الدولة في عالم بلا حدود (دراسة في الجغرافيا السياسية)

الدولة في عالم بلا حدود (دراسة في الجغرافيا السياسية)

الدولة في عالم بلا حدود (دراسة في الجغرافيا السياسية)

إعداد:أ.د. محمود توفيق محمود

(أستاذ الجغرافيا السياسية - كلية الآداب - جامعة الزقازيق)

سنة النشر:2011م

الناشر:مكتبة الأنجلو المصرية

رقم الإيداع 8098

أعد هذا العرض: شيماء محمد عبد الحق

معيد بقسم الجغرافيا - كلية الدراسات الإنسانية - جامعة الأزهر

التعريف بالكتاب ومضمونه:

     يقع الكتاب في 339 صفحة، ويضم 48 شكلاً وخريطة، وعشر جداول، وقائمة مصادر ومراجع باللغتين العربية والإنجليزية.

ينقسم الكتاب إلى بابين:

الباب الأول: أسس الجغرافيا السياسية

الفصل الأول: نشأة الجغرافيا السياسية

الفصل الثاني: مفهوم الجغرافيا السياسيةومجالها

الفصل الثالث: إشكالية الجيوبولتيكا والجغرافيا السياسية

الفصل الرابع: المداخل الفكرية في الجغرافيا السياسية

الباب الثاني: الدولة كظاهرة إقليمية

الفصل الأول: الموقع والعلاقات المكانية

الفصل الثاني: الحدود والسيادة الإقليمية

الفصل الثالث: المساحة والوزن السياسي

الفصل الرابع: الشكل والتماسك السياسي

الفصل الخامس: الشعب والقدرة البشرية

الفصل السادس: الموارد والقدرة الإقتصادية

يتناول هذا الكتاب " الدولة " بمفهومها المحدد داخل " العالم" بمفهومه العولمي ليدرس المؤلف في هذا الكتاب " المحدود داخل اللاحدود" ، حيث قسّم المؤلف كتابه إلى قسمين، جاء الباب الأول بعنوان: أسس الجغرافيا السياسية والثاني بعنوان: الدولة كظاهرة إقليمية.

     يتناول الباب الأول من الكتاب أسس الجغرافيا السياسية والتي تشكل في مجملها الوعي الجغرافي بماهية الدولة التي يتحدث عنها الكتاب وتُمهِد أيضاً لوضع الدولة في إطارها الإقليمي.

     حيث جاء الفصل الأول بعنوان: نشأة الجغرافيا السياسية، وناقش هذا الفصل نشأة هذا الفرع كفرع جغرافي مستقل عن الجغرافيا البشرية والدور الذي قام به الجغرافي الألماني فريدرش راتسل - الذي عاش في الفترة ما بين 1844 وحتى 1904م - والذي ألّف أول كتاب يحمل عنوان "الجغرافيا السياسية "، ومن هنا يأخذنا الكتاب إلى الجدل حول حداثة علم الجغرافيا السياسية والفكر الجغرافي السياسي من قِدَمه، ليدرس نشأة الجغرافيا السياسية عبر مرحلتين هما المعرفة الفلسفية والمعرفة العلمية، حيث تبلورت المرحلة الأولى في كتابات الفلاسفة الذين طرحوا العديد من الأفكار التي تُعد في عصرنا هذا من صميم موضوع الجغرافيا السياسية، وطرح الكتاب أمثلة كثيرة لذلك منها ما كتبه الفيلسوف اليوناني أرسطو (383-322ق.م) عن الحجم الأمثل لسكان الدولة ومساحتها، والاعتبارات الإستراتيجية والاقتصادية المتعلقة بموقع العاصمة وتركيبها، كما أشار الجغرافي والمؤرخ اليوناني سترابو (63ق.م-24م) إلى أن بقاء الدول كبيرة الحجم (المساحة) مرهون بوجود حكومة مركزية قوية يقف على رأسها حاكم وحيد، كما تناول المفكر العربي عبد الرحمن بن خلدون في مقدمته الشهيرة مسألة انقسام الممالك الصحراوية العربية إلى بداوة وحضر ووضع ذلك في إطار أطوار نمو الدولة وانتقالها من طور المُلك وصولاً إلى طور الترف واللهو، كما تطَرق لفكرة العلاقة بين البداوة والحضرية والانتماء أو الولاء، كما طرح الفيلسوف الفرنسي الشهير مونتسكيو ( 1689-1755م) العديد من أفكار الجغرافيا السياسية التي تستحق الوقوف عندها، مثلاً قوله بأن المناخ الحار يساعد على تفشي الاستبداد والعبودية في حين أن المناخ الأكثر برودة يساعد على سيادة الديمقراطية والحرية، وربط بين آرائه وبين الواقع في أوروبا التي تنعم بالحرية بفضل مناخها المعتدل البارد، في حين تعاني شعوب آسيا من الإستبداد نظراً لوقوع معظمها في نطاق العروض المتطرفة.ثم عرض الكتاب المرحلة الثانية لنشأة الجغرافيا السياسية وهي المرحلة العلمية والتي تَعْتبر كتاب راتسل الذي صدر عام 1897م في الجغرافيا السياسية هو البداية العلمية الحقيقية لهذا الفرع من الجغرافيا، حيث نشر راتسل أفكاره المرتبطة بالدولة الحيوية وتشبيهه للدولة بالكائن الحي والذي يمكن أن يفسره تأثره بأستاذه دارون، فقد روّج راتسل تلك الأفكار التي جعلت بقاء الدولة مرهونا بقدرتها على النمو والتوسع، ويُعقب الكاتب بأنه وعلى الرغم من الانتقادات البالغة التي وجهت إلى راتسل بسبب فكرة الدولة العضوية والمجال الحيوي إلا أن لا أحد باستطاعته إنكار الدور الذي قام به هذا الرجل في توجيه مسيرة هذا العلم ووضع أساسه النظري.

