رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

تأليف: جون لويس بوركهارت

ترجمة: فؤاد آندراوس

تقديم: محمد الصياد

الناشر: المركز القومي للترجمة

الطبعة الثانية: 2016

أعد العرض: ياسر سيد معوض

يأتي الكتاب في 393 صفحة ويتكون من مقدمة وست رحلات؛

المقدمة: بقلم الدكتور محمد محمود الصياد

الرحلة الأولى: الرحلة على ضفاف النيل من أسوان إلى المحسّ على حدود دنقلة

الرحلة الثانية: العودة من دار المحسّ إلى أسوان

الرحلة الثالثة: الرحلة من صعيد مصر إلى بربر

الرحلة الرابعة: الرحلة من بربر إلى شندي.

الرحلة الخامسة: الرحلة من شندي إلى التاكة.

الرحلة السادسة: الرحلة من التاكة إلى سواكن

الرحلة السابعة: الرحلة من سواكن إلى جدة.

فهرس الأعلام

تصدير:

يبدأ الكتاب بتصدير من "حسن نور" للتعريف بالمؤلف "جون لويس بوركهارت" الذي ولد عام 1784 بمدينة لوزان الفرنسية، وآثر والده الرحيل وأسرته عنها بعد قيام الثورة والتي كاد أن يفقد حياته لاتهامه بأنه ضد الثورة، فنشأ في سويسرا وتعلم في جامعات ألمانيا، وآثر الالتحاق بخدمة دولة لا تخضع لفرنسا فكانت تلك الدولة بريطانيا، وقد أثبت هذا الفتى قدرًا كبيرًا من الجلد والتحمل في تلك الظروف الصعبة من أجل تحقيق هدفه على مدى ثمان سنوات أنفقها في بلاد الشام وصحاري قارة افريقيا برحلته في بلاد النوبة وشبه الجزيرة العربية، ليخرج واحد من أمتع كتب أدب الرحلات، يكاد معه القارئ أن يتحرك ويتنقل معه في أسفاره سائرًا على قدميه أو ممتطيًا ناقته أو مبحرًا في نهر النيل أو البحر الأحمر.

المقدمة:

كان اختيارًا موفقًا بأن يقوم الدكتور "محمد محمود الصياد" ذلك الجغرافي الكبير، بتقديم الكتاب للحديث عن قدر "بوركهارت" الذي اختار النوبة والجزيرة العربية كي تكون مجال رحلاته، رغم أنه كان من المقرر أنه أرسل لاكتشاف "نهر النيجر"، وهو النهر الذي حير كثير من الأذهان، الأمر الذي استلزم إنشاء "الجمعية الأفريقية" عام 1788 لسبر حقيقته، فحتى ذلك الوقت لم يكن أحد يعلم من أين ينبع نهر النيجر ولا أين ينتهي. وباءت محاولات تلك الجمعية جميعها بالفشل حتى أنها أرسلت اربعة رحالة، لديارد، ولوكاس، وهورنمان، وهوتن، لم يصادفوا إلا الخيبة، وفي المرة الخامسة كان "منجوبارك" أسعد حظًا بوصوله فعلا إلى نهر النيجر، لكنه لم يعرف من أين ينبع ولا أين يصب، وفي محاولة أخرى على حساب الحكومة حاول تكرار النجاح ولكنه مات عند مصب النهر، وكذلك مات رحالة آخر وهو "نيكولز" وهو يتأهب للرحلة عند خليج بنين.

كانت طبيعة أفريقيا صعبة سواحلها مستقيمة لا ترحب بضيفان ولا يوجد على امتدادها مرافئ طبيعية، اللهم إلا في سواحلها الشمالية، غاباتها تحجب إمكانية اختراقها، وصحاريها تضيف صعوبات أخرى أمام عملية المسير عبرها، لذا فإن أفريقيا ظلت لفترة طويلة مجهولة، حتى أن منابع نهر النيل لم تكشف إلا في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، بعد أن ظل آخر مدى تتوقف فيه الرحلة عند منطقة السدود. رغم تلك المصاعب تقدم ذلك الفتى السويسري بطلب للجمعية الأفريقية يعرض فيها خدماته عليهم لاكتشاف أفريقيا، وخلال الفترة التي تقدم فيها بطلبه عام 1808 حتى مجئ الموافقة الرسمية عام 1809 انخرط الشاب في دراسة ما يؤهله خلال تلك البيئة الصعبة غير المضيافة، فحضر محاضرات في الكيمياء والتعدين والفلك والطب والجراحة، ثم تجول في ريف كمبردج يدرب نفسه على ما هو مقدم عليه من معيشة صعبة، نائمًا أسفل الأشجار حاملًا طعامه في صرة من القماش.

