الحيوانات والبشر؛ تناغم مصري قديم

الحيوانات والبشر؛ تناغم مصري قديم

الحيوانات والبشر؛ تناغم مصري قديم

تأليف: "فرنسواز ديناند" و "روجيه لشتنبرج"

ترجمة: فاطمة عبد الله محمود

مراجعة وتقديم: محمود ماهر طه

الناشر: المركز القومي للترجمة

الطبعة الأولى: 2012

أعد هذا العرض وقدمه : ياسر سيد معوض

 يأتي الكتاب في 343 صفحة، يضم 155 شكل، و 74 لوحة، وقد تم تقسيم الكتاب لجزئين كل جزء يتكون من أربعة فصول:

الجزء الأول: الحيوانات المفترسة والعاملة والرفيقة.

الفصل الأول: اللقاء مع الإنسان.

الفصل الثاني: مساكنة مع الإنسان .... علاقات مستقرة.

الفصل الثالث: الحيوانات الكاسرة.

الفصل الرابع: الحيوانات القادمة حديثًا والحيوانات المندثرة.

الجزء الثاني: الحيوانات في عالم الرموز

الفصل الخامس: عن الآلهة والحيوانات، طقوس الحيوانات في فترة ما قبل التاريخ.

الفصل السادس: الحيوانات صورة حية للإله.

الفصل السابع: حيوانات أضفيت عليها صفة التقديس.

الفصل الثامن: حيوانات مصنفة وغير مصنفة.

هذا بالإضافة إلى خاتمة، وتوضيح لتتابع العصور وتقسيم الأسرات في مصر القديمة، ثم وصف للوحات، وفي النهاية هوامش الكتاب.

بدأ الكتاب بمقدمة للتأكيد على العلاقة بين المصري والحيوانات في مصر القديمة، مستبعدين فكرة أن يكون الأمر وصل لمستوى الحفاظ على الحيوانات وحمايتها من الإنقراض، بإدعاء أن ذلك الاهتمام أمرٌ حديث واتجاه عصري، ولكنهم حفظوا للمصريين حرصهم على حياة تلك الحيوانات والرفق بها، وأنهم كانوا من أقل الشعوب مطاردة للحيوانات والاعتداء عليها.

الفصل الأول: "اللقاء مع الإنسان"

وفيه حديث، باقتضاب، عن الجغرافية التاريخية لمصر ونشأة نهر النيل وانتقاله من مجراه القديم في الصحراء الليبية إلى مجراه الحالي، طبقًا لبعض النظريات الباحثة عن نشأة وأصل نهر النيل، وبداية استيطان الإنسان على جانبي الوادي في الصحراء الشرقيةوالغربية، التي تعود إلى العصر الحجري الحديث الأعلى أي منذ نحو 300000 سنة، لتبدأ علاقة البشر بالحيوانات من خلال نشاط الصيد والقنص لتوفير حاجاته الغذائية، إلى جانب نشاط الجمع والإلتقاط. ولا شك أن البيئة كانت غنية بشكل يكفي حياة أعداد غفيرة من الحيوانات خلال تلك الفترة، وقد ترك إنسان ذلك الوقت رسومات في أماكن عديدة بالصحراء الغربية وفي الصحراء الشرقية، تصور صيد الحيوانات البرية التي كانت منتشرة وقتئذ، مثل الأفيال والزراف والثيران البرية والنعام والظباء.

ومع التغيرات المناخية التي نتج عنها تراجع بيئة الهضاب القادرة على توفير الغذاء لهذا الحجم الضخم من الحيوانات البرية، فُرض على الإنسان أن يتجه نحو الاستيطان بقوة إلى جانب نهر النيل ليعيش حياة بين الإقامة والترحال، ومع زيادة أعداد السكان واتجاههم نحو الاستقرار مع معرفة الزراعة وحفظ الغلال، والانتقال من ظاهرة البداوة إلى الاستقرار، في العصر الحجر الحديث الأعلى، بدأ المصري القديم يتجه نحو استئناس بعض الحيوانات، وذلك لتوفير احتياجاته من الغذائية من الألبان واللحوم، ليوفر على نفسه مشقة المطاردة بوجود ما يحتاجه محصورًا لديه بسور. 

وهنا تُظهر فيما بين الألف السادسة والرابعة قبل الميلاد كثير من الدلائل على ذلك التنوع في الحيوانات التي عرفها مصريو ذلك الوقت، وتعاملهم معها سواء من خلال الصيد والقنص أو من خلال عملية الإستئناس، مثل الخنازير، والخراف والماعز والأبقار والكلاب والعديد من الحيوانات الكاسرة مثل الثيران الوحشية والظباء وفرس النهر وحيوانات أخرى مثل القوارض كالفئرات واليرابيع، والثعالب كما عثر على العديد من الطيور مثل البط والإوز والسمان، وجميعها كانت تمثل حظيرة الدواجن، بالإضافة إلى مالك الحزين والكراكي والبلشون والعصافير المائية، وإلى جانب تلك المائدة العامرة فإنها لم تفتقد للأسماك مثل سمكة الجري وبلح البحر، وكانت حضارة كل من مرمدة بني سلامة، شمال غرب القاهرة بنحو 45كم، وحضارة المعادي، شهودًا على ذلك التنوع.