     وفي الفصل الثاني يتناول الكتاب مفهوم الجغرافيا السياسية ومجالها، وهنا يربط الكتاب بين نشأة العلم الأم "الجغرافيا" وبين نشأة هذا الفرع، ليوضح نقطتين أساسيتين هما: نشأة الجغرافيا السياسية بلا تعريف ونشأتها أيضاً كعلم هجين، وهي نفس الظروف التي نشأت فيها الأم ونتج عنها تعدد تعريفاتها، حيث يذكر الكتاب أن أول كتاب في الجغرافيا السياسية لراتسل جاء خالياً من تعريف الجغرافيا السياسية تعريفاً محدداً، كما يُصنف علم الجغرافيا السياسية ضمن العلوم الهجينة، فهو هجين بين الجغرافيا والسياسة، وإذا كانت الجغرافيا السياسية نتاجا للجغرافيا التي جاءت من تداخل علوم المساحة والميترولوجيا والتاريخ والجيولوجيا والنبات والحيوان والاقتصاد، وهي نتاج أيضاً لعلم السياسة الذي نشأ من تداخل الفلسفة والتاريخ والاقتصاد والقانون والأنثروبولوجيا، فإن كلا أبويها هجين وبالتالي كان طبيعياً أن تنشأ الجغرافيا السياسية كعلم هجين. ويمكن الجزم بأن إشكالية تعريف الجغرافيا السياسية تعود إلى إشكالية تعريف أبويها، فإذا كانت الجغرافيا متعددة التعريفات نظراً للتعقيد الذي تتسم به الظاهرة الجغرافية فإن الظاهرة السياسية وتحديد موضوعها لا يقل تعقيداً عن ذلك.

     أما مجالات الجغرافيا السياسية فمتعددة نظراً لتعدد تعريفاتها، فهي علم يدرس سياسة القوة، ويدرس المساحات السياسية والسياسة العامة وأيضاً سياسة النظام العالمي الجديد، ويعالج علم الجغرافيا السياسية هذه المجالات الأربعة، حيث يركز مجال سياسة القوة على الأبعاد الجغرافية لصراع القوى المتنافسة، بينما يدرس اتجاه المساحات السياسية واتجاه السياسة العامة الدولة كوحدة إقليمية والعملية السياسية التي تتم داخل هذه الوحدة. أما المجال أو الاتجاه الرابع فهو يدرس النظام العالمي الذي يقوم على الهيمنة الرأسمالية. ومن ثمّ تبنى الكتاب تعريف الجغرافيا السياسية بأنها دراسة المحددات الجغرافية لأداء النظام السياسي أوالفعل السياسي.