وفي مارس 1809 ركب بوركهارت البحر متجهًا إلى بلاد الشام، وهناك قضى فترة طويلة يتنقل فيها بين مدنها ويتعرف على قبائلها ويتعلم اللغة العربية وذلك قرابة عامين ونصف العام، راسل فيها خلالها الجمعية بالكثير من الرسائل التي يتحدث فيها عما قابله خلال تطوافه بتلك البلاد، وكان قد تسمى في تلك الفترة باسم "إبراهيم بن عبد الله" لتيسير أمر وجوده وسط مجتمع مسلم، ولكنه وجد أنه ليس من الضروري التمسك بهذا التخفي، وفي رحلة انتقاله إلى مصر كان أول أوربي يزور مدينة "بترا" عاصمة بلاد العرب الحجرية، وعند وصوله القاهرة في سبتمبر 1812 سمع عن قافلة متجهة إلى بلاد النيجر عبر الصحراء الكبرى، لكنه آثر ألا ينتقل مع قافلة لا يعلم عنها الكثير، وفضل المكوث بالقاهرة ليألف حياتها.

قرر بوركهات القيام برحلة إلى بلاد النوبة وذلك اثناء انتظاره مجئ قافلة تتجه إلى بلاد النيجر، وخلال تلك الرحلات أنجز ما لم يرتب له من قبل، فقد وصل إلى نهر "استابوراس" عطبرة ومن هناك عبر الصحراء إلى سواكن على ساحل البحر الأحمر، ويعود إلى أسيوط، ومنها مرة أخرى في رحلة ثانية إلى بلاد النوبة. وقد عبر بوركهارت البحر الأحمر إلى بلاد الحجاز وأدى مناسك الحج، ويذكر أنه تعرض لامتحان لاختبار إسلامه من قبل محمد علي الذي يعلم علاقته بالإنجليز، وكانت النتيجة اقتناع الممتحنين أو على الأقل المستمعين بصحة إسلامه.

كانت كتابات بوركهارت وما أرسله للجمعية الأفريقية على قدر كبير من الدقة والموضوعية، وقد تناولت الكثير مما كان غير متاح عن شبه الجزيرة العربية وقبائلها، وحروب محمد علي ضد الوهابية، والحركة الوهابية والشيخ محمدبن عبد الوهاب، وعلى الرغم من عدم تمكنه من تحقيق هدفه بالوصول إلى نهر النيجر، إلا أنه لم ينتظر مجئ تلك القافلة التي ترحل به إلى هناك، ولكنه تجول في أنحاء كثيرة ونقل الكثير من المعارف إلى الجمعية، حتى أنه أرسل لهم كتابات عن الأمثال العربية في مصر، وعمل بالآثار مع كل من هنري صولت قنصل بريطانيا العام في مصر وجيوفاني باتيستا بلزوني الإيطالي. وقد اجتهد ثلاثتهم في نقل الكثير من الآثار المصرية إلى بريطانيا وكان منها رأس ممنون "رمسيس الثاني" التي نقلوها إلى بريطانيا.

وبالرغم من أن بوركهارت لم يتمكن من إنجاز المهمة التي أرسل إليها من قبل الجمعية الإفريقية، وذلك لوفاته بالقاهرة عام 1817، إلا إنه يعد واحدًا من أفضل رحالة القرن التاسع عشر، وقد نشرت رحلاته هذه في أكثر من مجلد وترجمت لأكثر من لغة، لتكون شاهدة على ذلك الشاب الصغير الجلد الصبور، الذي دفع حياته من أجل المعرفة، بل إن الجمعية الإفريقية لم تتمكن من ملأ الفراغ الذي خلفه بسهولة، وقد كانت رغبة بوركهارت، أو الحاج إبراهيم المهدي، أن تكون جنازته إسلامية، فتم له كما وصى، وكانت جنازته حافلة تتفق مع المركز المحترم الذي اكتسبه في عيون المصريين.

الرحلة على ضفاف النيل، من أسوان  إلى المحس على حدود دنقلة.

