من أجل هذا كلفه الخديوي إسماعيل بتأسيس الجمعية الجغرافية المصرية !

من أجل هذا كلفه الخديوي إسماعيل بتأسيس الجمعية الجغرافية المصرية !

من أجل هذا كلفه الخديوي إسماعيل بتأسيس الجمعية الجغرافية المصرية ! 


في عام 1836 ولد جيورج شفاينفورت في مدينة "ريجا"(على ساحل بحر البلطيق) التي كانت قد لجأت إليها عائلته منذ مطلع القرن 19، في هذا البلد تلقى تعليمه الأوّلي بالألمانية ثم استكمل دراساته في علم النبات في ميونخ وبرلين، ومنذ وقت مبكر جدا اكتشف في نفسه حب المغامرة وارتياد المجهول. 
اتجهت رحلاته الأولى في سني الشباب إلى كل من النمسا وروسيا وإيطاليا، لكنه كان دوما توَّاقا إلى زيارة مصر. وما أن أتم دراسته الجامعية حتى كافأته والدته بتمويل أولى رحلاته البعيدة، فاختار صحراء مصر الشرقية.
وصل شفاينفورت إلى مصر في ديسمبر 1863 واستأجر مركبا صغيرا ذرع به ساحل البحر الأحمر من القصير إلى برنيس، ومن هناك إلى سواكن: ميناء السودان الأكبر على البحر الأحمر آنذاك. ومن سواكن توغل في العمق إلى كسلا وسِنَّار والخرطوم. 
وما يهمنا من نتائج رحلته الأولى أنه نشر سنة 1865 أول خريطة للمنطقة حول حلايب، وبقيت هي الخريطة الوحيدة للمنطقة حتى قام جون بول سنة 1906 بمسحها بالأجهزة المساحية. 
وبعد إتمام رحلته الأولى عاد إلى ألمانيا سنة 1866 مصطحبا مجموعة ضخمة من عينات النبات لفتت أنظار علماء الأكاديمية الملكية في برلين. فأمدوه بتمويل من مؤسسة همبولت وكلفته الأكاديمية باستطلاع مجاهل أعالي النيل، وكانت ألمانيا وقتها في المراحل الأخيرة من إتمام وحدتها ولم تكن قد صاغت مشروعها الاستعماري بعد، ومن ثم يمكن القول إن أعمال شفاينفورت كانت متحررة من أغراض التجسس العلمي الذي غالبا ما عمل من خلاله العلماء الأوربيون في مصر وبقية البلاد الخاضعة للاستعمار . 
ثم حظيت زيارته الثانية إلى مصر بدعم الحكومة المصرية التي كانت تهدف إلى ما يهدف إليه شفاينفورت ألا وهو معرفة المزيد عن أعالي النيل. ومن خلال الاهتمام الرسمي بمكانته تسابق على الترحيب به تجار العاج وزعماء القبائل الموالون للحكومة في أعالي النيل، فانطلق من الخرطوم سنة 1868 مصعدا في النيل الأبيض ومستكشفا حوض بحر الغزال وبعض روافد نهر الكونغو ورسم خط تقسيم المياه بين النيل والكونغو.
في منابع النيل، تعرف على أحوال قبائل الدنكا والشِلُك والغطاس والجولو وكان أول أوروبي يتوغل في بلاد الأزاندي (نيام نيام) التي قسمتها فيما بعد الحدود السياسية فأصبحت واقعة في ثلاث دول هي السودان الجنوبي، الكونغو، وإفريقيا الوسطى. ودوَّن شفاينفورت ملاحظات رائدة عن الأقزام وبيئة الغابات الاستوائية.
ولما عاد إلى برلين سنة 1872 استقبله الوسط العلمي بحماس، بل واستدعته الجمعية الجغرافية الملكية في لندن لتمنحه الميدالية الذهبية على كشوفه أقواما لم يكن الأوربيون يعلمون عنهم شيئا، وقد وصفهم في كتابه "في قلب إفريقيا "Im Herzen von Afrika" " الذي صدر أولا بالألمانية سنة 1874 ثم سرعان ما ترجم إلى عديد من اللغات.