     وفي الفصل الثالث يُحلل الكتاب إشكالية الجيوبولتيكا والجغرافيا السياسية، وما ألحقته الجيوبولتيكا بالجغرافيا من عار، خاصة مع اتهامها بأنها سبب اندلاع حرب عالمية ، ولا شك أن هذا الخلط بين الجغرافيا السياسية والجيوبولتيكا مسئولية راتسل، سواء لعدم صياغة تعريف محدد للجغرافيا السياسية أو لانسياقه وراء أفكار دارون الخاصة بعلم الأحياء، ويخلُص الكتاب إلى أن الفرق بين الجغرافيا السياسية والجيوبولتيكا هو أن الأولى فرع من علم الجغرافيا بينما الثانية مجرد نظرية أو اتجاه فكري، وثمة فارق كبير بين العلم والنظرية.

     أما الفصل الرابع والذي يختتم به الكاتب أسس علم الجغرافيا السياسية فهو المداخل الفكرية في الجغرافيا السياسية، ويعرض من خلاله إشكالية الترجمة للمصطلح الأجنبي وما يقابله في اللغة العربية، والخلط بين مصطلح method واستخدامه كمرادف لكلمة approach، حيث يشير إلى أن الأولى هي المنهج أما الثانية فهي المدخل الفكري للدراسة، وبذلك يحصر الكتاب مناهج البحث العلمي في ثلاثة هي: المنهج الوثائقي والمنهج الوصفي والمنهج التجريبي، أما المدخل الفكري فهو إطار فكري لمعالجة موضوع الدراسة، وعلى ذلك حدد الكتاب ستة مداخل فكرية للدراسة في الجغرافيا السياسية وهي: مدخل تحليل القوة والمدخل الجغرافي التاريخي والمدخل المورفولوجي والمدخل الوظيفي والمدخل السلوكي والمدخل النُظُمي. وأوضح الكتاب مجالات استخدام كل مدخل فكري من هذه المداخل، ففيما يخص مدخل تحليل القوة فهو يتعامل مع العامل الجغرافي باعتباره أحد مصادر القوة في العلاقات الدولية، فعلى سبيل المثال مدى صلاحية أراضي الدولة للإنتاج الزراعي يُعد من العوامل الجغرافية لقوة الدولة، أما المدخل الجغرافي التاريخي فهو يعتبر ماضي الدولة وسيلة لتحليل وفهم مشكلاتها في الحاضر، بينما يعتمد المدخل المورفولوجي على وصف بنية وشكل الدولة، سواء من حيث هيئتها الخارجية كالحدود وشكل الدولة الخارجي أو تركيبها الداخلي كمنطقة النواة والعاصمة والأقسام الإدارية للدولة، أما المدخل الوظيفي فهو يعتمد على دراسة الأداء الوظيفي للوحدات السياسية، ويأتي المدخل السلوكي انعكاساً للنظرية السلوكية التي شاع استخدامها في مجال العلوم الاجتماعية خلال الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، والتي تفسر سلوك الأفراد والمجتمعات في إطار كل ما يحيط بالإنسان من بيئات طبيعية ومجتمعات بشرية ونظم اجتماعية وعلاقات شخصية، ويعتمد هذا المدخل على فكرة دراسة المساحة الجغرافية كعامل مؤثر يدفع الإنسان إلى اتخاذ سلوك سياسي معين، وأخيراً المدخل النظمي والذي يستمد فكرته من المراحل الثلاثة لأي نظام وهي: المدخلات والعمليات والمخرجات، حيث يتناول هذا المدخل خطوات وعناصر التفاعل القائم بين العملية السياسية والحيز الجغرافي للوصول في النهاية إلى صنع القرار السياسي.