 في هذه الرحلة التي استغرقت خمسة وثلاثين يومًا جهز بوركهارت احتياجاته لتلك الرحلة باقتناء هجينين من الإبل له وللخبير الذي يسير به في بلاد النوبة، ودعم نفسه بخطاب من حاكم إسنا، بالإضافة إلى الخطاب السابق الذي كان من محمد علي، والذي رأى فيه أنه قليل الأهمية لكونه مكتوب بالتركية، وفي تلك الرحلة يلاحظ أن الأهمية هنا أضحت لمدينة إسنا، حيث تراجعت أهمية مدينة أسوان خلال تلك الفترة، كذلك النشاط التجاري الكبير الذي تقوم به قبائل البشارية والعبابدة، وتجارتهم بالإبل مع سكان الوادي بسوق إسنا، كما يلاحظ أن الحد الجنوبي لمصر عند بوركهارت هو "البربا" وهي قرية صغيرة واقعة قبالة جزيرة فيلة، ويطلق عليها أيضًا أنس الوجود، ومن جزيرة فيلة تبدأ بلاد النوبة، وخلال مسيره ملتزمًا الحافة الشرقية لنهر النيل، يقدم بوركهارت وصفًا رائعًا للسهل الفيضي الضيق هنا والذي لا يزيد عن 100 ياردة، أي نحو 91متر، وصخور الفلسبار والجرانيت الأحمر، وتلك الأطعمة التي تناولها في بيوت مشايخ القرى التي مر عليها، والحروب التي تنشأ بين النوبيين من أسوان وجيرانهم في الجنوب، ويقدم بوركهارت كثير من التعديلات على سابقيه من الرحالة بالتمييز بين تلك الأودية التي مر عليها، وهو يقصد بالأودية هنا ليس المعنى الجغرافي ولكن العديد من القرى التي تتجاور مع بعضها البعض، حتى أن تلك القرى تمتد لعدة أميال على طول الضفة الشرقية لنهر النيل، كالحال في "وادي دهميت"، ويشير بوركهارت إلى الحاح سكان النوبة والقرى التي مر عليها في التعرف عليه وعلى مقصده، فكانوا فضوليون بشكل لم يره بوركهارت في غيرهم من قبل كما قال.

وإلى الجنوب من خرائب "تافيس" ينقطع السهل الفيضي وتقترب الهضبة الشرقية بشدة من النهر، فكان لابد من اختراق الهضبة " أو كما يسميها بالجبل" لنحو ساعة، سائرًا بين صخور جرانيتية حتى يصل "دار موسى"، ويذكر بوركهارت هنا ذلك الحظر الذي فرضه محمد عليّ على المماليك الفارين في بلاد النوبة، بأن منع تداول البارود في الصعيد، ليمنع وصوله إليهم الأمر الذي جعلهم يقدمون عبدًا مقابل دستة بارود، وقد طلب داود بن حسن الكاشف من بوركهارت نفسه بعض البارود، فتعلل بأن الكمية التي معه لا تكفيه إلا بالكاد. ومنذ أن غادر بوركهارت أسوان يوم 24 فبراير من عام 1813 حتى وصوله إلى بلدة الدُر في الأول من مارس، لا يجد أمامه سوى أطلال معابد وبقايا مدن مصرية مماثلة لتلك التي تركها ورائه، وطبيعة تكاد لا تتغير من سهل فيضي ضيق لا يزيد عرضه عن بضع مئات من الياردات، واستغلال السكان لها في الزراعة.

وكان بوركهارت حريصًا على التمييز بين سكان تلك البلاد من النوبة وغيرهم من القبائل العربية، التي وجدها في "وادي السبوع" و "وادي العرب"، وقد أشار إلى أنهم من عرب العليقات، وأنهم سكنوا الوادي منذ الفتح الإسلامي لبلاد النوبة، ويشير بوركهات إلى أن امراء النوبة قلما كانوا يبتزونهم بفرض ضرائب إضافية لوزنهم السكاني الكبير في المنطقة، وأنهم لم يكن يجيدوا غير اللغة العربية. بوصوله إلى بلدة "الدُر" التي اعتقد أنها أكثر البلاد فيما بين "كرسكو" و "دنقلة" أهمية، وأهلها أكثر اعتناءًا بالزراعة، قدم نفسه إلى أميرها حسن الكاشف باعتباره سائح ولكن هيهات أن يقنع هذا الأمير، لما وجدوه مجيدًا للعربية على دراية بالعادات التركية، فاعتقد أنه جاسوس من قِبل حسن بك حاكم "إسنا". ورغم الهدية التي قدمها له ممثلة في الصابون والبن والطربوش الأحمر فإنه رفض روايته، ولكن القدر كان رحيمًا ببوركهارت في إكماله رحلته، بل حصل على خطاب توصية من الكاشف نفسه لأمير بلدة "سكوت".

