استعادة روسيا مكانة القطب الدولي

استعادة روسيا مكانة القطب الدولي

استعادة روسيا مكانة القطب الدولي

أزمة الفترة الانتقالية

تأليف: عاطف معتمد عبد الحميد

الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرو ن

الطبعة الأولى؛ 2009

أعد هذا العرض : ياسر سيد معوض

يتألف الكتاب من 140 صفحة، تضم تمهيدا وفصولا ثلاثة يضم الفصلان الأول والثاني أربعة مباحث لكل منهما، في حين يضم الثالث مبحثين فقط، هذا بالإضافة إلى الخاتمة وتسعة أشكال توضيحية.

الفصل الأول: زمن تجميع الحجارة.

المبحث الأول: الطريق إلى القطبية الدولية.

المبحث الثاني: الخلل الديموغرافي.

المبحث الثالث: ديمقراطية تتحسس المسدس.

المبحث الرابع: الهوية الروسية ومبدأ الكفاية.

الفصل الثاني: العودة إلى ساحة المعارك.

المبحث الأول: الحاجة إلى الإصلاح.

المبحث الثاني: تجارب في كل اتجاه.

المبحث الثالث: العودة لسوق السلاح.

المبحث الرابع: حرب بلا بارود.

الفصل الثالث: مناورات الحديقة الخلفية.

المبحث الأول: دوائر الأمن القومي.

المبحث الثاني: تداعيات على العالم العربي.

بدأ الكتاب بتمهيد تمت من خلاله الإشارة إلى قدر روسيا الجغرافي والتاريخي الذي جعلها مفتونة بالتوسع والتمدد، الأمر الذي يجعلها أقرب للمفهوم المكاني لا القومي، نظرًا لمساحتها الشاسعة وتنوعاتها الطبيعية والاقتصادية والبشرية، ويظهر ذلك من خلال رحلة قطار من شرق الدولة لغربها أو من شمالها لجنوبها. وعلى الرغم من التخرصات السياسية التي انهالت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي بظهور عالم متعدد الأقطاب تكاتف فيه دول مثل ألمانيا واليابان وفرنسا والصين والهند الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن ذلك لم يحدث، واستمرت روسيا الاتحادية في المواجهة، تستخدم أدواتها التي طالما استخدمتها على مدى قرون مثل المناورة واستغلال موقعها الجغرافي وترسانتها وصناعاتها الحربية وقدراتها العسكرية وتمكين نفسها في كثير من الصراعات العالمية.

الفصل الأول: زمن تجميع الحجارة.

وأتى عنوان هذا الفصل ليدل على مكوناته ومباحثه الساعية لدراسة الجغرافيا السياسية الداخلية لروسيا الاتحادية، مع إشارة إلى حالة الاستخفاف والاستهزاء بدولة روسيا لدرجة أصبحت مثارًا للتندر حتى في الأفلام الأمريكية كما في فيلم أرمجدون من خلال الإشارة لمحطة روسيا الفضائية المتهالكة.

المبحث الأول: "الطريق إلى القطبية الدولية"

شكل (1) النواة التي قامت حولها الإمبراطورية الروسية

وفيها تعرفنا على بداية دولة روسيا من مجرد اسم يطلق على مجموعة من القبائل الذين اشتهروا في القرن التاسع كقبائل تشرف على طرق التجارة، والذين مكنتهم جسارتهم من تأسيس قوة إقليمية في القرن الحادي عشر في شرق أوربا ومشارف جبال أورال مرورًا بتخوم البحر الأسود والقوقاز، وكان اعتناقها المسيحية على المذهب الأرثوذكسي، بتعميد فلاديمير حاكم "روسيا كييف" في بيزنطة عام 988م، وسيلة للتخلص من ذلك الضغط الواقع عليها من قبل القبائل الخزرية اليهودية في الشرق والدول الأوربية المسيحية الكاثوليكية في الغرب والخلافة العثمانية في الجنوب وبناء للهوية الروسية، وعلى مدى ثلاثة قرون استطاعت "روسيا كييف" أن تستلهم دستورها المفقود "مملكة الرب" كما استكشفت خريطتها النواة، كي تحقق نموها الإقليمي، وإن اختفت كدولة عام 1228 لمدة قرنين لعدم قدرتها على صد الغزو المغولي، لتعود مع إيفان العظيم في 1480 منطلقة من موسكو لتؤسس "روسيا الموسكوفية".