     وبذلك يختتم الكتاب الباب الأول الذي عرض من خلاله أسس هذا العلم، لينتقل إلى الباب الثاني بعد أن مهّد لفكرة الدولة الإقليمية من خلال الباب الأول، ليبدأ الكتاب في عرض عناصر الدولة المختلفة كالموقع والحدود والمساحة والشكل والشعب والموارد الاقتصادية، ليُبرز بطريقة تفصيلية تحليلية أن أركان الدولة وأساسها جغرافي ، وأن معطيات الجغرافيا الطبيعية والبشرية والإقتصادية قد شكّلوا معاً عوامل متضافرة لإحياء أو احتضان فكرة الدولة (الأرض).

     وجاء الباب الثاني من الكتاب بعنوان الدولة كظاهرة إقليمية مقسماً إلى ستة فصول، تناول الأول منها الموقع والعلاقات المكانية، لينتقل بنا الكاتب في هذا الفصل من الثابت إلى المتغير، حيث يعرض الموقع كعامل جغرافي ثابت في الدولة من خلال محورين هما: الموقع بالنسبة لدوائر العرض وخطوط الطول، والموقع بالنسبة لكتل اليابس والمسطحات المائية، ثم ينتقل إلى دراسة الموقع كعنصر متغير في جغرافية الدولة من خلال العلاقات المكانية، حيث يدرس الموقع المجاور والموقع الاستراتيجي، ويوضح الكتاب هذه المفاهيم من خلال اعتماده على طريقة دراسة الحالة، فيعرض نماذج للجيوب السياسية المكتنفة، ومن أبرز نماذجها مملكة ليسوتو وجمهورية سوازي لاند الواقعتان داخل أراضي جنوب إفريقيا، والجيوب السياسية المقتطعة ومن نماذجها مقاطعة كابندا التابعة لجمهورية أنجولا والواقعة داخل أراضي جمهورية زائير، وهذه النماذج بالتأكيد تمثل عامل ضعف في موقع الدولة سواء في حالة الدولة المكتنفة داخل دولة أخرى وكأنها حبيسة داخل أراضيها أو في حالة الجزء المقتطع من دولة ومكتنف لأراضي دولة أخرى. أما الموقع الإستراتيجي فهو ذلك الموقع الذي يُعطي ميزة عسكرية أو سياسية للدولة، وأعطى الكتاب أمثلة عديدة للموقع الإستراتيجي تمثلت في القنوات المائية مثل قناة السويس التي تربط البحرين المتوسط والأحمر، وقناة بنما التي تصل المحيط الأطلنطي بالمحيط الهادي، والمضايق البحرية مثل مضيق تيران، ويقع عند مدخل خليج العقبة والذي يمثل الذراع الشمالي الشرقي للبحر الأحمر، وهو يعد أحد المواقع الاستراتيجية المهمة والتي تسببت في النزاع حول حقوق المرور في مياه المضيق بين كل من مصر وإسرائيل.

     وينتقل الكتاب في الفصل الثاني إلى موضوع الحدود والسيادة الإقليمية، حيث يتناول مفهوم التخوم والحدود والفرق بينهما من حيث أن مفهوم التخوم كان شائعاً في الماضي وهي عبارة عن مناطق Zones تفصل بين نطاقين من المعمور، وقد ارتبط بالمساحات الواسعة من الأحراش والمستنقعات والغابات والصحاري غير المأهولة سكانياً، أما الحدود فهي خطوط Linesتعين الحد الخارجي لإقليم الدولة، ومن مفهوم الحدود والتخوم إلى معايير تعيين الحدود السياسية والتي تباينت ما بين المعيار الإستراتيجي والذي يعتمد على أن تتمشى الحدود مع الحواجز والموانع الطبيعية كالجبال والأنهار والبحيرات،وتشيع هذه الحدود في أوروبا، والمعيار الإثني والذي يستند إلى الفصل بين الشعوب ذات الخصائص اللغوية أو الدينية أو العرقية المتباينة، وذلك كتقسيم شبه القارة الهندية عام 1947م إلى دولة الهند ودولة باكستان وكان أساس التقسيم دينيا. وهناك المعيار الإقتصادي والذي ارتبط بضم مناطق على أطراف الدولة تكفل لها الإكتفاء الذاتي من الموارد الطبيعية بشكل يحقق مزايا اقتصادية للدولة ، وهناك العديد من الأمثلة لهذا المعيار، كالمنطقة المحايدة بين الكويت والسعودية، حيث منحت اتفاقية العجير عام 1922م حقوقاً متساوية للدولتين في استغلال ثروات المنطقة من البترول. ولكن في عام 1965م توصلت الدولتان إلى اتفاق تم بمقتضاه إنهاء وضع السيادة المشتركة على هذه المنطقة وتقسيمها إلى قسمين يضم كل منهما إلى إحدى الدولتين مع الإبقاء على الاستغلال المشترك للثروة المعدنية الموجودة في المنطقة بما في ذلك رصيفها البحري. أما المعيار الرابع والأخير فهو ما أطلق عليه الكتاب إسم " معيار البطش والقهر"، وهو المعيار الذي ظهر جلياً في تقسيم حدود القارة الأفريقية، والتي تبدو كأنها حدود اعتباطية وضعتها دول أوروبا الإستعمارية في وقت سيطر فيه الجهل والضعف على القارة الأفريقية، فهي حدود لم تقم على أساس استراتيجي أو إثنوجرافي أو اقتصادي، وإنما قامت على أسس التمزيق والتفريق والقهر.

