا Walata. وكان يجب دفع المكوس على هذا الطريق إلى صنهاجة Sanhaja. كما كانت والاتا ملتقى مهما لطرق القوافل. حيث كانت ترتبط بساحل الأطلنطي في الغرب عن طريق يمر عبر وادان Wadan إلى أرجوين Arguin، وكانت الطرق التي تتجه إلى الجنوب والغرب تربط والاتا بجيني Jenne  ومالي وتمبكتو، وكانت كلها من الأسواق المهمة.

وهناك طريق قوافل شهير آخر يتجه جنوبا من تلمسان إلى توات Tuat، حيث يتفرع إلى طريقين، يتجه أحدهما إلى تمبكتو بينما يتجه الآخر إلى أغاديس. وإلى الغرب منه كان هناك طريق وارجلا أغاديس المهم الذي كان يوفر السلع التجارية الأوروبية من القسطنطينية والقيروان وتونس من خلال طريق روماني قديم يتجه جنوبا عبر مضيق القنطرة وبسكرا Biskra وتوجورت Tuggurt. وكانت تجارة أير أو أسبن ، التي كانت تتركز في أغاديس، تحقق ثروة عظيمة لمدينة وارجلا.

وكان الطريق الصحراوي المهم الرابع يتجه من غدامس عبر كاوار Kawar إلى بورنو Bornu. حيث كانت تجارة السودان في مدينة طرابلس القديمة ترجع إلى عصور مبكرة. ومن خلال هذا الارتباط الطويل، كان تجار غدامس يحققون لأنفسهم مكانة بارزة في الشئون التجارية في أراض الزنوج، على طول الطريق من بورنو إلى تمبكتو. ويبدو أن ليو كان يعرف شخصيا طريق فاس تمبكتو فقط. فبعد زيارة مالي وجيني وتمبكتو، سافر إلى النيجر متجها شرقا عبر بلاد الهوسا إلى بورنو، متبعا طريقا مشهورا.

وقد كتب ليو: "شاهدت بنفسي خمس عشرة مملكة من الزنج. وكانت أسماؤها (بداية من الغرب إلى الشرق والجنوب ) على النحو التالي: جوالاتا Gualata، غينيا، Ghinea ميلي Melli، تومبوتو Tombuto، جاجو Gago، جوبر Guber، أغاديس Agadez، كانو Cano، كافينا، زجزج Zegzeg، زانفارا Zanfara، جوانجارا Guangara، بورنو Borno، جاوجو Gaogo، ونوبي Nube). ويقع معظم هذه الممالك على نهر النيجر، حيث يسافر عليه التجار فعلا من جوالاتا إلى مدينة القاهرة في مصر. وتعتبر هذه الرحلة طويلة جدا في الواقع، ولكنها آمنة وخالية من المخاطر".(5)

ومثل ابن بطوطة قبله، والمستكشفين الأوروبيين العظام في السنوات الأخيرة، كان ليو متأثرا كثيرا بأمان السفر في السودان.

ويبدأ ليو تقريره عن أرض الزنج بوصف والاتا. فبالرغم من أنها لا تزال ملتقى مهما لطرق القوافل، إلا أنها فقدت الكثير من ازدهارها التجاري نتيجة تعرضها للدمار على يد حكام من أمثال مانسا موسي Mossi أولا ثم سُني علي Sonni Ali، وكذلك بسبب منافسة تمبكتو. وقد وجد ليو أن الصنغاي المسالمين يسكنون فيها.

وهناك قدر من الشك في الطريق الذي سلكه بعد ترك والاتا. ففي بداية عمله يخبرنا بأنه سافر من تمبكتو إلى جيني ومالي، ولكنه عندما وصف السودان، والذي يبدو بمثابة سجل تاريخي لرحلته، نجد أنه وصف جيني ومالي قبل وصف تمبكتو. وكان يمكن أن يبدو هذا مسارا طبيعيا للرحلة. ولكن يجب أن نتوقع أن بعثة دبلوماسية إلى آسكيا، كالتي شارك فيها ليون، يجب أن تذهب مباشرة إلى تمبكتو حيث يقيم الملك، قبل زيارة الأماكن الأقل أهمية. وسوف نعود إلى هذه النقطة لاحقا، لأنه يمكن أن يكون لها تأثير على تخبط ليو الشهير بشأن مسار نهر النيجر.