وقبل أن يواصل بوركهارت طريقه من "الدُر" نحو "سكوت" يقوم بتقديم وصف تفصيلي للخصائص الطبيعية والجغرافية لوادي النيل في تلك المنطقة، مشيرًا إلى تجمع السكان على الضفة الشرقية لوجود التربة الخصبة مقارنة بالضفة الغربية التي تغزوها الرمال التي تحركها الرياح الشمالية الغربية، آتيًا على ذكر الحياة البرية النباتية والحيوانية لتلك البيئة، ذاكرًا العديد من الأمثلة عن النباتات والحيوانات السائدة بها، كذلك ذكر ما يمكن أن يطلق عليه الجغرافيا الاقتصادية بالمنطقة والأنشطة الاقتصادية التي يمارسها السكان، كذلك أشار إلى أن السكان يقسمون المنطقة فيما بين "أسوان" و "الدُر" إلى جزئين حيث "وادي الكنوز" و "وادي النوبة". ومستغربًا ما يمكن تسميته تلك الجزر اللغوية التي توجد في بحر عربي صرف، ممثلًا في لغة الكنوز حيث لا يتحدثون العربية، رغم وقوعهم بين بلدين يتحدثين العربية، كذلك أشار إلى أهمية بلدة "الدُر" كبلدة تجارية، ومنازلها الحسنة التي يوجد لحسن كاشف وأخويه منازل جيدة فيها كما أن معظم سكانها من البوشناق الذين أرسلهم سليم الأول للاستيلاء عليها، وكيف أن أهل "الدُر" ينتجون تمرًا جيدًا ولكنهم يغبنون في سعره والحال كذلك في سعر الذرة حيث تدر تلك المحاصيل نحو 400% و 100% مكاسب للتجار بنقلها خارج "الدُر" إلى القاهرة وأسوان.

وفي طريقه من الدُر مرَ بوركهارت بإبريم فذكر سكانها البوشناق ذو الأصول التركية، وتميزهم بعدم خضوعهم لأمراء النوبة المحيطين بهم، وثرواتهم المكدسة من المحاصيل والماشية، لعدم دفعهم ضرائب، وإن تعرضوا لمجاعة جراء عملية النهب التي تعرضوا لها من قبل المماليك الفارين أمام إبراهيم باشا، وكانت من الخصال التي امتدحها في سكان إبريم بل وأهل النوبة عدم تفشي آفة السرقة فيهم، ومواصلًا المسير مر بقرية الشباك وتوشكى وأرمنة وفرقندي، وشتان بين وصفه بقرية أرمنة الجميلة وقرية فرقندي التي وصفها بالحقيرة، ثم أتى وادي فريق، وخلال تلك المسافة قابل بوركهارت العديد من المعابد المصرية القديمة، ورسم اشكال توضيحية لبعضها، وكذلك نقل بعض الكلمات المكتوبة على جدرانها، وفي طريقه يصل إلى قرية أدا وعندها تتكون جزيرة بلانة، وقد سميت على اسم قرية تقع على الضفة الغربية من النهر ثم قرية قسطل ثم قرية أدندان، وقبلها أشار بوركهارت إلى تلك الكيمان التي قام بتقدير عددها بنحو 25، وأوضح أنها من صنع الإنسان، وقد اثبتت الحفائر الأثرية بأنها بالفعل تنتمي لملوك البليميس الذين حكموا النوبة بعد الحضارة المروية. ومواصلاً المسير الذي يتراوح بين سبع وست ساعات ينتقل بوركهات من قرية لأخرى، أو من وادي لآخر، فيصل بعد أدندان جزيرة فرس المقابلة لجزيرة فرس على الضفة الغربية، ثم قرية سرة غرب الواقعة على الضفة الغربية ثم قرية سرة على الضفة الشرقية، ثم قرية دبرة، ومن طرائف بوركهارت في تلك الرحلة أنه كان لا ينال طعام العشاء أو الإفطار إلا عند كبار تلك القرى يأخذه دليله إلى الجلوس أمام بيوتهم، ولولا ذلك لعانوا الجوع جراء اقتصارهم على ما معهم من تمر.