     ويتناول الكتاب بعد ذلك عملية إنشاء الحدود السياسية بين الدول، والتي تتم من خلال أربع مراحل، أولها مرحلة التخصيص وتشمل تخصيص منطقة ليمر خلالها الحد السياسي وتعريفها في الوثائق والمعاهدات السياسية، وثانيها مرحلة التحديد وتشمل التحديد الدقيق لمسار الحد السياسي، وذلك على خرائط تفصيلية ملحقة بالوثائق والمعاهدات السياسية، وتعد هذه المرحلة مهمة للغاية في تقليل فرص النزاع بين الدول حول الحدود السياسية فيما بعد، أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة التعليم وتشمل وضع خط الحدود على الطبيعة (الأرض) وتعليمه بشواهد مادية ملموسة، كالأسلاك الشائكة والأعمدة والأسوار والخنادق واللافتات، وعلى الرغم من أهمية هذه المرحلة إلا أن أغلب الدول لا تلجأ إليها إلا في حالات الضرورة القصوى، نظراً لارتفاع تكاليف تنفيذها، وتأتي المرحلة الأخيرة من مراحل إنشاء الحدود السياسية وهي مرحلة الإدارة، لتشمل الإجراءات التي تتخذها الدول المعنية للسماح للحد السياسي بالقيام بوظائفه المختلفة التي أقيم من أجلها في الأساس، مثل صيانة علامات الحدود وتسوية مشكلات السكان العابرين للحدود ووضع القوات المسلحة في منطقة الحدود واستغلال الثروات الطبيعية والاهتمام بكل مايتعلق بإدارة وتأمين الممتلكات  والمنشآت الواقعة في منطقة الحدود.

     ثم ينتقل الكتاب إلى موضوع غاية في الأهمية وهو وظائف الحدود السياسية، ليقسمها إلى وظيفتين أساسيتين وهما وظيفة الفصل ووظيفة الوصل، حيث يوضح أنه وعلى الرغم من نشأة الحدود السياسية اعتماداً على فكرة الفصل والمنع والحجز إلا أن هناك وظيفة أخرى قد تبدو عكسية تماماً ألا وهي الوصل والاتصال والتبادل، فإذا كانت الحدود السياسية نشأت في الأصل بغرض الفصل بين الأقاليم السيادية للدول المختلفة، مما جعلها تظهر في صورة حواجز وموانع تقوم بحماية النظام السياسي والإقتصادي والاجتماعي للدولة، من خلال الحواجز الجمركية لحماية الأموال والبضائع الوطنية من الاستغلال أو المنافسة غير الاقتصادية ونقاط الحجر الصحي لحماية الوطن من الأمراض والأوبئة التي قد يحملها الأفراد القادمون من خارج البلاد، إلا أن الحدود كانت أيضاً وسيلة تنظيم لحركة وانتقال الأفراد والبضائع عبر الدول، ومع ظهور فكرة العولمة والتطور الهائل في تكنولوجيا الاتصالات، فقدت الحدود السياسية كثيراً من قدرتها على حماية خصوصية الوعي الوطني للشعوب في مقابل الوعي الكوني الكاسح، والذي يحمل معه قيما إنسانية عامة.