والقطع بأن المصري القديم قد دجن أو استئنس حيوان ما أمر تدور حوله بعض الشكوك، فعلى سبيل المثال يثور حول البقر  تساؤل هل استئنسها المصريون في الألفية الخامسة أم أنهم أتوا بها إلى مصر عبر سيناء حيث استؤنست هناك فيما بين الألفية التاسعة والسابعة؟ وعلى كل حال فإن البقريات ببداية الألفية الرابعة قبل الميالد احتلت مكانة هامة في مصر، فظهرت الثيران مرسومة أو مصنوعة من الصلصال، كما رسمت على جدران المقابر وفي أشكال ترمز إلى القوة الحربية المقاتلة كما في لوحة الثور الممثلة للملك المنتصر نعرمر. ومن الملاحظ أنه وإن استطاع المصري تدجين بعض الحيوانات الأخرى مثل الخنزير والحمار، فإن الكلب، الذي يعد أسبق الحيوانات استئناسًا، قد تم إحضاره لمصر من الشرق الأدنى، باعتباره من فصيلة الذئاب ومصر لا تتواجد بها تلك الفصيلة، وهكذا بدأت العصور التاريخية مع بانوراما للعديد من الحيوانات التي تعيش في وادي النيل أو بالقرب منه، سواء ما تم تدجينها واستئناسها أو لا زالت على حالتها الوحشية، بالإضافة إلى الأسود والنمور التي بقيت عند حدود الصحراء، في الوقت الذي تراجعت فيه الأفيال والنعام والزراف جنوبًا نحو المناخات الأكثر رطوبة.

الفصل الثاني: "مساكنه مع الإنسان .... علاقات مستقرة"

وفيه تمت الإشارة إلى الحالة الزراعية في مصر باعتبارها الإطار،والتي هي أساس لعملية تربية الحيوان، وأن الإنسان المصري القديم مع الألفية الثالثة أصبح مزارعًا يعتمد بشكل أساسي على مياه نهر النيل، رغم أن كمية الأمطار كانت كبيرة، ودليل ذلك تلك المزاريب التي توجد فوق أسطح المعابد والمنازل، وكانت الزراعة تقوم حول نظام خاص بالري، تأسس منذ الألف الرابعة قبل الميلاد. وفي دولة تقوم على الزراعة كان لابد من وجود حكومة مركزية واستقرار يضمن الوقوف ضد أي إضرار أو خلل،قد تسببه الفيضانات التي تتوقف فائدتها على مدى غزارتها أو انخفاضها، وبالتالي ظهرت الحاجة لحفر القنوات لإيصال المياه إلى الأراضي الزراعية، وظهور نظام إداري يشرف على ذلك النظام عُرف رئيسه باسم "المأمور المختص بحفر القنوات" وفي المناطق التي لا يتوافر لها مياه النيل، مثل الواحات، ظهر نظام القنوات المحفورة تحت سطح الأرض كي تحصل على المياه الموجودة بالبرك العالية القائمة في جنبات التلال، بالإضافة إلى استخدام مياه الجوفية التي تنبثق طبيعيًا من خلال الآبار الارتوازية.

وقد كانت جميع تلك الجهود الغرض منها الحفاظ على الأرض الزراعية والعمل على إضافة مساحات زراعية جديدة، وقد ظهر أثرها بوضوح في الفيوم التي عرفت العديد من أعمال الري في عهد الأسرة الثانية عشر، ومع دخول نظم وأدوات ري حديثة في عهد البطالمة والرومان، مثل الشادوف أو مسمار أرشميدي اللولبي والساقية، زادت مساحة الأرض الزراعية، والتي كان يتم منحها للجنود لكي يثبتوهم بالارض وليضمنوا وجودهم أثناء المعارك المقبلة. ويتواجد حجم ضخم من الوثائق توفر قدر كبير من المعلومات حول تنظيم ومراقبة الأرض الزراعية في كل عام، وقياس مساحتها وتحديد الضرائب والإيجارات وفقًا لدرجة رطوبة الأرض وكمية المنتجات المتحصلة منها.

وبالحديث عن العناصر الفاعلة الممثلة في أنواع وفصائل الحيوانات الموجودة بمصر والتي خضعت لنمط خاص ظل ثابتًا لما يزيد عن ثلاثة آلاف عام، فإن بعض تلك الأنواع والفصائل قد تناقصت، وحل غيرها، ولكن لم يحدث أي خلل أو اضطراب بالنواة الأصلية. ومع الحيوانات المستأنسة أتت فصيلة البقريات في المقدمة، باعتبارها أقدم الحيوانات استئناسًا في مصر، وكان للابقار أهمية كبيرة فهي مصدر للغذاء ممثلًا في اللحوم والدهون والألبان وكذلك يستخدم جلدها في الصناعات الجلدية التي تقدمت بفضل توافر مادة النطرون، كما استخدم برازها كسماد، وبتجفيفه يستخدك كوقود، واستخدمت طاقتها كذلك في سحب التوابيت على جرارات إلى الجبانات، ولجر المحراث وفي دراسة الحبوب، ومع اختراع الساقية استخدمت في إدارة عجلتها العملاقة. كما كانت رمزًا للثراء وإظهار لغنى الملوك وسطوتهم، وكذلك لقوتهم وبطشهم، كما في لوحة الثور التي تُظهر نعرمر، يدهس أحد الأعداء تحت حوافره، وحملهم لعبارات تمدحهم مثل  "الثور القوي" و "ذي القرنين الفولاذيين".