ويعد القرن السادس عشر هو القرن الذهبي بالنسبة لروسيا، فمع "ايفان العظيم وفاسيلي الثالث وإيفان الرهيب" حققت روسيا أكبر خريطة عرفتها في تاريخها، لتولد إمبراطورية آل رومانوف مع ميخائيل الأول عام 1613 وعلى مدى ثلاثة قرون اندفعت روسيا بقوة لتصبح واحدة من القوى العظمى، بمساحة قدرت ب23 مليون كم2، مشعلة الحروب لتحقيق أغراضها الجيوبوليتيكية، فمن أجل نافذة على الأطلسي أشعلت حرب البلطيق لتؤسس سان بطرسبرح، ومن أجل ميناء مفتوح طول العام على المحيط الهادي حاربت الصين في الغرب لتحصل على ميناء فلاديفاستوك، وكانت الحروب من أجل المياه الدافئة أشد شراسة فكانت حروبها مع الدولة العثمانية من أجل البحر الأسود وبحر قزوين. بل إنها عبرت المحيط الهادي عل يد المستكشف فيتوسبيرنج لتؤسس في غرب أمريكا الشماليةما عُرف لدى الروس باسم "أمريكا الروسية".

وبهزيمتها في الحرب العالمية الأولى وانزوائها لمدة خمسة أعوام (1917-1922) ولدت مرة أخرى روسيا ولكن هذه المرة بأيديولوجية مغايرة ممثلة في الماركسية والمذهب الشيوعي، الذي تمكنت من نشره في كثير من أقاليم العالم عبر أدوات سياسية واقتصادية، وتأكدت قوتها بشكل كبير مع الحرب العالمية الثانية بحضورها واعتبارها أحد مراكز القوة وصانعة النصر، وفي تلك المرحلة حتى عام 1991 كانت روسيا قوة عظمى في عالم ثنائي القطبية، لها كلمتها المسموعة في أرجاء العالم من خلال معوناتها الاقتصادية، وصادراتها العسكرية، وخبراتها الميدانية، بل كان لها تأثيرها في دول أوربا الغربية من خلال الأحزاب الشيوعية والاشتراكية، وفي عام 1991انهار الاتحاد السوفيتي مخلفًا وراءه خمسة عشر دولة، ممثلة في جمهوريات القوقاز الثلاث، وجمهوريات آسيا الوسطى الخمس، ودول البلطيق الثلاث، وبلاروسيا وأوكرانيا ومولدافيا بالإضافة إل جمهورية روسيا الاتحادية.وتسعى الآن روسيا الاتحادية لاسترداد مكانة روسيا التاريخية، باعتبارهالا زالت تمثل الحجر الأكبر بين أحجار الاتحاد السوفيتي السابق 17.1 مليون كم2، والوريث الحقيقي لقدراته وإمكانياتهالجغرافية والسياسية والاقتصادية والعسكرية.

المبحث الثاني: الخلل الديموغرافي

وفيه يشير المؤلف للأخطار الديموغرافية التي تتهدد روسيا، وعلى الرغم من أنها تأتي تاسعة من حيث السكان عالميًا، إلا أن ذلك لم يمنع القيادة السياسية من أن تعتبر تناقص السكان في روسيا أكبر الأخطار الذي يتهدد كيانها ومستقبلها، والأمر لا يقتصر على تراجع معدلات النمو السكاني بين الجماعة السكانية الرئيسية الممثلة في السلاف (بمعدل 4-7%) مقابل نمو الأقليات والإثنيات الأخرى من أصول قوقازية (بمعدل 13%)، بل امتدت الخطورة إلى سوء توزيع السكان على تلك المساحة الضخمة، حيث تعاني روسيا من تركز سكاني في القطاع الأوربي منها، في حين تعاني ندرة سكانية في سيبريا والشرق الأقصى منها، مما جعل البعض يطلق عليه الربع الخالي، وهو ما يمثل خطورة في ظل وجود نحو 130 مليون صيني يعيشون على الجانب الآخر من الحدود في مساحة 2مليون كم2 مقابل 6مليون كم2 في الجانب الروسي تكاد تكون خالية من السكان، مما ظهر معه خطر الهجرة الصينية الصامتة.