     وينتهي موضوع الحدود السياسية بتصنيف الحدود وفقاً لثلاثة معايير أساسية هي المعيار الزمني والمعيار القانوني والمعيار الجغرافي، ويمكن تصنيف الحدود وفقاً للمعيار الزمني إلى حدود سابقة وحدود تالية، بمعنى أن الحدود التي نشأت قبل اكتمال المعالم الحضارية للإقليم وقبل تعميره هي حدود سابقة، كتلك التي أقامها الإستعمار في مناطق الصحاري العربية الحارة التي كانت تسكنها أعداد قليلة من البدو ، أما الحدود التالية فهي تلك الحدود التي نشأت بعد تعمير الإقليم واكتمال مظهره الحضاري، كالحدود التي قامت بين الهند وباكستان وبين إريتريا وأثيوبيا، فإما أن يكون زمن نشأة الحدود تالياً للإقليم الحضاري أو أن نشأتها سابقة له. أما المعيار القانوني فهو يصنف الحدود إلى حدود تقادمية وحدود تعاقدية، والنوع الأول هي حدود قديمة لم يحدث حولها نزاع ولم يطرأ عليها تغيير لفترة طويلة، وبالتالي أخذت مصداقيتها القانونية بالتقادم فسميت حدودا تقادمية وهي كالحدود الفاصلة بين فرنسا وأسبانيا ومعظم الحدود في أمريكا الشمالية وأوروبا، أما النوع الثاني فيعرف بإسم الحدود التعاقدية، وهي عبارة عن الحدود التي تم تعيينها وفقاً لاتفاق متبادل بين الأطراف المعنية، وينتمي إلى هذا النوع معظم الحدود القائمة في أفريقيا وأمريكا الجنوبية، وللأسف هي حدود اتفق أو تعاقد عليها الأطراف والقوى الاستعمارية وليس أهل البلاد أنفسهم. والمعيار الثالث لتصنيف الحدود هو المعيار الجغرافي، وثمة اتفاق بين الجغرافيين السياسيين على تصنيف الحدود وفقاً لهذا المعيار إلى حدود طبيعية وحدود مصطنعة، وتشمل الحدود السياسية الطبيعية تلك الحدود التي تتمشى مع معالم سطح الأرض الطبيعية، كالجبال والأنهار والبحيرات، ولعل أهم ما يميز هذا النوع من الحدود هو قدرتها على الفصل بين أقاليم السيادة المختلفة، ولهذا فهي تعد نموذجاً مثالياً للحدود الدفاعية، وتختلف القدرة الدفاعية للظاهرات الطبيعية من ظاهرة لأخرى، حيث تعد الجبال من أكثر هذه الظاهرات تمتعاً بهذه القدرة خاصة وأنها ظاهرة تضاريسية ضخمة لا يمكن تجاهلها، لذا فهي أكثر وأفضل الظاهرات التضاريسية التي تُتَخذ كمواقع ارتكاز للحدود السياسية، ومن أمثلتها الحدود الفاصلة بين الهند والصين في جبال الهيمالايا. أما الحدود المصطنعة فهي لا تتمشى مع الظاهرات الطبيعية، حيث توضع في المواقع التي لا توجد بها ظاهرات طبيعية واضحة المعالم أو عندما تكون خصائص الشعوب أكثر أهمية من الإستناد إلى الظاهرات الطبيعية، ويمكن تصنيفها إلى حدود إثنية تعتمد على الخصائص القبلية واللغوية والدينية، كما حدث عند انفصال التشيك وسلوفاكيا على أساس عرقي، وتشمل أيضاً الحدود الهندسية وهي عادةً تتمشى مع خطوط الطول ودوائر العرض، ولأنها في حقيقتها خطوط وهمية أطلق عليها البعض اسم الحدود الورقية، ومن أمثلتها الحدود بين فيتنام الشمالية والجنوبية والتي تتمشى مع دائرة العرض 17 درجة شمالاً. وأخيراً الحدود الإنتخابية وهي تفصل بين الدوائر الإنتخابية بوصفها وحدات مساحية يتألف منها إقليم الدولة، وتُجرى على أساسها عملية التصويت في الإنتخابات.