وفي (6 مارس) وصل بوركهارت إلى قرية أشكيت، وقد أكرمه أحد أمراء النوبة وعرض عليه المكوث لديه يومًا وسوف ينحر له شاه، ولكن فضل الرحيل حرصًا على وقته ليصل قرية دبروسة ثم سقوى ثم وادي حلفا، وكعادته يقدم بوركهارت وصفًا رائعًا لخصائص نهر النيل وواديه في المسافة الواقعة بين حلفا وسكوت، حيث تكثر الجنادل التي تعترض مجرى النهر وتتعطل الملاحة مما أكسبها اسم بطن الحجر أو دار الحجر، وعلى جانبي النهر تقوم الزراعة التي تروى بالسواقي لارتفاع ضفتي النهر، والسكان هنا يدعون أنهم من أشراف مكة، ويسكن ملكهم وادي عطار، وإن آثروا الرحيل والهروب جراء الصراع مع عرب الشايقية إلى سكوت أو دنقلة، ويعبر هؤلاء السكان النهر على جذوع النخل مستخدمين أيديهم كمجاديف، وبعد وادي عطار يصل وادي مرشد ثم وادي ست الحاجة ثم وادي سرس، وهناك قابل جماعات من الحجاج السودانين التكارنة يعبرون البحر الأحمر إلى بلاد الحجاز من سواكن.

من وادي سرس اتجه إلى وادي وتيري الذي يعد أهم قرى بطن الحجر، وهنا تكثر الجزائر في النهر، وقد فضل السكان الإقامة في تلك الجزر طلبًا للأمان، وتوجد قلعة سمنة المصرية القديمة، وفي تلك المسافة عبر جبل بلكنو حيث يكثر صخر المرو وصخر الجرانيت وبعد مسيرة ساعتين وصل لسهل على قمة الجبل يدعى عقبة البنات وكذلك عقبة دوشة وبعدها وصل لوادي امبقول، وتعد جبال أمبقول هي أعلى جبال بطن الحجر، وواصل المسير إلى وادي أم قناصر ثم وادي لاموله، وعند جبل لاموله قام دليل بوركهارت بحفر قبر كما فعل عن عقبة البنات، بإدعاء أن هذا قبر رفيقه إن لم يقدم له عطاء، ورفض بوركهارت أن ينفحه ما يريد كما سبق وأعطاه عند عقبة البنات، وقام بحفر قبر بجواره وقال له أن هذا أيضًا قبره فما داموا أخوين فمن الإنصاف أن يدفنا سويًا، وبعد جبل لاموله وصلا إلى خور سنك، وسنك وادي يقع أسفل الجبل، وقد اقتربت الرحلة من سكوت وذلك بوصولهم إلى قرية اسمها وادي أكمة، ورغم اعتبارها من أرض بطن الحجر إلا أنها تعتبر من أملاك حاكم سكوت، وهناك آثروا التعرض لبرد الليل على أن يتدفئوا بنار تجذب أنظار عرب الشايقية.

وصل بوركهارت إلى مقابل جزيرة كولب على الضفة الغربية، وعندها عبر النهر على رمث أو طوف لمقابلة حاكم سكوت، وتعد جزيرة كولب بداية إقليم سكوت، وهنا تبدأ الزراعة بشكل منتظم، وبحصوله على خطابات من "داود كرا" تساعده على الاستمرار جنوبًا، عبر النهر مرة أخرى متجهة نحو الجنوب إلى وادي دال الذي يعد النهاية الجنوبية لبطن الحجر، ويكتنف مجرى النهر هنا جنادل تعترضه بشدة، ويتسع السهل الفيضي مما يسمح بزراعة جيدة تظهر في خرائب مدينة الدابة ثم قرية سركاماتو، التي يعبر أهلها النهر للصحراء الغربية للحصول على الملح من واحة سليمة وهي محطة لقافلة دارفور في طريقها لأسيوط. ومواصلًا المسير على الضفة الشرقية للنهر وصل إلى فوكة، حيث يقيم بن حاكم سكوت، وكان حسن كاشف قد سبق وأنذره بأن فوكه هي آخر ما يمكن أن يصل إليه في رحلته نحو الجنوب بمفرده، وأنها هي آخر ما يمكن أن يصل الخبير معه في رحلته، ولكنه أقنع الخبيري بقرشين وملاية من الصوف بقيمة قرشين آخرين، وواصلا طريقهما جنوبًا إلى صاي فمرا بقرية مكركة ثم كنيسة ثم الشيخ مجدرة ثم عمارة التي تعد نهاية إقليم سكوت.