شكل (2) حجم التناقص السنوي في سكان روسيا 1996-2008

ومن جوانب الخطر السكاني أن روسيا أصبحت واحدة من أكبر مقاصد الهجرة بعد الولايات المتحدة الأمريكية، سواء الشرعية أو غير الشرعية، وهو ما انعكس على ظهور نزعات يمينية متطرفة ضد هؤلاء الأجانب والوافدين، وأصبح من العادي قتل أولئك المهاجرين على يد المنظمات الفاشية، وبتواطؤ من قبل المؤسسات الأمنية.ويقدر أن هناك نحو 15 مليون مهاجر في روسيا يمتازون بمهارات عمل عالية تغرق السوق الروسي. والخطر لا يقتصر على الهجرة الوافدة بل كذلك معدلات الهجرة الخارجية حيث فقدت روسيا ما بين عامي 1991-2009 نحو  سبعة ملايين روسي، وهو ما جعلها تستحق لقب "الأمة التي تتآكل" بل وتتعرض "للإبادة الجماعية" بإدمانها الفودكا وتراجع نوعي لسكانها جعل 86% من أطفالها مرضى.

لقد كان التوزيع السكاني أحد جوانب قوة روسيا الجيوسياسية في الماضي، الأمر الذي فقدته الآن، وبالتالي فهناك خطورة من أن تستغل القوميات غير الروسية هذا الخلل فتعيد تعزيز وجودها السكاني الذي فقدته على يد النظم السياسية السابقة، الأمر الذي يشي بحرب ديموغرافية تحذر منها الأحزاب القومية واليمينية ضد أصحاب البشرة السوداء القادمين من الجنوب من آسيا الوسطى والقوقاز.

المبحث الثالث: ديمقراطية تتحس المسدس.

وفي هذا المبحث تكاد تلمح أن الحديث ليس عن روسيا تلك الدولة التي كانت عظمى والتي تسعى لاسترداد مكانتها، والتي تعد دولة أوربية، بل إن الحديث عن دولة من دول العالم الثالث، حيث السلطة في قبضة الحكومة المركزية المهيمنة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وهناك يجلس على سدة الحكم رئيس لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، يمتاز بالحنكة والرؤية الثاقبة، وبرلمان (الكرملين) لا يمثل إلا السلطة الحاكمة، تهيمن عليه أربعة أحزاب، ويتم استبعاد الأحزاب المعارضة، يغير الدستور وفترات الرئاسة بحجج واهية لا تنطلي إلا على السذج من أبناء الوطن، بحجة أن أربع سنوات لا تكفي الرئيس لإتمام مشاريعه وإنجازاته في تلك الدولة الضخمة المساحة.استطاعت السلطة الحاكمة في روسيا أن تمرر وتبرر قبضتها وشموليتها من خلال سيطرتها على وسائل الإعلام وكبح جماح المعارضة عن طريق وسائل مختلفة كان الاغتيال أحد أركانها، ناهيك عن شراء الذمم والسماح للبعض بالمشاركة السياسية، بالإضافة إلى الاتهامات الرخيصة من قبيل العمالة للغرب والتجسس على الدولة من الداخل، وفي روسيا تم تخيير الشعب بين متلازمة الديمقراطية والفقرأم الشمولية والرخاء والرفاهية، فاختار الشعب الشمولية والسلطوية من أجل أن يعيش حياة كريمة، الأمر الذي يذكر بحقب حكم سابقة مثل فترة ستالين.

وفي ظل ديمقراطية روسيا تمكن الرئيس بوتين "عضو الكي جي بي" من أن يصبح رئيسًا للدولة لفترتين متتاليتين (2000-2008) ثم به يرفع رئيس وزراءه ميدفيديف رئيسا للدولة ليجري له تعديلات دستورية بأن يمد فترة الرئاسة من أربع إلى ست سنوات ليتولى بوتين الرئاسة مرة أخرى عام 2012 ليستمر كما هو متوقع حتى عام 2024. وعلى الرغم من الانتهاكات الديمقراطية فإن الغرب لا يكتفي إلا بالتقارير ولا يقدم بديلا، الأمر الذي عبر عنه البعض بأن بوتين وروسيا يدركون أن الحدود لا تطبق إلا على الضعفاء، وروسيا تمتلك ما يمكنها أن تلوي ذراع أوربا ويأتي النفط والغاز في مقدمة تلك الأدوات التي استخدمها بوتين بذكاء، الأمر الذي ظهر معه أنه رجل روسيا الوطني ونموذجها الجديد الذي خلصها من مشاكل الفقر والمعيشة المتدنية. لا يمكن إنكار أن بوتين وروسيا في الفترة من 2000 حتى الآن استطاعا تقديم نموذج مغاير لما كان متوقعا من تشرذم وتشتت وقوميات تنادي بحريتها واستقلالها، الأمر الذي جعل الشعب يوافق على كل ما اتخذ من قوة وعنف تجاه تلك القوميات من أجل الحفاظ على كيان الدولة.