وتحمل كثير من النقوش الغائرة في مصاطب الدولة القديمة دلالة على أهمية البقريات في مجال الاقتصاد، واستمر الأمر كذلك في عهد الدولة الوسطى، وفي تلك النقوش يظهر البقَّارون وهم يساعدون البقر على عبور قنوات الري حاملين على ظهورهم الأفراد الصغيرة منها، وكذلك المشاهد التي توضح عمليات حلب البقر، وكانت تلك العملية بحاجة إلى اثنين للقيام بها، وكان اللبن يستخدم للحصول على العديد من المشتقات، كما أنه كان يستخدم في الطقوس والشعائر الدينية، وللدلالة على مكانة البقرة على المستوى الرمزي، فإن كثير من الملوك كان يرضعون من البقرة "حتحور" أو من غيرها من الربات لكي يضفي على نفسه صفة إلهية. ومن الملاحظ أن لحوم البقر كان حكرًا على الأغنياء، ونادرًا ما كان يتناولها الفقراء، وكانت لحومها تستخدم كذلك ضمن خدمة القرابين المقدمة للأرباب والموتى، واستخدم جلدها في صناعة أشياء عديدة مثل النعال والأحزمة والقفازات وواقي الأذرع من أجل النبالين والجُعب، ولعمل عدة الجياد وكسوة العربات. 

وفي الحديث عن الحمير، تم التأكيد على أن الحمار قد شيد مصر، فقد استأنسها المصري القديم منذ زمن بعيد، وذلك باستئناس الحمار الوحشي النوبي، وقد استعين بالحمار في أعمال عديدة مثل أعمال الزراعة، وأعمال الحمل، وتظهر النقوش دور الحمار في العمل الزراعي، ولكن العنف والخشونة كانت السمة الغالبة ضد الحمار ولا زالت، وفي العصر الروماني استمر استخدام الحمار في أعمال النقل ما بين الوادي ومحاجر الرخام والأحجار بالصحراء الشرقية، والموانئ الموجودة على سواحل البحر الأحمر.

أما الخراف والماعز وقد تم استئناسها منذ فترات طويلة، حيث عُثر على عظام خراف وماعز في موقع بواحة الفرافرة يعود للألفية الرابعة، وإن إنحدر الخروف الأفريقي من أصل أسيوي بشكل أساسي، وقد تم ترتبيتها ليس من أجل لحومها ولكن لأجل صوفها، كذلك كانت تستخدم في أغراض الزراعة بأن تطمر التقاوي في الأرض، وتستخدم أيضًا في درس وهرس السنابل في ساحات درس السنابل. وكانت الماعز نظرًا لخفتها وقوة مقاومتها ومقدرتها على الحركة فأصبحت النموذج المثالي للأهالي الرحل وشبه الرحل، يستخدمون لحومها وجلدها يستخدم كسجادة، وتصنع منه بعض القرب، وإن لم يستخدم لبنها بشكل كبير. وكالخراف كان الخنزير أصله آسيوي استأنسه المصري منذ العصر الحجري الحديث، ولكن على ما يبدو أن اعتباره صورة من صور "ست" الإله الشؤم الضار انعكس على عدم استخدامه في القرابين الدينية والجنائزية، كذلك يبدو أنه كان محرم أكله، وإن ثبت من خلال العظام استخدامه من قبل الطبقات الشعبية، وقد استخدم الخنزير كذلك في أعمال الزراعة لطمر التقاوي في الأرض كما لاحظ ذلك هيرودت.

وعن الحظيرة المصرية وما بها من طيور فكانت تضم الأوز والبط ودجاج الغرغر المصري، وقد تنوعت تلك الحظيرة مع العصر الإغريقي الروماني بتنوع ثري أتى من آسيا، وكان يتم صيد الكثير من البط والأوز البري من مستنقعات الدلتا من أجل تكوين الحظائر، واهتم المصري القديم بتغذية الطيور حتى أنه كان يقوم بتزقيمها، وكانت الطيور مصدرًا للحوم ولها دور هام في مجال التغذية كما كان يستخدم بيض الطيور في الغذاء وإعداد الخبز والفطائر والحلوى، ويقال أن المصري استخدم بيض السمان والحمام كذلك، وبالإضافة إلى كونه مصدر غذائي فقد استخدم في إعداد قرابين الموتى وكانت ابراج الحمام ضمن المشهد الطبيعي للريف المصري خاصة منذ العصر الروماني، حيث تطورت تربيته بشكل كبير.