ينفرج عند عمارة السهل الفيضي ليبلغ عرضه قرابة ميلين، وبعد عمارة تقع قرية عبري وبعدها عند جبل العلاقي تبدأ جزيرة صاي وبها حصن قوي، ولجزيرة صاي وإقليمها حاكم مستقل عن أمراء النوبة، شأنه في ذلك شأن جزيرة إبريم، حيث يوجد بها حامية تنتمي للجنود البوشناق الذين أرسلهم سليم الأول من قبل للاستيلاء على بلاد النوبة، ومن عبري وصل إلى قوبق ثم وادي حميدة، ولها ملك من قبيلة بني حميدة العربية يتبع أمراء النوبة، وعند وادي حميدة تنتهي جزيرة صاي، ويعد وادي حميدة أكثر الجهات عمرانًا إلى الجنوب من إبريم، ويمتاز بتمرة الجيد ولا يضاهيه أي بلح فيما بين إسنا والإسكندرية، ورغم جودته فإنه لا يصل منه شمالًا إلا القليل لصعوبة النقل عبر النهر الممتلئ بالجنادل. ويقايضون عليه عرب الشايقية بالذرة، وفي طريقهم جنوبًا وصلا إلى وادي عبود ثم إرو التي تعد الحد الجنوبي لإقليم صاي.

ويتجه الطريق بهم على جانب نهر النيل نحو الجنوب الغربي ليصلا إلى اشمته بداية إقليم المحس ثم قرية الواوي وهي قرية كبيرة لعرب القراريش، وبعدها يضيق السهل الفيضي وتحدق الجبال بالنهر، والقرى هنا بسيطة يوجد بها سكان أشبه بالزنوج لا يسترون أنفسهم بشيء، وقد أقصت النوبية هنا اللغة العربية، وعند وادي تيناري الذي يعد أهم قرى إقليم المحس، والتي تقوم حول حصن تيناري، بلغ بوركهارت مقر حكم محمد كاشف، وإن لم يجده لأنه كان مشغولًا في محاصرة حسن تيناري مع أخيه حسين، وكان أحد الثائرين من بني عمومة المحس قد استولى على الحصن، ولكن الأخوين استطاعا استرداده. وكاد بوركهارت ان يفقد حياته على يد محمد كاشف لشكه في كونه جاسوس لمحمد علي ولكن كان لأخيه حسين رأي آخر  بأن أبقى على حياته مقابل الحصول على بعيريه، ولولا شخصين من أبناء حاكم سكوت، أكدوا على صدق كلام بوركهارت لواروه التراب، وعند تيناري أدرك أنه من الأنسب له أن تكون هي آخر حدود رحلته نحو الجنوب، وسعى للعودة رغم محاولتهم تعويقه وتأخيره للعودة مع قواتهم المتحركة نحو الشمال.

وقد اكتفى بوركهارت بتقديم معلومات وافية عن إقليم المحس، الذي يدع أهله أنهم من نسل قريش، ويوجد وادي المحس بعد تيناري بمسيرة يومين، ومن المحس إلى سنار يوجد العديد من الملوك الذين يحكمون أقاليمهم، ويزيد عدد هؤلاء الملوك عن عشرين، والتجارة مهنة كل محترم في المحس، ويرسلون قافلتين سنويًا للقاهرة بالعبيد ويكسبون من بيعهم مبالغ ضخمة، وكذلك الحال من تجارتهم التي يجلبونها من مصر، ولا يتاجرون مع دارفور أو برنو لصعوبة الطريق وعدم توافر المياه فيه. أما عن قرى إقليم المحس فهي دلقو وتقع على الضفة الشرقية للنيل، ثم كوكه على الضفة الغربية، ونوري على الضفة الشرقية، وبرجه وفريق على الضفة الغربية، وحانك وجنوبها تبدأ جزيرة مشو يقابلها على الضفة الغربية قرية بنفس الاسم، وبجانبها جزيرة أرقو وهي من أعمال دنقلة، وتعد جزيرة مشو حد إقليم دنقلة الشمالي.