قد يكون للميراث الطويل من الحكم القيصري والشيوعي، والتعددية الإثنية ومساحة الدولة الضخمة، وتوزع الثروات الطبيعية خاصة البترول والغاز وامتداد شبكة الأنابيب الهائلة، دور في تبرير هذا المسار الشمولي وتنحية الديمقراطية وتأكيد المركزية، ولكن تبقى روسيا رغم ذلك مزعزعة الأركان لا يمكنها أن تقدم نفسها كقطب دولي دون أن يكون الخيار الديمقراطي أحد أبرز مصوغاتها لنيل تلك المكانة.

المبحث الرابع: الهوية الروسية ومبدأ الكفاية.

وفيه يظهرالبون الشاسع في التعامل مع روسيا من قِبل الدول الغربية الديمقراطية، فالخطاب الذي تتعامل معه تلك الديمقرطيات مع شعوب العالم الثالث وأمريكا اللاتينية لا تعيره روسيا أية اهتمام حينما يوجه إليها، ويرجع ذلك إلى مبدأ الكفاية الروسي الذي تدعي فيه روسيا أنها مكتفية ذاتيًا وليست مضطرة لتطبيق النموذج الغربي وتجربته بشكل حرفي. كذلك فإن روسيا ترى في الغربيات الديمقراطية فضاءات وتنوعا وليس نموذجا أحاديا، فدول أوربا الشرقية لا تختلف كثيرًا في إطارها السياسي عن النموذج الروسي، كما أن الدول الديمقراطية حقًا في أوربا لا تخرج عن فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، وباقي الديمقرطيات كالدول الإسكندنافية لا وزن لها على الصعيد الجيوسياسي. كما أن روسيا تنظر إلى نفسها وإلى الدول الأوربية بصفتها صاحبة فضل عليهم حيث خلصتهم من النازية والفاشية وحررت عواصمهم، أما بالنسبة للولايات المتحدة فإن الخبرة المخابراتية الطويلة معها أثبتت لروسيا أنها ليست أكثر من مدعية وأن سجلها الديمقراطي لا يزيد عن كونها إمبريالية محترفة.

والأمر الأخطر من ذلك أن الديمقراطية والتعددية يرى الروس أنها لا تحقق طموحاتهم بل إنها تزيد من خطر التشرذم الذي ظهرت آثاره عقب الانهيار السوفيتي بأن سعت كل جمهورية إلى امتلاك مواردها والتعامل مباشرة مع الشركات العالمية كون ذلك أولى خطوات التحرر والاستقلال الذاتي، وظهر ذلك في أكثر من جمهورية أبرزها جمهورية سخا ياكوتيا في الشرق الأقصى الغنية بالماس للتعامل مع الشركات مباشرة كما سكت لنفسها عملة.

يبقى أمر آخر يعبر عن هوية روسيا وهو علاقتها بالدين ومكانة الكنيسة فيها، ومنذ تعميد فلاديمير فإن الكنسية كانت لها مكانتها وجلالها في الدولة، فيما عدا فترة الشيوعية، ومع انهيارها استردت الكنيسة جزء كبيرا من مكانتها وإن كان على مراحل، ولكن تبقى علاقتها بالسياسة بعيدة، تراوح مكانها بين داعين لأن تبقى محافظة على تلك المسافة الفاصلة بينها وبين السياسة، وبين من يدعون إلى أن ترسم لنفسها خطًا مستقبليًا يؤطر علاقتها السياسية.

