أعالي البحار ...من رابطة الجغرافيين الفرنسيين

أعالي البحار ...من رابطة الجغرافيين الفرنسيين

أعالي البحار ...من رابطة الجغرافيين الفرنسيين
Bulletin de l’Association de Geographes Français

العدد: ديسمبر 2013
إعداد: عاطف معتمد

 

تعد دورية "رابطة الجغرافيين الفرنسيين" دورية ذات طابع جغرافي مميز لتناولها موضوعات على قدر ملموس من الأهمية الثقافية والعلمية في آن. ويضم العدد الذي نعرض له هذه المرة (ديسمبر 2013) قضية أعالى البحار La Hute Mer  وأفردت له المجلة ما يزيد عن عشرة دراسات كتبت بأقلام خبراء في شؤون البحار والمحيطات في جامعات فرنسية مختلفة. وقد تصدرت العدد أقلام المشاركين من نانت Nantes الميناء الشهير على المحيط الأطلنطي وصاحب الصلات الإمبريالية بموانئ الشرق في أفريقيا وآسيا.

وقد تم اختيار المشاركين بعناية بما يتفق مع اللون الرئيس للعدد، حيث كان من بين المشاركين: أستاذ متفرغ في كلية الحقوق البحرية والمحيطية؛ وأدميرال الأسطول البحري لميناء نانت؛ ومدير المعهد  العالي للاقتصاد البحري في ميناء سانيزير(*) Saint-Nazaire؛ وأساتذة متفرغون في الجغرافيا بجامعات ذات واجهات بحرية مثل جامعة آفر Havre في شمال غرب فرنسا، وأميان Amiens في شمال فرنسا، فضلا عن جامعة باريس الرابعة - السوربون. كما شارك باحثون من مراكز علمية ناطقة بالفرنسية من خارج فرنسا، مثل جامعة لوفان Louvain في بلجيكا ومركز العلوم الإنسانية في نيودلهي.

وقد تنوعت الموضوعات في هذا العدد وكان من بينها:

أولا: دراسة الأوضاع القانونية للتنافس الاقتصادي بين الدول الساحلية المتنازعة على حقوق السيطرة على الموارد المحيطية فيما وراء نطاق الرصيف القاري وهي المنطقة التي لا توجد فيها حدود بين الدول ويحكمها فقط قانون "قوة العلم الذي ترفعه السفينة". وقد كان التطبيق البحثي هنا على حماية المصالح الفرنسية في المياه المفتوحة ودور المؤسسات الفرنسية الرسمية في تحقيق ذلك.

ثانيا: التغيرات التقنية في أحجام وقدرات السفن المحيطية في خضم تغيرات التدفق التجاري المعولم، أخذا في الاعتبار أن التجارة المحيطية معروفة منذ قرون، لكن الطفرة الكبيرة في حجم السفن والإمكانات وأوزان الحمولات يعود عمرها فقط إلى بضع عقود. وإلى ما سبق يضاف إشكالية وجود تناقض بين الإمكانات الهائلة للنقل في المحيط المفتوح بينما لا تزال الموانئ والمرافئ ومحطات الربط التجاري البحري محدودة مقارنة بإمكانات النقل البحري الهائل غير المستغل إلى الآن.

ثالثا: الفرص والعوائق أمام إمكانات النقل البحري السياحي سواء في الرحلات السياحية القريبة من السواحل القارية أو المخترقة لأعالي البحار. ولا يغطي هذا الموضوع بانوراما شاملة لخطوط سير رحلات النقل السياحي عبر العالم بل يلقي الضوء على مسارات بعينها وبصفة خاصة على خطوط النقل البحري بين فرنسا والنرويج في النطاق العابر للأطلنطي الشمالي. كما يركز هذا الموضوع على ما يعرف باسم اللاندسكيب البحري paysage marins وهو المعنى المتضمن بشكل غير مفصل في المصطلح العمومي "اللاندسكيب" ومن ثم يتم هنا تناول ولادة مصطلح جديد هو "سي سكيب Seascape" أو مشهد البحر. ومن المصطلح الأخير يتولد مصطلح جديد هو "بورسكيب أو مشهد الميناء Portscapes . وجاء الاهتمام بهذه المفاهيم الجغرافية للتاكيد على الإمكانات الواعدة للسياحة بغرض الاستمتاع بالمشهد البحري في معالم جغرافية فريدة (أعطيت أمثلة من المحيط الأطلنطي بشكل أساسي).