ويخبرنا ليو بأن "تجار بلادنا كانوا يطلقون على  جيني Jenne اسم غينيوا Ghenoea، وكان السكان المحليون هناك يطلقون عليها اسم جني Genni، وكان البرتغاليون وشعوب أوروبا الأخرى يطلقون عليها اسم غينيا Ghinea". وكان شعب جيني الذي يستخدم عملة ذهبية يمارس تجارة نشطة مع تجار من البربر في القطن الذي كانوا يقايضونه مقابل القماش الأوروبي والنحاس والأسلحة الحربية. ويذكر ليو أيضا الفيضانات الصيفية التي كان يجب على التجار خلالها أن يتحولوا ما بين جيني وكابارا Kabara (ميناء تمبكتو) في قوارب منحوتة. وعندما أكمل رحلته إلى مالي، تأثر كثيرا بثروة وثقافة عاصمة الماندنجو Mandingo القديمة.

وكان لتمبكتو تأثير كبير على ذهنه. ففي وقت زيارته، كانت تمثل المقر الرئيس لحاكم صنغاي  آسكيا الكبير. ولا شك في أن الأبهة والطقوس الدقيقة التي كان كل حاكم سوداني يحب أن يحيط بها نفسه كانت تأخذ أشكالا مسرفة في بلاط هذا الملك الزنجي العظيم. ومن المؤكد أن ليو كان مبهورا من استعراض الثروة التي كان محاطا بها هو وعمه. وهنا أيضا وجدا عددا من رفاقهم الذين أصبحوا أثرياء من استيراد القماش والخيول الأوروبية.

وكانت هناك عملة ذهبية متداولة، ولكن الأصداف كانت تستخدم للقيم الصغيرة. وكانت الماشية والقمح واللبن والزبد وفيرة، ولكن كانت هناك ندرة كبيرة في الملح الذي كان يستورد من تغازى. وقد أعجب بالمسجد والقصر الذي كان قد قبل ذلك قرنين الشاعر والمهندس المعماري الغرناطي الشهير أبو إسحق الساحلي Es Saheli من أجل مانسا موسى Mansa Musa.

ولا بد أن هذه المباني المبنية من الطوب الأحمر كانت تتناقض تماما مع أكواخ القش في بقية المدينة. فهنا أيضا وجد "عددا كبيرا من الأطباء والقضاة والكهنة وغيرهم من المتعلمين، الذين كانوا يعيشون في نعيم على حساب الملك. وكان يأتي إلى هناك مخطوطات أو كتب مكتوبة متنوعة من بلاد البربر، وكانت تباع بأسعار أعلى من أية سلع أخرى".

وكان الحاكم أسكيا الكبير – متأثرا بالتعاليم الدينية للشيخ السني المتشدد محمد الماغيلي Maghili من تلمسان في الجزائر – لا يحسن معاملة اليهود ويمنعهم من دخول المدينة.

وفي وقت زيارة ليو، كانت تمبكتو تتمتع بالرخاء الاستثنائي الذي حققته غزوات آسكيا لصنغاي. ولا شك في أنه لم يدخر أي جهد في التأثير على المبعوثين المغاربة باستعراض السلطة والثروة، وإذا حكمنا على هذا من خلال رواية ليو، فقد تحقق هذا الهدف بنجاح. وبالرغم من أن السحر الذي كان اسم تمبكتو يتمتع به طويلا في أوروبا كان يرجع جزئيا إلى أهميتها كمركز للعلم ومصدر للذهب، إلا أنه يدين بالكثير لوصف ليو المذهل للمدينة.

وسافر ليو بعد ذلك إلى جاو Gao، عاصمة صنغاي، حيث وجد نفسه ثانية محاطا بكل علامات الثروة والازدهار البارزة.

فقد كتب: "من العجيب أن ترى مدى وفرة السلع التي تجلب إلى هناك يوميا، ومدى تكلفة وبذخ كل هذه الأشياء. فالخيول التي تباع في أوروبا، تباع هنا باسعار تزيد بأربعين او خمسين مرة. كما تباع الأقمشة الأوربية باضعاف مماثلة، أما إذا كان من القماش القرمزي من البندقية، أو من القماش التركي، فإن الذراع يساوي هنا اعلى بثلاثين مرة عن سعره... ولكن الملح يعتبر الأكثر ندرة من بين كل السلع الأخرى".(8) وكان الذهب متوفرا بكميات كبيرة لدرجة أنه كان لا يباع أحيانا، وكان الزنوج يعودون إلى بيوتهم بثلث أو نصف ما جاؤوا به.(9)