أما وادي دنقلة وعنده ينتهي الكلام باللغة النوبية، فيمتد مسيرة خمسة أيام جنوب جزيرة أرقو، وكان عرب الشايقية قد استولوا على الإقليم من خلال صراعهم مع أسرتي الزبير والفونج، وهنا سهول فيضية متسعة يبلغ عرضها عدة أميال، وتشتهر دنقلة بخيولها العربية الأصيلة، والتي أهدى منها محمد علي للباب العالي واحدًا دفع فيه 750 ريالًا إسبانيًا، يسكن مدينة دنقلة أو "دنقلة العجوز" كما يسميها الأهالي أو "تنكل" قبيلة من البدو تعرف باسم الكبابيش، ويعيش فيها كذلك مجموعات من قبيلة العبابدة، وإلى الجنوب من مدينة دنقلة توجد قرى أفار ودفار وحيتاني وكنات وأمبقول، وعند أمبقول ينتهي إقليم دنقلة ويبدأ إقليم عرب الشايقية، وأول بلاده هو قوص ويقطنها قبيلة العونية، يليها حاتك الزبير ويسكنها قبيلةبنفس الاسم، ثم دار السواراب، وكربر وقرى وأبرسنار، ووسطه، وتقسي، والكرو، وغوشابي، ومروي، والبركل ونوري، والكاسنجر، والحمداب، وأولي، وزوارة، ودلقو التي ينتهي عندها إقليم الشايقية، الذي يقطع فيما بين خمسة وثلاثين وأربعين ساعة، وأهم بلاد هذا الإقليم قرى غوشابي ومروي، وتعد مروي عاصمة إقليم الشايقية، وبين دنقلة ومروي وادي "قرى" عرب البديرية، وكانوا حتى وقت قريب من زيارة بوركهارت يخضعون للشايقية.

وقد أسهب بوركهارت في الحديث عن عرب الشايقية وثروتهم وإقليمهم، وصراعهم مع الزبيرية والفونج حتى استولوا على ممالكهم، ولكن المماليك قتلوا كبير الشايقية محمود العدلانابي وسلبوا أموالهم رغم ضيافته لهم، الأمر الذي جعل أخيه طبل بن الزبير يلجأ للقاهرة طالبًا المعونة من محمد علي، وكان بوركهارت قد تنبأ بهزيمتهم لانسداد المسالك أمامهم وليس لهم من طريق إلا محاولة الحصول على منفذ على ساحل البحر الأحمر كي يكون نافذة لجلب المماليك من جورجيا، وذلك باستيلائهم على مصوع، وقد كان يعتقد أن استيلائهم على الحبشة يعد منفذ تجاري جديد لشركة الهند الشرقية، ولكن كان محمد علي لهم بالمرصاد ووأد أفكارهم وأفكار بوركهارت نفسه بالقضاء عليهم وفتح السودان.

الرحلة الثانية: العودة من دار المحسّ إلى أسوان.

إنطلق بوركهارت في طريقه شمالًا إلى أسوان، عازمًا على الإسراع قبل أن يلحق به لجنود محمد كاشف اللحاق به وذلك في (15 مارس)، وكان دليله قد تواطئ في تأخيره ولكنه لم يفلح، ووصل في سيره إلى مكان قرب قرية صلب الواقعة على الضفة الغربية وكان عازمًا على العبور إليها لتفقد ذلك المعبد الرائع المكتمل البناء الشبيه بالمعابد المصرية، ولكنه لم يتمكن لعدم توافر طوفًا أو قربة من القرب، وبلغ الواوي ثم اشمنة ثم وادي عبود ودار حميدة وقويق، وتفسيرًا للفارق بين زمن الرحلتين في الذهاب والإياب، اشار بوركهارت إلى أنه في طريق ذهابه كان يقطع ما بين ثلاثة أميال وأربعة أميال في الساعة، أما في طريق العودة فكانت تتراوح بين ثلاثة أميال وميلين في الساعة، حفاظًا على البعيرين وخشية عليهما من الإرهاق. وعند فركه استظلا في خيمة من خيام عرب القراريش، وعند جزيرة كولب عبر بوركهارت ودليله النهر بمساعدة داوود كرا، على خشية من التماسيح التي توجد بالنهر، وفي الجزيرة راعه أطلال الأبنية التي تحتفظ بألوانها زاهية نظرًا لجفاف البيئة في بلاد النوبة. بعبوره إلى الضفة الغربية يواصل رحالّتنا المسير ليصل إلى وادي أكمة، ومنها إلى سنكي في رحلة وسط بلاد خربة وتلال رملية عالية، وعندها تسفي الرياح الرمال في النهر كأنها سيول، يلاحظ من وصف الحافة الغربية للصحراء الغربية أنها أقل ارتفاعًا وأقل تضرسًا من الحافة الشرقية. ليصل إلى وادي فرمكة ثم وادي أمبقول، وتتبعه العديد من الجزر في النهر.