وفي سبيل الحصول على السكر استئس المصري القديم النحل، وقد كان في بادئ الأمر يعتمد على جمع العسل البري، ومع الأسرة الخامسة بدأوا في استئناسه وكان مخصصًا خلال تلك الفترة للمائدة الملكية وللقرابين المتعلقة بالآلهة، وتظهر الرسومات المصرية القديمة ممارسات لا زالت تستخدم حتى الوقت الحالي مثل وعاء التدخين، ونقل الخلايا وتغيير مكانها، لتمكين النحل من تخزين مؤنته من الزهور في أماكم ملائمة، وينتج عسلًا جيد القيمة، ورغم انتشار تربية النحل وإنتاج العسل إلا أنه لم يكن من المنتجات الدارجة الاستهلاك، وقد استخدم العسل وشمعه في عملية التحنيط، كما دخل في تركيب الدهانات العطرية المستعملة في تضميخ جثمان المتوفي. ودينيًا ارتبطت النحلة بأكثر ربات مصر وهي الربة "نيت" بسايس في الدلتا وكان معبدها يسمى قصر النحلة.

وإلى جانب تلك الحيوانات التي تمكن المصري القديم من استئناسها فيذكر أنه كانت هناك حيوانات أخرى حاول استئناسها ولكن لم يحقق نجاح كبير في تلك العملية، مثل طائر الكركي والغزال والوعل، وقد أعجب المصري القديم بلحوم تلك الحيوانات والطيور، ومن محاولاتهم المثيرة للدهشة محاولة تربية الضب، كما ظهر في بعض الرسومات، ولكن يبقى استخدام المصري القديم للحم الضب غذاء من الأمور التي تعتبر مثارًا للجدل.

إلى جانب تلك الحيوانات والطيور السابقة التي كانت تستخدم في الغذاء أو لمساعدة المصري القديم في أعماله الكثيرة، فقد كان هناك حيوانات أخرى قريبة منه مثل الكلب الذي يعد في مصر من أكثر رفقاء الإنسان قدمًا، فكانت ترافقهم في حملات الصيد، وظهرت رسومات تصور الكلب في العديد من حملات الصيد تطار الغزلان والزرافات، وكان يتم تسميتها، كالحال مع كلاب الملك آنتف الثاني، حيث عُرفت كلابه الخمس المرافقة له باسماء "الأسود، الأبنوس، الشجاع، رياح الشمال، ظبي. وقد استخدمت الكلام في الحراسة وفي مرافقة القطعان، كذلك استخدمت الكلاب لمساعدة الشرطة، كما هو الحال في لوحة أحد أعضاء شرطة الصحراء العائدة للدولة الوسطى، ومن الرسومات والصور يتضح وجود أنواع عديدة من الكلاب مثل "النوع السلوقي، والدرواس، والذئبي الألماني.

أما القطط فقد تم استئناسها من القط الوحشي الأفريقي، ولسوء الحظ لا يوجد دليل يقطع بتاريخ استئناس القط، وإلى الاسرة السادسة تعود أقدم النقوش التي تُشير للقط حيث المعبد الجنائزي الخاص ب"بيبي الثاني"، من خلال علامة هيروغليفية لاسم مدينة مياو التي يمكن ترجمتها إلى "مدينة القطط". وقد تسمى الرجال والنساء بأسماء القطط، واستغلت القطط منذ القدم في المنازل ومخازن الغلال لمطارة القوارض، وتظهر كثير من الرسومات القط وهو يصطاد الفئران ويصيد الطيور والأسماك في المستنعقات، وقد كانت القطط مرافقة للمصري بشكل كبير، وأحبها المصري حبًا بلغ ذروته من خلال الحديث عن التابوت المصنوع من الحجر الجيري الخاص بقطة الأمير تحتمس ابن امنحتب الثالث. وللدلالة على مكانة القط لدى المصري القديم، فإن هيرودوت ذكر أن "قط البيت إذا مات .. فإن جميع سكانه يحلقون حواجبهم".

كما كان للقرد مكانة مميزة لدى المصري القديم، معترفًا بذكاءه مقارنة بكثير من الحيوانات، الأمر الذي جعل القرد أحد أشكال الإله "تحوت" رب المعرفة والكتابة، ورغم العثور على عظام القردة في الجبانات الملكية، إلا أن ذلك لا يقطع بكونها حيوانات مقدسة أم مجرد حيوانات مرافقة. وقد اقتصرت معرفة المصري القديم على القردة صغيرة الحجم، ولم يعرف القردة كبيرة الحجم مثل الشمبانزي والغوريلا، فكان البابون هو الأكثر شيوعًا وكذلك القرد المائل للاخضرار، حيث سهل استئناسهم، وكانت تلك الأنواع مصرية الأصل، ومع تراجع أعدادها اتجه لجلب القردة من النوبة، وكانت القردة تعتبر ضمن الحيوانات الأليفة. ولشراسة قرد البابون فقد استخدم في أعمال الشرطة مثل الكلب البوليسي.

أما عن السنوريات المستأنسة فقد اقتصرت على تلك الحيوانات الصغيرة منها سواء كان أسود أو فهود ونمور، والتي شوهدت مصاحبة للكثير من الملوك في العديد من الرسومات كالحال مع توت عنخ آمون ورمسيس، أما الكبير منها فقد كان مألوفًا عند الحدود الصحراوية بمصر، وقد استخدم الأسد كرمز على قوة الملك وسطوته، وكان استخدام صور وأشكال الأسود في مجال الأثاث الجنائزي لا تعد ولا تحصى، مقارنة بالفهود النمور المرقطة التي كانت لا تحظى بوضع رمزي، وإن تم استنئاس صغارها كالأسود.