وعندما واصل ليو رحلته غربا، مر عبر جوبير Gobir في طريقه إلى أغاديس Agades. حيث لاحظ في جوبير مهارة النساجين وصناع الجلود، ووصف طريقة زراعة الأرز التي لا تزال تتم بصورة نشطة في وديان جولبن ريما Gulbin Rima، وجولبن كيبي Gulbin Kebbi. ويخبرنا ليو بأنه: "عند فيضان النيجر، تكون كل حقول هذه المنطقة مغمورة، ثم يلقي السكان بذورهم في الماء فقط".(10) وكان هذا هو الأصل البسيط لتلك البحيرة المشهورة التي عرفت باسم لاكوس جوبر Lacus Guber العظيمة على خرائط أورتليوس Ortilus وغيره من الكارتوجرافيين في القرن السادس عشر. ثم حرفت إلى لاكوس جواردي Lacus Guarde أو لاك دى جواردي Lac de Guarde على خرائط أفريقيا حتى نهاية القرن الثامن عشر.

ويذكر ليو أيضا "قرية عظيمة معينة تحتوي على حوالي ستة آلاف أسرة، يسكنها جميع أنواع التجار". ولكن هوية هذه المدينة ليست مؤكدة، إلا أنها يمكن أن تشير إلى بيرنين زامفارا Birnin Zamfara، وهي مدينة مدمرة محيطها حوالي أحد عشر ميلا، ولا تزال بقاياها يمكن رؤيتها قريبا من عيسى Isa.(11)

ويصف ليو أغاديس بأنها يسكنها التجار الأجانب أساسا. وكانت تقوم بتجارة كبيرة مع كانو وبورنو، ولكنها كانت تدفع الجزية إلى صنغاي. ثم سافر من أغاديس جنوبا على طريق القوافل الشهير إلى بلاد الهوسا. ووجد كانو تعاني من آثار غزو صنغاي الحديث، ولكنها كانت تتباهى بالكثير من التجار الأثرياء. وأثر ركود مماثل على كاتسينا Katsina، زامفارا، زازاو Zazau، حيث اجتاحها كلها نفس المد الغامر.

وعندما وصف ليو هذه المنطقة (لم يستخدم ليو أبدا اسم الهوسا، ولكنه كان يطلق على لغة البلاد اسم "جوبر") قدم ليو مملكة وانجارا "المجاورة من الجنوب الشرقي لزامفارا" والتي يقع جنوبها منطقة "تتمتع بوفرة كبيرة في الذهب".(13) ولكن كلمات ليو غامضة. فربما تعني إما أن وانجارا كانت تقع جنوب شرق زامفارا، أو أن زامفارا تقع جنوب شرق وانجارا، وقد أربك هذا الكارتوجرافيين منذ أورتيليوس في 1570 إلى ليسلي في القرن الثامن عشر، فكان بعضهم يقرؤها بطريقة بينما يقرؤها البعض الآخر بطريقة أخرى.

ومن الواضح أن ليو اعتقد أن هذه كانت وانجارا التي أشار إليها الجغرافيين العرب، التي نعرف الآن أنها كانت على بعد ألف ميل إلى الغرب وليست بعيدة عن الأماكن التي زارها ليو عندما وصل أول مرة إلى السودان. ولذلك فإنه من المدهش أن نجده يضعها في بلاد الهوسا. وهناك تفسير محتمل يتمثل في أنه بينما كان في زامافارا سمع عن مستوطنة للماندنجو أو الوانجارا في الجنوب، ربما قرب جواري Gwari حيث كان يوجد الذهب، وهكذا التبس عليه الأمر بالنسبة إلى وانجارا المشهورة في التاريخ. ومنذ القرن الرابع عشر كان هناك وانجارا في جميع أنحاء بلاد الهوسا. وفي عصر بارت Barth، كانوا يمثلون التجار الكبار في كاتسينا Katsina،(14) التي لا تبعد كثيرا عن زامفارا، وربما كانوا يمثلون شعبا مهما محليا في عصر ليو. وبالرغم من ظهور هذا التخبط، استمر الكارتوجرافيون في وضع وانجارا في الهوسا طوال الثلاثمائة سنة التالية بسبب سلطة ليو الفكرية.