     الفصل الثالث يأتي تحت عنوان المساحة والوزن السياسي، ليوضح بعداً جديداً في دراسة مقومات إقليم الدولة ألا وهو المساحة، حيث تتفاوت الدول من حيث المساحة ما بين الدول العملاقة وحتى الدول القزمية، فنجد دولاً عملاقة تزيد مساحتها على 6 مليون كم2 مثل روسيا والصين والولايات المتحدة، ودولا ضخمة مثل الهند والسودان، ودولا كبيرة جدا مثل ليبيا وإيران، ودولا كبيرة مثل مصر ونيجيريا، ودولا متوسطة مثل فرنسا واليابان، ودولا صغيرة مثل بريطانيا واليونان، ودولا صغيرة جداً مثل هولندا وأذربيجان، ودولا قزمية مثل الكويت ولبنان والفاتيكان. ويمكن مناقشة تأثير عنصر المساحة على الوزن السياسي للدولة من خلال العناصر الآتية:

  • المساحة والسكان: هناك علاقة غير مباشرة بين المساحة والسكان، تتمثل في احتمالية وجود موارد طبيعية متنوعة كلما زادت المساحة، وهو ما يعود على القدرة الاقتصادية للدولة، ومن ثمّ قدرتها على استيعاب عدد أكبر من السكان وتلبية احتياجاتهم.
  • المساحة والإستراتيجية العسكرية: في مجال الإستراتيجية العسكرية التقليدية تعتبر المساحة الكبيرة ميزة للدولة، حيث توفر لها العمق الجغرافي الأكبر وهو مايساعد الدولة في حالات الحروب على التراجع التكتيكي للقوات المدافعة لكسب المزيد من الوقت في الحرب وإنهاك العدو، وبالتالي تسمح المساحة الكبيرة بإمكانية الدفاع في العمق، وهناك أمثلة لدول لم تصمد في الحروب بسبب صغر مساحتها مثل الكويت في حربها أمام العراق، وعلى صعيد آخر نجحت روسيا بفضل مساحتها الكبيرة في دحر القوات الألمانية عام 1943م. كما أن اتساع المساحة له ميزة كبيرة في توزيع المراكز الحيوية على مناطق متفرقة مما يصعب على العدو السيطرة على الدولة.

ويتناول الفصل الرابع الشكل والتماسك السياسي، حيث يؤثر شكل الدولة في تماسكها واتصال أجزائها بعضها ببعض، وكلما زاد اندماج شكل الدولة زاد تماسكها واتصال مركزها بأطرافها، ومن ثمّ بسط نفوذ الدولة على إقليمها كله وبسط سيادتها وسيطرتها عليه، وأداء وظائفها السياسية بكفاءة عالية. ويعد الشكل المثالي للدولة هو الشكل الدائري الذي يوفر صفة التماسك والاندماج، ويضمن وقوع الأطراف على مسافة متساوية من مركز إقليم الدولة ، وهو مايُسهل عملية الإتصال والإندماج.

ثم ينتقل الكتاب بعد أن أوضح اللاندسكيب السياسي للدولة وأهميته إلى ما فوق الأرض، وهو السكان، أو ما يطلق عليهم في الجغرافيا السياسية "الشعب"، ليتناول موضوع الشعب والقدرة البشرية، حيث يوضح أهمية سكان الدولة وكيف لهم أن يؤثروا في سيادتها وقدرتها السياسية، حيث أن السكان أو الشعب هم أحد أهم الأركان الثلاثة - الإقليم والشعب والسلطة- التي ينتظم بها كيان الجغرافيا السياسية، وتعتمد أهمية هذا العنصر على مدى توافر عنصر الإنسجام بين السكان، ومدى توافر قوى بشرية للعمل والدفاع. ويؤثر عنصر السكان بصورة مباشرة وغير مباشرة في الثقل السياسي للدولة، وذلك من خلال مجموعة المتغيرات المتمثلة في حجم السكان وتوزيعهم وتركيبهم، ومن أهم العناصر التي تتعلق بالسكان هي تركيبهم الذي يرتبط عادة بتماسك الدولة وقوتها أو الرغبة في الانفصال وضعف الدولة، حيث يؤثر التركيب العرقي واللغوي والديني بصورة واضحة في النزعات الانفصالية، بينما يساعد التجانس الإثني على ترابط الشعب وتماسك الدولة، كما أن تركيب السكان وخصائصهم يسهم بصورة مباشرة في زيادة قدرة الشعب، وذلك من خلال ارتفاع مستويات التعليم وزيادة العمر المتوقع عند الميلاد وارتفاع مستويات الدخول.