وللدلالة على فكاهة المصري القديم واستخدامه الرسم كتعبير عن رسومات كاريكاتورية فنجد أن العديد من الحيوانات صورت من خلال القيام بأوجه نشاط تقلد فيها وتحاكي التصرفات والسلوك الإنساني، في إطار قصص وحكايات على نمط الأساطير والخرافات، كتلك القطط التي تخدم الفأرة وتربي وليدها، وقط يقود سرب من الأوز، وأسد يلعب الشطرنج مع غزالة، حمار معلمًا في مدرسة، فأرًا باعتباره أحد رجال البنوك، قد ألهمت تلك الرسومات الكثير من مؤلفي القصص الخرافية مثل "إيسوب" ومن بعده "لافونتين"، كما استخدمت تلك الحيوات كنماذج لعب خشبية.

الفصل الثالث: الحيوانات الكاسرة"

جاء للتأكيد على محاولات المصريين القدماء الموغلة في استئناس الحيوانات، فتحقق النجاح في بعضها وفشلوا في البعض الآخر، وتحت عنوان فرعي "غذاء وحماية" جاء الحديث عن الصيد، وهو النشاط الذي كان ممارسًا قبيل ذيو حرفة أعمال الرعي والزراعة، ورغم ذلك فإنه استمر من أجل توفير الاحتياجات الغذائية بصيد الأوز والبط البري وكان يمارس في مستنقعات الدلتا الثرية بطيور الماء، باستخدام شبكات شخصمة أو بمساعدة عصا قذافة، وكذلك بمعاونة الكلاب، التي استخدمت كذلك في صيد الغزلان والبقر الوحشي والأيائل والخنازير البرية والمهاة والزراف، كما يظهر في رسومات مصاطب سقارة خلال الدولة القديمة، ومقابر مير في الدولة الوسطى، وكان صيد الضباع أمرًا معتادًا لرغبة المصريين القدماء في استئناسه، وإن فشلت المحاولات. وإلى جانب الصيد من أجل الغذاء كان هناك الصيد من أجل إبادة الحيوانات الضارة مثل فرس النهر الذي كان يدمر الزراعات، وكذلك التماسيح التي كانت تهدد حيوات البشر وحيوانات المصري القديم المستأنسه أثناء عبورها المياه والقنوات، ومن الملاحظ أن رغبة المصري في صيد فرس النهر كانت أكبر من محاولاته القضاء على التماسيح، لأن فرس النهر كان حيوانًا عشبيًا يدمر الزراعات مقابل التمساح الأقل إيذاءًا من فرس النهر رغم خطورته. وكان المصري القديم يلجأ إلى تدمير بيض التماسيح لتحديد وحصر تكاثرها، كما كان يفعل النمس نفس الأمر، ورغم خطورة التمساح فإنه كان يقدس في بعض المقاطعات، ولا يمس بسوء وإذا لزم نزال فإنه يتم من خلال التعاويذ والصيغ السحرية.

بجانب أعمال الصيد هذه كان هناك صيد ملكي، يختلف عما سبق، فهنا الصيد الغرض منه إظهار الملك بمظهر الصائد العظيم والرياضي مفتول العضلات القادر على مواجهة الأخطار وصيد الحيوانات الشرسة والخطيرة، وكان ذاع صيد السباع باعتبارها صيد ملكي، والمشاهد كثيرة وعديدة لتوضيح ذلك، ويقال أن امنحتب الثالث اصطاد مائة واثنى أو مائة وعشرة أسد خلال السنوات العشر الأولى من حكمه، وكذلك نُسب إليه صيد الثيران الوحشية وقتله نحو ستة وتسعين ثورًا وذلك في منطقة وادي النطرون. وإن لم يمنع ذلك من إدعاء البعض تلك الأعمال كالحال مع توت عنخ آمون، فصغر سنه وبنيته الجسدية لا توحي بتلك المقدرة. وكان صيد الافيال من الأعمال المتعلقة بالهيبة والفخامة، وإن تواجد الفيل في مصر قبل الأسرات، فإنها اختفت بداية من الألفية الثالثة، لظروف التغيرات البيئية وسيادة التصحر، ولنمو السكان في الوادي، وبالتالي فإن صيد الفيلة كان نشاطًا يقوم به ملوك مصر أثناء حملاتهم الآسيوية كما في رحلات تحتمس الأول وتحتمس الثلاث. وفي النوبة كان يتم صيد وحيد القرن وكذلك الخرتيت. وقد ظهر اهتمام بالحيوانات الأجنبية التي يحضرها سكان الأقاليم التابعة، حيث ظهر في مقبرة "رخميرع" العائدة للدولة الحديثة صور تظهر زرافة وفيًلا صغيرًا ودبًا. وكان الصيد بجانب كونه نشاط جسدي يزيد من كفاءة القوة القتالية للملك فإنه كان ذات بعد أيديولوجي فإنه بمحاربة الحيوانات الكاسرة الرهيبة يؤدي الملك مهمته في مصارعة قوى الخواء والفوضى وبالتالي الحفاظ على النظام الكوني.