ولكن رغم الاحترام والعلاقات الدورية بين الرئيس ورأس الكنيسة، إلا أن الدين في روسيا يقف موقفًا وسطًا بين وضعه في العالم الغربي وفصله تمامًا عن الحياة وبين وجوده بقوة وتأثيره في مسار الحياة والأحداث في الشرق. فلا زال الحجاب مسموحا به في روسيا وجمهورياتها على العكس من الغرب، وسبق أن عبر المسلمون في روسيا عن رفضهم للغزو الأمريكي للعراق، لكن هناك خطوطا حمراء لا يجب عبورها، فلما نادى المفتي تاج الدين عام 2003 بالجهاد تم عزله من منصبه. يبقى في النهاية هوية روسيا التي تبدو عصية على نداءات "نهاية التاريخ" و "انتصار النموذج الرأسمالي" وتكرس روسيا فكرة "روسيا المقدسة" وفي بعض الفترات تدعي أنها "شعب يحميه المسيح" و أنها "أمة اختارها الرب".

الفصل الثاني: العودة إلى ساحة المعارك.

بعد مقدمة صغيرة عن صيحة "الروس قادمون" التي اكتسبت صيتها بشكل خاص في القضاء على النازية في الحرب العالمية الثانية، وتبوؤ الجيش الروسي مكانة جيدة ومرموقة طوال فترة طويلة حتى سقطت على يد المجاهدين في أفغانستان وانسحابهم المرير عام 1989، مما انعكس على تراجع مكانة الجيش جراء خفض ميزانيته على يد ميخائيل جورباتشوف، الأمر الذي أدى لمحاولة انقلاب فاشلة عام 1991، لم تؤدي إلا إلى زيادة مأساة الجيش الروسي خاصة مع تفكك وانهيار الدولة، وهزيمته في حرب الشيشان الأولى، وإرغامه على تقليص قدراته النووية، ومشاهدته لتمدد حلف الناتو على أراضٍ كانت بمثابة خطوط حمراء من قبل، وانتظاره للمساعدات من قبل ألمانيا، بل وتفشي الرشى والسرقة والفساد في الجيش، والسعي لمحاولات القضاء على تلك المظاهر.

المبحث الأول: الحاجة إلى الإصلاح.

يبدأ المؤلف في هذا المبحث الإشارة إلى محاولاتروسيا لتعويض الفجوة بينها وبينالعالم الغربي في قدراته وإمكانياته العسكرية، حيث سعت روسيا بقوة إلى إصلاح قواتها العسكرية سواء من خلال تخفيض عدد الجيش من 3 مليون إلى نصف هذا الرقم، والدمج بين التجنيد الإجباري والاحتراف، ومحاولة تعويض الأسلحة القديمة بأخرى حديثة، وقد ظهرت بوادر هذا التحسن مع حرب الشيشان الثانية، ولكن حربها مع جورجيا جعلها ترى الفارق بين الجيشين وأن الجيش الجورجي بأسلحته الأمريكية والإسرائيلية حقق قفزة نوعية في إمكانياته وقدراته.

وبين رأي يرى أن هذا الإصلاح هو رد فعل على توغل الناتو في أوربا الشرقية والدرع الصاروخي بحجة تهديدات إيرانية انجرفت روسيا في سباق عسكري وصل إلى ادعاء قدرات نووية وصاروخية لم تشاهد من قبل، ورأي آخر يرى أن هذا الإصلاح ما هو إلا تعويض للفترة الزمنية الطويلة التي أدت إلى انكفاء لقدرات وإمكانيات روسيا العسكرية، الأمر الذي أدى إلى صدام بين المؤسسة السياسية والعسكرية خاصة وأن الإصلاح يعني مزيدا من إحالة الجنرالات والضباط إلى التقاعد، الأمر الذي ظهر بقوة في إقالة الرئيس ميدفيديف في عام 2009 لمدير المخابرات العسكرية لرفضه تلك العمليات، ورغم ذلك فإن روسيا مواصلة سعيها في الإصلاح برفع ميزانية برنامج التسليح من 25 مليار دولار إلى 150 مليار دولار. ورغم ذلك فإن أمر هذا التطوير مرتهن بمدخولات روسيا الدولارية من عوائد النفط والغاز.

المبحث الثاني: تجارب في كل اتجاه.