وعند وادي أتيري قضا ليلتهما وحصلا على الزبد واللبن مقابل الذرة، وعلى امتداد النهر قرب الطرف الشمالي لوادي أتيري تجاه عقبة البنات على الضفة الشرقية سارا في بطن الحجر لا يجدون غير قليل من النخيل الذي يستطيع المسافر أن يجمع منه التمر لأنه بدون صاحب، وعند وادي سمنه شاهد النيل يقتحم طريقه وسط خانق لا يتجاوز عرضه خمسين خطوة، كونته صخرتان ناتئتان من الضفتين، على الصخرة الغربية أطلال معبد يشبه معبد الفنتين الصغير، تاركين وادي سمنه نحو وادي سرس في الشمال عثر على قلعة عتيقة تقع عند الحد الشمالي للوادي تُعرف باسم إسكر على إحدى جزر النهر، وفي (20 مارس) وصل إلى وادي جمني، والأرض هنا أقل وعورة ويخلو النهر من الصخور والجزائر، وعند وادي مرشد يتسع السهل الفيضي وتوجد به آثار زراعة قديمة، ولكنه اليوم مهجور. وعند وادي سولة توجد خرائط سور من الآجر يمكن للناظر من فوقه أن يرمي ببصره بعيدًا فيحيط بمنظر النهر وجزائره.

وعند وادي حلفا حيث الشلال الشهير في خرائط الأوربيين باسم الجندل، يعيش العرب في الجزائر القريبة منه ويصطادون سمك كثيرًا بإلقائهم شباكهم على المساقط، ولرغبته في الوصول إلى مكان آهل بالسكان لنفاد ما معه من زاد عدا الذرة سار حثيثًا حتى بلغ ضفاف النيل أمام سقوى، وتجاه دبروسة على الضفة الشرقية حط برحالة عند عرب القراريش في إحدى جزر النيل وهناك ابتاع منهم الذرة، وفي (21 مارس) وصل لقرية أرقين بعد أن كاد بعيره يتردى في الوحل الفاصل بين الجزيرة والبر، وبعدها إشكيت ثم واصل المسير ليشاهد قرية دبيرة الواقعة على البر الشرقي، وبلغ سره التي تكاد تواجه نفس القرية الواقعة على الضفة الشرقية، وإلى الشمال منها توجد قرية صغيرة اسمها أرتينوق وبعدها قرية فرس وتقع تجاه الجزيرة التي تحمل نفس الاسم، ومن فرس حتى قرية أدندان تستمر تلال سره الرملية، وبعد أدندان عَبر مجرى جاف لفرع من فروع النيل ليصل إلى جزيرة بلانة، ليستقر عند كوخ من أكواخ عرب القراريش عند قلعة أده.

وفي يوم (22 مارس) عاد إلى البر ليواصل المسير ليمر بقرية بلانة، وبعدها يرتقي جبلًا رمليًا، وفي هذه المنطقة يسير النهر وسط جبلين، يعرف في الشرق باسم وادي فويق، وفي الغرب باسم أبو سمبل، وقد رد تسميتها إلى تحريف الكلمة اليونانية Polis بمعنى مدينة، وهناك تجول في معبد أبو سمبل المحتفظ بجماله وبهائه وقدم وصفًا تفصيليًا للمعبد، مع الإشارة إلى تلك التماثيل التي تطمرها الرمال، والتي كاد أن يعود أدراجه دون أن يلتفت لوجودها بفعل الرمال التي تغطيها، وكان أهالي قرية بلانة والعرب المجاورين يعتصمون بمعبد أبي سمبل من غارات القبائل المغربية التي تهاجم الضفة الغربية لنهر النيل مبتدئين بأرقو ماضون إلى المحس وسكوت وبطن الحجر ووادي حلفا مرتقين الجبل متجهين صوب أسيوط.

ولقراءة باقي عرض الكتاب يمكنكم تحميل العرض كاملا بصيغة PDF