الفصل السادس والأخير من الكتاب يعرض الموارد والقدرة الإقتصادية للدولة، ولاشك أن الموارد هي المحدد الأولي والأساسي للقدرة الإقتصادية للدول، والتي تعد أحد الركائز الأساسية للقوة السياسية، خصوصاً في ظل العولمة وتراجع الدور العسكري، ومصطلح القدرة الإقتصادية يعبر عن مدى قدرة الدولة على الاعتماد على مواردها الذاتية في إنتاج السلع والخدمات بصورة تحقق لها ما يسمى بالاكتفاء الذاتي.

وتتنوع الموارد الإقتصادية ما بين الإنتاج الزراعي والإنتاج الصناعي وشبكة النقل، وفيما يتعلق بالإنتاج الزراعي فهو مرتبط بصورة كبيرة بمعطيات البيئة الطبيعية المتمثلة في الظروف المناخية وطبيعة التربة والمياه، والإنتاج الزراعي هو مطلب حيوي للشعوب حيث أنه يمثل غذاء الإنسان والحيوان أيضاً. أما فيما يخص الإنتاج الصناعي فهو مرتبط بالموارد المعدنية التي تتباين من دولة لأخرى، ويُلاحظ أن توزيع الموارد المعدنية على سطح الأرض يتميز بالتركز الشديد والإنتشار المحدود مقارنة بالموارد الزراعية التي تعد أكثر انتظاماً وانتشاراً، وهو ما يؤثر بالطبع في القدرة الإقتصادية للدول، حيث يعتمد الإنتاج الصناعي بصورة أساسية على الموارد المعدنية.وتتنوع الموارد المعدنية بين خامات الطاقة مثل البترول والغاز والفحم واليورانيوم، والخامات الفلزية مثل الحديد والمنجنيز والنيكل والألومنيوم والذهب والفضة والبلاتين، والخامات اللافلزية مثل الفوسفات والاسبستوس والكوارتز والجرانيت والرخام. وهذه الخامات المعدنية تتفاوت من حيث انتشارها وقيمتها الاقتصادية، حيث تكتسب دولاً قيمتها ووزنها السياسي اعتماداً على خام مثل الذهب الذي أكسب دولة جنوب أفريقيا ثقلاً سياسياً لتركز 35% من إنتاج العالم من الذهب بها، فضلاً عن خامات مثل الحديد الذي يعد الدعامة الساسية للصناعة خاصة الصناعات الثقيلة ، وتمتلك الولايات المتحدة وحدها ما يقرب من 50% من خام الحديد العالمي، وهو أحد الأسباب الذي جعلهاقوة عظمى في العالم الاقتصادي ومن ثمّ السياسي. أما شبكة النقل فهي أحد عناصر الإنتاج الاقتصادي، ويتنوع النقل ما بين النقل البري بالطرق والسكك الحديدية والأنابيب، والنقل البحري الذي يلعب دوراً كبيراً في التجارة الخارجية للدول الاقتصادية الكبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية، والتي يبلغ طول سواحلها 19.924 كم، وهو ما جعل النقل البحري له دور كبير في مساندة نشاطها الاقتصادي ودعم تجارتها الخارجية.

وبذلك قدّم لنا هذا الكتاب أسس الجغرافيا السياسية بدءً من إشكالية تعريفها ومفهومها ومجالها ونشأتها كعلم هجين بين الجغرافيا والسياسة، وانتقالاً إلى مقومات الإقليم السياسي الطبيعية والبشرية والاقتصادية. هذا كله في إطار اعتراف الكتاب بأن الدولة ذات الحدود الصارمة الواضحة، هي بالأساس جزء لا يتجزأ من عالم بلا حدود.