وفيه عبر المؤلف عن رغبة روسيا في استعادة مكانتها كقوة عظمى من خلال العديد من الميادين، يأتي ميدان المحيط القطبي بثرواته وإمكانياته النفطية واحدا منها في ظل صراع مع دول النرويج وكندا والولايات المتحدة وأيسلندا والدنمارك وعدم الاتفاق على تقاسم المنطقة الاقتصادية، وكان وصول البعثة الروسية إلى عمق المحيط القطبي وقطعها 4000كم وغرسها للعلم الروسي هناك، دليلا على سبق وإمكانيات علمية روسية، واعتبر إنجازا يضارع وصول الإنسان لسطح القمر.

وفي ميدان آخر حاولت روسيا تعويض فترة الاهتزاز التي على إثرها فقدت جزء كبيرا من رصيدها في مجال الفضاء، عادت روسيا بقوة من خلال مواظبتها على إطلاق مركبات الأبحاث إلى المحطة الدولية، بل إن سفن الشحن الروسية أضحت هي المستخدمة بشكل رئيس في نقل المؤن والمعدات لمحطة الفضاء الدولية، وفي عام2001 اخترعت روسيا مجالا فضائيا جديدا وهو السياحة الفضائية، والتي تحولت تدريجيا إلى أمر يتنافس فيه الأثرياء على مستوى العالم.

وفي ميدان آخر تعبر فيه عن قوتها العالمية خرجت قطعها البحرية لمقاومة القرصنة في مياه البحر العربي وخليج عدن، وألقت القبض على العديد من القراصنة مدعية أن الأموال التي يجنونها يساعدون بها المتمردين في حروب القوقاز، وبذلك وجدت لنفسها مبررا للتواجد في تلك المياه الدفيئة، بعد فترة انقطاع طويلة، كذلك قدمت لها سوريا مينائي طرسوس واللاذقية لينفتح أمامها مياه البحر المتوسط خروجًا من ضيق مياه البحر الأسود، وكان هناك تكهنات بأن يسمح لها بالتواجد البحري وقواعد عسكرية في اليمن وليبيا، ولكن ربما ترجئ الأحداث الملتهبة في تلك الدول في الوقت الحالي تلك التوجهات.

المبحث الثالث: العودة لسوق السلاح.

وفيه إشارة قوية لرغبة روسيا في تعويض ما فاتها من مدخولات ضخمة من خلال عوائد تصدير السلاح إلى كثير من مناطق الصراع، والمثير للضحك أن روسيا تعتمد على قدرات الولايات المتحدة التي تزكي الصراعات وتؤججها لتشارك هي في تصدير الأسلحة لتلك الأطراف المتنازعة، وتأتي آسيا والعالم العربي ودول أفريقيا وأمريكا اللاتينية على الترتيب كأسواق للسلاح الروسي، الذي وجد طريقه من خلال معارض الأسلحة التي يشارك فيها للتعبير عن قدراته وإمكانياته، خاصة أسلحة المعدات الجوية والدفاع الجوي، ويمثلان ثلاثة أرباع ما تقوم روسيا بتصديره، وتحتل روسيا المركز الثاني بعد الولايات المتحدة بحجم صادرات تقدر بنحو  7 إلى 9 مليار دولار، وهو وإن مثل نصف ما تصدر به صاحبة المركز الأول، فإن هناك إحصائيات تشير إلى تقدم مبيعات روسيا وتراجع مبيعات الولايات المتحدة.

المبحث الرابع: حرب بلا بارود.

شكل (3) أنابيب الغاز الروسية في القارة الأوربية

ونجح المؤلف في هذا المبحث في إظهار أهمية موارد روسيا الاقتصادية الممثلة في النفط والغاز، ومدى قدرة روسيا على استخدام تلك الموارد كورقة ضغط وسلاح قوي لصالح العودة الروسية إلى الأجواء العالمية، وتحقيقها من خلالهما مصدرًا ضخمًا للدخل. وتأتي روسيا ثاني دول العالم من حيث تصدير النفط بعد السعودية، أو أولى الدول خارج منظمة أوبك، كما أن بها أكبرمخزون للغاز في العالم،وقد استطاعت روسيا أن تلعب بعوز أوربا إلى مصادر طاقتها وتمكنتمن تحقيق هيمنة وتحكم في مستقبل أوربا الاقتصادي، الأمر الذي أعاد العديد من مصطلحات الحرب الباردة مثل "تركيع أوربا" و"حرب الهيمنة" و"حرب أنابيب الغاز"، ويرجع ذلك إلى أن روسيا تعد مصدرا لنحو 30% من احتياجات أوربا للطاقة.ومن المتوقع أن ترتفع تلك النسبة إلى 70% في عام 2030، وتتفاوت حاجة دول أوربا إلى مصادر الطاقة الروسية بين ألمانيا بنسبة 32%, بولندا بنسبة 65%، ودول شرق أوربا بنسب تتراوح بين 90-95%.