ولحبه الكشف والمغامرة رفض عرضا مغريا بشغل كرسي مرموق في إحدى الجامعات الألمانية تاركا ذلك ليعود إلى مصر سنة 1874 بنية صرف كل جهده إلى الاستكشاف فيها، فكانت رحلته الأولى إلى الواحات الخارجة، وفيها التقى جرهرد رولفس العائد من رحلة كان قد كلفه بها الخديو إسماعيل لاختراق بحر الرمال والوصول إلى واحة الكفرة. 
وفي عام 1876 نشر شفاينفورت نتائج رحلته في خريطة لواحة الخارجة، وقد رسمت هذه الخريطة وفق قواعد علم المساحة أي بإنشاء خط قاعدة وشبكة مثلثات واحتوت الخريطة على القرى والآبار والمواقع الأثرية. 
والمعروف أن معاهدة لندن 1840 قد أغلقت بلاد الشام في وجه محمد علي وخلفائه، ومن ثم راوغ إسماعيل في مشروعهالتوسعي بتحريك المحور الجيوسياسي المصري نحو الجنوب والغرب، وفي هذا الإطار كلف إسماعيل شفاينفورت بتأسيس الجمعية الجغرافية في القاهرة في يونيو 1875. وكان أكثر الأعضاء المؤسسين من الأجانب ممن تولوا إدارة الجمعية لأكثر من نصف قرن وهي فترة شهدت إنتاجا علميا خصبا ضاهى نظيره العالمي. 
وكرئيس للجمعية، انطلق شفاينفورت مع رفيقه بول جوسفلت في عشر رحلات في هضبة المعازة بصحراء مصر الشرقية استغرقت الفترة من 1876-1880 قطعا فيها آلاف الكيلومترات وأسفرت عن إنشاء أول خرائط تفصيلية لهذا الجزء من مصر، ولم يعد شفاينفورت يهتم بالعودة إلى ألمانيا بعد كل رحلة، إذ أقام في مصر 13 سنة متصلة.
وقد نشر شفاينفورت خرائط الصحراء الشرقية في مجلات ألمانية وإيطالية، كما نشر خريطة ذات مقياس تفصيلي نسبيا عن منطقة حلوان بهدف دراسة أحوال التعرية الصحراوية. وفي هذه الفترة الخصبة انطلق في رحلات حول القاهرة وإلى الفيوم ومنطقة قناة السويس وميناء طبرق وجزيرة سقطرى وسواحل اليمن ولبنان. وخلال هذه الفترة كان الاهتمام كبيرا بآثار ما قبل التاريخ في مصر، فجمع آلاف الأدوات الحجرية في أكثر من 40 مجموعة أودع معظمها المتحف المصري بالقاهرة. كما اهتم بآثار النبات في قبور عصر مصر القديمة وتعرف على مائتين من أنواع النباتات المصرية القديمة. 
وباحتلال الإنجليز مصر (1882) لم يعد لشفاينفورت ما كان له من حظوة، فغادر مصر في 1888 إلى ألمانيا لينهمك في تصنيف وترتيب ما أرسله لبلاده من عينات النبات، لكن حبه للكشوف عاد به إلى اليمن سنة 1889 ثم جاس شمال الحبشة ومستعمرة إرتريا الإيطالية وكتب عنها عددا من المقالات ثم قادته ميوله الكشفية إلى طرابلس الغرب ومنها إلى تونس والجزائر في الأعوام الممتدة بين 1901و1908.
وفي كل أعماله السابقة ذاع صيته لدرجة أن اكثر من ستين جمعية علمية دعته إلى إلقاء محاضرات فيها ومنحته 30 جمعية عضويتها الفخرية ومنحته جامعة هايدلبرج دكتوراه في الطب ومنحه وزير التعليم الألماني لقب الأستاذية. 
وحين توفي في ألمانيا في 1925 دفن في الحديقة النباتية التي طالما اعتنى بتنظيم مقتنياتها. وبلغ مجموع ما كتب من مقالات ومذكرات أكثر من 430 عملا وقال عنه ماسبيرو "لا أعرف ركنا في مصر لم تطأه قدم شفاينفورت" 
-----------
هذه خلاصة مقالين ترجمهما "أسعد حمَّاد " وحررهما عاطف معتمد:
- المقال الأول بالفرنسية من تأليف هنري مونييه سكرتير الجمعية الجغرافية المصرية ونشر في مجلة الجمعية عدد أغسطس 1926. 
- المقال الثاني بالإنجليزية ونشر في العدد نفسه وكتبه جون بول عن مساهمات شفاينفورت في خرائط مصر.