وفي بورنو وجد ليو أن السلطان يمارس تجارة نشطة في الخيول مع البربر. وبالرغم من حقيقة أن الذهب كان متداولا بصفة عامة في البلاط - فحتى كلاب الصيد الملكية كانت ترتدي سلاسل ذهبية - كان السلطان يرفض دفع مقابل الخيول بأي شيء سوى الرقيق الذين كانوا متوافرين بكثرة بسبب الحروب المستمرة التي شنها ضد جيرانه. فقد كان يقدم حوالي خمس عشرة أو عشرين رقيقا مقابل الجواد الواحد، ولكن يبدو أن هذه العملات البشرية كانت تثير اشمئزاز التجار البربر الذين كانوا يفضلون الذهب كثيرا. لكن مع تغير الظروف لاحقا، كان هؤلاء التجار يأتون من أجل الرقيق فقط وكانوا لا يقبلون أي شيء سوى ذلك.

ويكمل ليو وصفه للسودان بتقارير عن ممالك "الكاوجا  Kaoga" أو "الكوكو Kuku" أو "النوبيا Nubia" التي كان لها علاقات تجارية مع القاهرة. وفي هذه المناطق كان العاج الذي لم يذكره ليو في أي مكان آخر يمثل سلعة تجارية مهمة.

وكان تقرير ليو عن السودان الغربي يمثل إسهاما قيما للمعرفة الجغرافية في عصره، ولكنه كان مشوها بخلط كبير. فقد كتب ليو عن النهر يقول:

"ينساب النيجر من بحيرة كبيرة جدا في صحراء سيو Seu في الشرق، وينساب غربا إلى المحيط؛ ويؤكد الكوزموجرافيون أنه فرع من النيل، وأنه ينساب تحت الأرض، ثم يظهر في شكل البحيرة المشار إليها. بينما يؤكد البعض الآخر أن هذا النهر ينبع من بعض الجبال في الغرب، وأنه يتدفق شرقا ويكون البحيرة. ومع ذلك، لم يكن الأمر كذلك لأننا أبحرنا فيه مع التيار من تومبكتو إلى غينيا ومالي التي تقع إلى الغرب من تمبكتو".(16)

وربما تقدم هذه الجملة الأخيرة الحل لغموض كيف وصل ليو إلى ارتكاب مثل هذا الخلط بإشارته إلى أن النيجر يتدفق نجو الغرب ، بينما الصحيح أنه يتدفق نحو الشرق. ففي تقريره عن السودان، الذي كان يأخذ شكل التسلسل الزمني لرحلته كما لاحظنا سلفا، وصف جيني ومالي قبل تمبكتو. والعبارة المقتبسة سلفا مأخوذة من فقرة تمهيدية في بداية عمله. وربما كان تذكره للداخل أقل وضوحا عما أصبح عليه لاحقا عندما كان يركز على وصفه للسودان. فإذا كانت الذاكرة خانته للحظة مما جعله يعتقد أنه زار جيني ومالي بعد تمبكتو، ولكنه لم يتذكر أبدا أنه أبحر في النيجر عكس التيار، فلا بد أنه كان سيحدد اتجاه مسار النهر غربا. وكذلك، فإن هذا يتفق مع آراء "الكوزموجرافيين" الرومان، الذين كانوا يحيطون به، وربما تأثر بهم، عندما كان يكتب عمله، والذين ربما كانوا يعتقدون أن السنغال والنيجر كان نهرا واحدا.

واستمر الكارتوجرافيون طوال ثلاثمائة سنة يحددون اتجاه مسار نهر النيجر غربا اعتمادا على عمل ليو فقط. ولم يتضح أنه كان مخطئا إلا عندما شرب منجو بارك Mungo Park في لحظة ابتهاج من مياهه في سيجو  Segu في 1796.

ومع ذلك تتمثل الأهمية القصوى لعمل ليو في أنه منذ بداية القرن السادس عشر حتى نهاية القرن الثامن عشر كان الجغرافيون يعتمدون كلية تقريبا على كتابه "تاريخ ووصف أفريقيا" في معرفتهم بداخل الجزء الغربي من القارة.

وباستثناء هذا الخلط الواضح بشأن مسار نهر النيجر، ليس هناك تعليق على عمل ليو يبدو أكثر ملاءمة من إشارته الخاصة اللطيفة إلى بليني Pliny: "لقد أخطأ قليلا في بعض الأمور البسيطة المتعلقة بأفريقيا: ولكن العيوب البسيطة يجب ألا تشوه إبداع عمله الجميل".