وقد حققت روسيا فتحًا علميًا من خلال عملية تسييل الغاز بتحويله عن طريق التبريد من الحالة الغازية إلى الحالة السائلة، والعمل على تصديره إلى دول شرق آسيا، وكذلك سعيها إلى بناء ما يعرف "بأوبك الغاز" مع كل من قطر وإيران، خاصة وأن ثلاثتهم يملكون 65% من احتياطي الغاز العالمي، كذلك تسعى روسيا إلى السيطرة على غاز دول وسط آسيا من خلال التحكم في تصدير غاز ونفط تلك الدول عبر شبكة الأنابيب الروسية التي تصل إلى أوربا، الأمر الذي تمكنت من خلاله من أن تتحكم في المشاريع الأوربية بمشاركة تركيا الساعية إلى تقليص الضغط والتحكم الروسي في مصادر الطاقة، من خلال تنويع أوربا لمورديها من الغاز والنفط من خلال إيصال بترول وغاز بحر قزوين عبر شبكة أنابيب عابرة لتركيا. الأمر الذي جعل أوربا لا زالت تحت هيمنة روسية، خاصة وأن حرب روسيا في جورجيا استخدمتها كوسيلة لإيصال رسالة بأن مشروع أنابيب "نابوكو" غير آمن، الأمر الذي جعل أوربا تفضل التعامل مع روسيا الأرثوذكسية ذات التاريخ القيصري على أن تتعامل مع تركيا المتأرجحة بين الإسلامية والعلمانية.

ومن نافلة القول أن الدول ذات القدرات العسكرية والتاريخ السياسي الحاضر بقوة في المشهد العالمي يمكنها أن تستغل ثرواتها ومواردها بكفاءة كي تعيد بناء قدراتها كدولة لها إرادة سياسية واقتصادية، والتاريخ العربي ليس بعيدا عن ذلك، فحينما كان العرب لديهم بعض من الإرادة السياسية تمكنوا من استغلال بترولهم كورقة ضغط ضد الدول المساندة لإسرائيل في سبعينيات القرن الماضي، أما الآن فإن روسيا هي التي تلعب بتلك الورقة في الفضاء الجيوسياسي العالمي، وتسعي روسيا إلى تفويت فرص تحكم أوكرانيا وبيلاروسيا في شبكة أنابيب الطاقة العابرة لأراضيها، من خلال بناء خط أنابيب تيار الشمال وتيار الجنوب (تم تدشين الخط الأول في نوفمبر 2011، في حين تم إلغاء الخط الثاني عام 2014 من قبل روسيا بسبب حرب القرم والأزمة الأوكرانية والعقوبات الاقتصادية التي فرضها الاتحاد الأوربي على روسيا واستبدل بأنبوب يصل بالغاز لتركيا).

لا شك أن روسيا قد حولت مصادر طاقتها إلى أكثر من سلعة تحتاج إليها أوربا، وعلى الرغم من سعي أوربا لتنويع مصادرها سواء بالاعتماد على الغاز القطري والإيراني أو غاز دول شمال أفريقيا، فلا زالت روسيا تمتلك الاحتياطي الأكبر والآمن الذي يحقق لأوربا الاستثمار الآمن في مشاريعها الاقتصادية والصناعية، ناهيك عن القرب والجوار الجغرافي الذي يمكن نقل غاز وبترول روسيا بصورة أسرع مما عليه المصادر الأخرى، الأمر الذي يجعل أمد الحرب بين الطرفين طويلة وقائمة، كما هو مشاهد حاليًا من عقوبات اقتصادية على روسيا بسبب أزمة أوكرانيا الأمر الذي ردت عليه روسيا بإلغاء مشروع أنابيب التيار الجنوبي.

ولقراءة باقي عرض الكتاب يمكنكم تحميل العرض كاملا بصيغة PDF