أما صيد الأسماك فكان نشاطًا سائدة لغنى نهر النيل والدلتا والفيوم بالأسماك، وكان الصيد يتم بالشباك والصنارة والحراب، وتم صيد أنواع عديدة من السمك مثل الحبري أو السمكة القط، والبوري وفرخ النيل وشبوط النيل والأنقيس، وإن ظهرت أسماك غير نيلية في معبد حتشبسوت الجنائزي بالدير البحري مثل سمكة السيف وسمكعة عقرب. وكانت الأسماك تؤكل عادة طازجة أو محفوظة من خلال عمليتي التمليح والتجفيف وربما التدخين. ولم تستخدم الأسماك فوق موائد القرابين الإلهية ولكنها قد استخدمت ضمن القرابين التي تقدم للمتوفي خلال المواكب، ومن الواضح أن استهلاك السمك كان غزيرًا، وربما ترجع أهميتها إلى استخدامها كنموذج زخرفي بالإضافة إلى دلالتها الدينية باعتبارها مساعدة للشمس في صراعها ضد ابوفيس.

وإلى جانب تلك الحيوانات التي كان يصطادها المصري القديم سواء من أجل الغذاء أو من أجل القضاء عليها أو من التريض، فقد كان هناك حيوانات أخرى غير مرغوب فيها مثل القندس والذي يشبه بشكل كبير النمس، كما يظهر في الرسومات والتماثيل، وكان كل من النمس والقندس يرتبط بآلهة تنتشر في الصعيد والدلتا. وبالإضافة إلى ذلك كان هناك حيوان بن عرس "السرعوب" والثعلب والغرير والزريقاء والقنفذ وكان يعد حيوانًا نافعًا لأنه يهاجم الثعابين، وكان يمثل في شكل تعويذة واقية. كذلك كانت هناك الزواحف وكثيرًا ما كان المصري القديم يقابل منها الحية المقرنة والكوبرا والكوبرا السوداء الرقبة، وكان يتم استعمال تعاويذ ورقي للحماية من لدغات تلك الثعابين، التي كثيرًا ما كان يقابلها المصري القديم في حقول الزراعة أو في الصحراء عند حفر المقابر. ومثل الثعابين كانت العقارب كثيرًا ما تقابل المصري القديم، وكان يخشى لدغاتها، وإن كانت أقل سمية من الثعابين، وقد صورت على فخاريات حضارة نقادة الأولى في الألفية الخامسة،  وهي نوعين بري ومائي، وكثيرًا ما كانت تستعمل الوصفات السحرية والتعاويذ والعصى السحرية للحماية والوقاية ضد تلك الحيوانات السامة.

كذلك عرف المصريون السلحفاة البرية والبحرية، وكانت تؤكل في عصور ما قبل الأسرات، ولكن حدث تحول تجاهها منذ الدولة الوسطى حيث أعلن أن لحمها "يكرهه الإله رع" ومن ثم بُدأ في قتلها كالحال مع الثعابين والعقارب، أما الضفادع فكانت منتشرة في براري ومستنقعات مصر وقد عثر على تماثيل وأواني على شكل ضفدع تعود إلى حضارة "نقادة الثانية" ولكثرتها استخدمها المصري القديم للدلالة على رقم 100000، ولم تكن النوعيات السامة من الضفادع في مصر منتشرة لذا فقد كان الضفدع العادي أو الشرغوب "ضفدع الشجر" الأكثر ظهورًا في الصور والرسومات.

أما عن عالم الطيور لدى المصري القديم، فإلى جانب ما كان قد سبق استئناسه من طيور أو قام بصيدها لأجل الطعام وظلت على حالتها الوحشية، فقد كان هناك أنواع أخرى من الكواسر مثل الصقر استخدمها المصري القديم رمزًا للسلطة والقوة منذ فجر التاريخ المصري القديم، كما في لوحة نعرمر حيث يمسك الصقر حورس، في حضرة الملك بأحد الأسرى، وقد تعددت الصور التي كان يظهر فيها الصقر مغدقًا صفاته على ملوك مصر بقوته وثاقب بصره. كذلك كانت الحدأة "أبو الخطاف" من الكواسر التي مثلت في العديد من اللوحات والرسومات، وكانت تمثل الإلهتين "نفتيس وإيزيس" ناحبات باكيات بجوار المتوفي. أما النسور فقد عرف المصري القديم ثلاثة أنواع منها، وكانت الإلهه "نخبت" الربة النسر  شعارًا لمصر العليا، وكانت لأنثى النسر رمزًا للأمومة وانتقال السلطة، لذا فإنها كثيرًا ما كانت تتخذ غطاءًا على رأس الملكات.