رابعا: التدابير التي تعتزم روسيا اتخاذها استجابة للتغيرات المناخية في مناطق أطراف القطب الشمالي. فقد أدت التغيرات المناخية المتمثلة في ارتفاع الحرارة إلى زيادة كمية ذوبان الجليد الطافي recul de la banquise ومن ثم فتح ممرات جديدة للنقل البحري كانت مسدودة من قبل، وهو ما سيفتح أبوابا جديدة لروسيا في مجال النقل والتجارة بمحاذاة ساحل القطب الشمالي وتفعيل حركة النقل والتجارة الداخلية والدولية، سيما وأن هذه المنطقة تضم موارد وإمكانات واعدة في خامات النفط والغاز الطبيعي. وفي هذا الصدد يشار إلى أن مقاطعات الأطراف (المعروفة في اللغة الروسية باسم "أكروج Okrug " بمعنى أنها "تحيط" بالقطب الشمالي) تسهم بقدر كبير في إنتاج روسيا من الغاز الطبيعي والنفط. فعلى سبيل المثال بلغ إنتاج إقليم يمالو – نينيتس yamalo-Nenets  (في الشمال الأوسط من البلاد) ما يزيد عن 540 بليون متر مكعب من الغاز (83 % من إجمالي إنتاج روسيا) ونحو 25 مليون طن بترول (7 % من إجمالي إنتاج روسيا). وإضافة إلى الخامات الهيدروكربونية، تضم مناطق الأقاليم القطبية خامات ومعادن ذات أهمية اقتصادية لروسيا. حيث تضم هذه المناطق أكثر من 92% من مخزون روسيا من خامات الأبتايت Apatite ، و85 % من النيكل و 60% من النحاس.

خامسا: الكشف المتزايد عن أفاق جديدة لمصادر الطاقة الحفرية في مناطق أعالي البحار، وبصفة خاصة في النطاق الاقتصادي الحصري الممنوح للدول الساحلية والذي يمكنها فيه التنقيب الاقتصادي دون منافسة خارجية في حدود 200 إلى 350 ميل بحري من خط الساحل. وفي هذا العدد أيضا ثمة معالجة قريبة تتعلق بمصائد الأسماك في أعالي البحار ودراسة إسهامها الضعيف (أقل من 10 %) في الإنتاج السمكي العالمي بسبب خصائصها البيولوجية الفقيرة. وتتركز مصائد الأسماك في المياه العميقة في النطاقات ذات العائد المربح، خاصة في أسماك التونة التي تواجه حالة من شبه النضوب الآن بسبب الصيد الجائر. وتتمتع مصائد أعالي البحار بأنواع ذات قيمة غذائية من الرخويات Céphalopodes فضلا عن أسماك الأعماق الكبيرة (200 إلى 700 متر تحت سطح البحر) والتي سيشهد المستقبل تطويرا كبيرا في مصائدها لتستخدم في تغذية الأسماك وليس كطعام مباشر للإنسان.

كما يضم العدد موضوعات أخرى مثل التنوع في الجغرافيا الأحيائية لأعالي البحار وخاصة طيور البحر avifauna التي تعيش في وسط المحيط ولا تصل البر الساحلي سوى لفترات الراحة، وأشهرها طيور البتروس والنوء Petrels وشيروتر Shearwater والبطريق والأطيش Gannets. ويختتم ملف العدد بتناول القيم والأفكار والمفاهيم التي حملتها الأبعاد الأسطورية لأعالي البحار خلال عمليات القرصنة والكشف الجغرافي والذي تناولته المصادر الأدبية وصار حديثا مادة لأنتاج أعمال سينمائية وأفلام وثائقية.

 

(*)  يعتبر ميناء سانيزير هو الواجهة البحرية الأطلنطية المباشرة لمدينة نانت، ويمتد المصب الخليجي لنهر نانت بين المدينتين عبر 55 كم.