وفي معبد الكرنك يمكن الحصول على كثير من المعلومات حول الطيور السائدة في مصر من خلال "حديقة النباتات" الخاصة بتحتمس الثالث، ففي هذه الحديقة المجلوبة نباتاتها من سوريا "بلاد الرتنو الشمالية" يمكن التحقق من نحو ثمانية وثلاثون نوعًا من الطيور والثدييات، بعضها غريب وافد إلى الأراضي المصرية، مثل طائر الغرغر، وبعض فصائل الغاق، وخطاف البحر والبلقشة "نوع من البط الغطاس" والوقواق المبرقش. وخلاف ذلك الكثير من تلك الطيور المألوفة مثل الكركي والأبيس الأسود وصياد السمك والزقزاق ذي القنزعة والبجعة والسنونو والبلشون الأبيض اللون والأوز والحمام واليمام، والهدد والسمان. وبالإضافة إلى تلك الطيور كان هناك أيضًا طائر الصفارية وكان يعد من الطيور الضارة حيث يستهلك كمية كبيرة من الفواكه ويلحق الاذى بالمحاصيل، والغراب، وعصفور الجنة، وأكال السمك والقنبرة وجميعها تعد من الجواثم. بالإضافة إلى ذلك كان هناك طيور مائية طويلة الساق، مثل الأبيس المقدس، وطائر البلشون، وابو قردان، والعجاج وهو من الجوارح، والجهلول والفاقة وطيور البجع التي كانت يتغذى على لحمها وبيضها الإنسان، وقد انقرضت البجعة من مصر، كذلك كان هناك طائر الملاعقي، والزقزاق، الذي كان يستخدم للدلالة على الشعوب الخاضعة للملك.

أما عن عالم الحشرات فهو عالم كبير ينحصر الحديث فيه حول تلك التي تم تمثيلها بالنقوش الغائرة والرسوم الملونة، مثل حشرة الجُعل، ذلك الذي يصنع من فضلاته كرات يقوم بدفعها، معبرًا عن الدورة اليومية للشمس، كما تم تمثيل الجراد في نقوش مصاطب الدولة القديمة، ولكن ليس هناك تحديد قاطع حول إن كانت تلك الحشرات جرادًا أم فرقع لوز، كذلك صورت الذبابة والتي كانت مصدرًا للإزعاج والعناد الإصرار الشديدين، الأمر الذي جعلها رمزًا للبسالة والشجاعة العسكرية خلال الدولة العسكرية، وظهر وسام "ذبابة البسالة"، وإن لم يذكر الناموس في النصوص المصرية، فإن هيرودوت أكد على وجود أعداد كبيرة منه، وكان المصريون يهربون منه بالنوم فوق أسطح البيوت، أو وضع شباك (ناموسية) حول أسرتهم، ورغم عدم تصوير الفراشات إلا نادرًا فإنها رغم ذلك قد ظهرت في هيئات بديعة على أحجار نفيسة كالفيروز واللازورد والعقيق كأساور للملكة "حتب حرس" والدة الملك "خوفر"، كذلك ظهرت في تلك المناظر الطبيعية التي مثلت به مشاهد صيد الأسماك أو الصيد والقنص بالمستنقعات.

الفصل الرابع: "الحيوانات القادمة حديثًا والحيوانات المندثرة"

وفيه تم الحديث عن الحيوانات التي تم جلبها من خارج مصر وتلك التي تعرضت للإنقراض والإندثار، ومن أمثلة تلك الحيوانات بقرة الدرباني، وهو نوع من البقر له سنام وقد أُحضر لمصر كجزية من قبل لممالك الآسيوة المجاورة في عهد الدولة الحديثة، ولكنه لم يستمر كثيرًا واختفى، وكذلك عرف المصريون الحصان في وقت احتلال الهكسوس لمصر، حيث ظل الحصان مجهولًا للمصريين ولم يستخدموه إلا بعد مجئ الهكسوس لمصر في عام 1650 ق.م. وعليه فإن الحصان قد انتشر في مصر ولكنه لم يستطع أن يحل محل الحمار نظرًا لهشاشة بنيته وعدم تلاءمه مع ظروف الأجواء الحارة والصحراوية المصرية، وظل الحصان حكرًا على علية القوم ورمزًا للأبهة والثراء، وإن ظهر استخدامه في جر المركبات الحربية وكذلك بعض الصور التي تظهر وجود فرقة الفرسان في الجيش المصري. وقد كان الحصان يحصل على رعاية كبيرة، وكثيرًا ما كانت الرسائل المتبادلة يتم فيها السؤال عن حالة الأسرة وكذلك حالة الحصان، بل إن كثيرًا ما كان الحصان يُعرف باسماء مميزه، كحال جوادي رمسيس الثاني، الذي أثنى عليهما في حرب قادش، وأكد على أنهما كانا سببا في إنقاذ حياته.

وهناك كذلك البعير، أو الجمل الهجين ذو السنام الواحد، وبشأنه تتضارب النظريات حول وجوده في مصر أو قدومه إليها، ولكن يرى البعض أنه وفد إلى مصر عبر الصومال والنوبة، وآخرون يرون أنه قدم إثر جيوش أسرحدون عام 671ق.م. وقد تزايدت أعداده في عصر البطالمة باستقدامه من شبه الجزيرة العربية، ورغم غلو ثمنه كالحصان إلا أنه كان أكثر انتشاراً منه، وذلك لفوائده واستخداماته المتعددة. أما الخراف فرغم أنه كان معروفًا في مصر منهذ عصر ما قبل الأسرات إلا أنه تم استقدام سلالات جديدة تم تربيتها في مناطق الاستصلاح الزراعي التي كانت الفيوم تعد نموذج رائد لها، وكان صوف تلك السلالات من النوع الثمين وذاع صيته لدى المصريين، كذلك فرغم أن الخنزير كان معروفًا لدى المصريين، مع بعض الشك في كونه كان يستخدم للحصول على لحمه، فإنه كان منبوذاً ولم يستخدم في القرابين وذلك لأنه كان يمثل الإله ست الشرير، ولكن من الواضح أنه مع عهد البطالمة والرومان أضحى الخنزير مصدر للحصول على اللحم والشحم، بل كان يتم استخدامه كقرابين للآلهة، وكان انخفاض سعره عامل مساعد على ذلك، ويبدو من خلال الرسومات أنه قد تم تهجين بين الخنزير البري "الحلوف" والخنزير الأوربي.

أما عن الكلاب فإلى جانب السلالات الموجودة في مصر، فقد تم جلب العديد من الأصناف الجديدة وتم تحسين السلالات، وذلك مع العصرين البطلمي والروماني حيث ظهرت العديد من الأنواع الصغيرة الحجم التي تشبه الكلب اللولو وهي ما عُرفت باسم "كلب مالطة". ورغم أن الدجاج والديوك كانت معروفة في مصر وترجع أولى الصور للديك إلى الدولة الحديثة، إلا أن هناك تضارب بشأن كونها مصرية أم أنها وافدة، وتشير بعض الدراسات إلى أنها قد وفدت لمصر من سوريا، وإن أشار آخرون أنها دخلت مصر مع الإغريق، وحتى أوائل عصر البطالمة، كان الديك يعتبر من الطيور النادرة في مصر، وقد أثارت أفران تفريخ البيض في نطاق درجة حرارة ثابتة دهشة واهتمام الرحالة القدامى وكانت تعد بمثابة تجسيد مسبق لتربية الحيوانات. أما الحديث عن الفيلة فتعد حالة خاصة، فرغم أن الفيلة كانت موجودة في مصر منذ عصر قبل الأسرات، فإنها قد آثرت التوغل جنوبًا مع التغيرات المناخية في مصر، ولم تأت الأسرة الثالثة إلا وقد انعدم وجود الفيلة في مصر، لذا فإن الحصول عليها كان يقتضي صيدها من بلادها، سواء لاستخدامها في الحروب أو من أجل العاج، ورغم الجهود التي كانت تبذل في استقدام تلك الحيوانات الضخمة لاستخدامها في أغراض القتال ،من قبيل وبناء السفن الخاصة "قافلة الفيلة" كي تتمكن من نقلها، وإعداد الموانئ مثل ميناء ميوس هورموس "القصير" وميناء برنيس، وميناء ثيرون في السودان بالقرب من سواكن، وإعادة تشغيل قناة نخاو، فإنها لم تؤدي بكفاءة مقارنة بالفيلة الآسيوية، كما حدث في معركة رفح عام 217ق.م حيث هزمت الفيلة الأفريقية أمام الفيلة الآسيوة، وقد يرجع ذلك لنقص في تأهيلها وتدريبها.

أما عن الحيوانات الحالية في مصر فلاشك أن عمليات الري الحديثة التي تمت منذ عهد محمد علي حتى بناء السد العالي قد اثرت في الحياة النباتية والحيوانية في مصر، ورغم استمرار وجود الكثير من الحيوانات كما كان الوضع قائمًا من قبل، إلا أنه يلاحظ ثمة انقراض لأنواع عديدة منها الثور ذو القرنين الطويلين، حيث حل محله الكثير من أنواع وسلالات البقر المستقدمة من أوربا، وكذلك تم استقدام الجاموس الذي وفد مع دخول العرب مصر، ويلاحظ انتشاره في جميع أرجاء الوادي والدلتا على طول قنوات ومجاري المياه، كذلك يلاحظ اختفاء الحيوانات الكاسرة مثل الأسود حيث تقهقر نحو السفانا، وإن لوحظ استمرار وجود الفهد في المنطقة الجنوبية بالصحراء الشرقية، فإن النمر قد اختفى كذلك مثله في ذلك مثل فهرس النهر والتمساح، وإن تواجد التمساح في بحيرة ناصر وتكاثر مرة أخرى، كذلك اختفت الغزلان والتياتل من الوادي ولم تعد ترى إلا في الصحاري بأعداد محدودة، جراء الصيد الجائر والمحظور، والأمر نفسه بالنسبة للخنزير البري، كذلك فإن القردة اختفت من مصر سواء كان البابون أو القرد الأخضر، وقد كانت ذات أعداد كبيرة حتى مجئ البطالمة والرومان لمصر، وهناك كذلك طائر أبو منجل وهو حقيقة الأمر طائر البلشون صغير الحجم، حيث تأثر وغيره من الطيور بعمليات تصريف المياه وتجفيف المستنقعات.

ولقراءة باقي عرض الكتاب يمكنكم تحميل الملف بصيغة PDF